Share |

دروس / حديث

حديث الذباب

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه إلى يوم الدين، أما بعد:

فقد وصف الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم بأنه لا ينطق عن الهوى، وآتاه من السنة النبوية مثل ما آتاه من القرآن، وجعل السنة وحي كما أن القرآن وحي فجاء عن المقدام بن معد يكرب الكندي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه))1.

ومما ترتكز عليه شهادة أن محمداً رسول الله تصديقه بما أخبر، ومما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم الحديث الصحيح الذي رواه الإمام البخاري رحمه الله تعالى عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((إذا وقع الذباب في شراب أحدكم فليغمسه، ثم لينزعه، فإن في إحدى جناحيه داء، والأخرى شفاء)) رواه البخاري (3142).

وقد وقع في شراك الفهم الخاطئ كثير من الناس، فجعلوا هذا الحديث مما يعارض العقل، وردوه وأعرضوا عنه جهلاً منهم بما قاله النبي صلى الله عليه وسلم، وليس هذا الحديث هو ما ردوه فحسب بل أشياء كثيرة من الدين ردوها لأنها عارضت عقولهم يقول الإمام الشاطبي رحمه الله تعالى: "ردُّ الأحاديث التي جرت غير موافقة لأغراضهم ومذاهبهم، ويدَّعون أنها مخالفة للمعقول، وغير جارية على مقتضى الدليل، فيجب ردها كالمنكرين لعذاب القبر، والصراط والميزان، ورؤية الله عز وجل في الآخرة، وكذلك حديث الذباب وقتله، وأن في أحد جناحيه داء وفي الآخر دواء، وأنه يقدم الذي فيه الداء، وحديث الذي أخذ أخاه بطنه فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بسقيه العسل، وما أشبه ذلك من الأحاديث الصحيحة المنقولة نقل العدول؛ ربما قدحوا في الرواة من الصحابة والتابعين رضي الله تعالى عنهم - وحاشاهم -، وفيمن اتفق الأئمة من المحدثين على عدالتهم وإمامتهم؛ كل ذلك ليردُّوا به على من خالفهم في المذهب، وربما ردوا فتاويهم وقبحوها في أسماع العامة لينفروا الأمة عن اتباع السنة وأهلها"2.

والعجب هو: كيف ينكر المنكرون ما جعل الله في هذا المخلوق العجيب من الإعجاز؟ والله عز وجل قد جعل وجود الذبابة في حد ذاته إعجازاً يقول سبحانه وتعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَن يَخْلُقُوا ذُبَاباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئاً لَّا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ}(الحج:73)، يقول العلامة السعدي رحمه الله تعالى: "(يا أيها الناس) هذا خطاب للمؤمنين والكفار، المؤمنون يزدادون علماً وبصيرة، والكافرون تقوم عليهم الحجة، (ضرب مثل فاستمعوا له) أي: ألقوا إليه أسماعكم، وتفهموا ما احتوى عليه، ولا يصادف منكم قلوباً لاهية، وأسماعاً معرضة، بل ألقوا إليه القلوب والأسماع، وهو هذا: (إن الذين تدعون من دون الله) شمل كل ما يدعى من دون الله، (لن يخلقوا ذباباً) الذي هو من أحقر المخلوقات وأخسها، فليس في قدرتهم خلق هذا المخلوق الضعيف فما فوقه من باب أولى، (ولو اجتمعوا له) بل أبلغ من ذلك لو (يسلبهم الذباب شيئاً لا يستنقذوه منه) وهذا غاية ما يصير من العجز، (ضعف الطالب) الذي هو المعبود من دون الله (والمطلوب) الذي هو الذباب، فكل منهما ضعيف، وأضعف منهما من يتعلق بهذا الضعيف، وينزله منزلة رب العالمين"3.

وقد شرح كثير العلماء حديث: ((إذا وقع الذباب في شراب أحدكم فليغمسه... الحديث))، وذكروا ما فيه من المعاني والفوائد فقال العلامة بدر الدين العيني صاحب "عمدة القاري شرح صحيح البخاري": "الذباب بضم الذال المعجمة وتخفيف الباء الموحدة قال أبو هلال العسكري: الذباب واحد، والجمع ذبان كغربان يعني بكسر الذال، والعامة تقول: ذباب للجمع، والواحدة ذبابة...، وحكى سيبويه في الجمع ذب - بضم أوله والتشديد -، وقال الجوهري: الذباب معروف الواحدة ذبابة، ولا تقل ذبابة، وجمع القلة أذبة، والكثير ذباب مثل غراب وأغربة وغربان وأرض مذبة ذات ذباب، وقيل: سمي ذباباً لكثرة حركته واضطرابه، وقد أخرج أبو يعلى بسند لا بأس به عن ابن عمر مرفوعاً: عمر الذباب أربعون ليلة، والذباب كله في النار إلا النحل، وقال الجاحظ: كونه في النار ليس تعذيباً له؛ بل ليعذب أهل النار به، وقال الجوهري: يقال إنه ليس شيء من الطيور يلغ إلا الذباب، وقال أفلاطون: الذباب أحرص الأشياء حتى إنه يلقي نفسه في كل شيء ولو كان فيه هلاكه، ويتولد من العفونة، ولا جفن للذبابة لصغر حدقتها، والجفن يصقل الحدقة، فالذبابة تصقل بيديها، فلا تزال تمسح عينيها، وهو من أكثر الطيور سفاداً، وربما بقي عامة اليوم على الأنثى، وأدنى الحكمة في خلقه أذى الجبابرة، وقيل: لولا هي لجافت الدنيا"4.

وهنا سؤال هو: هل الذباب ينجس الطعام أم لا؟ وما طهارة ما سقط في الطعام من غير الذباب هل ينجس أم لا؟

يقول ابن حجر رحمه الله: "رجح جماعة من المتأخرين أن ما يعم وقوعه في الماء كالذباب والبعوض لا ينجس الماء، وما لا يعم كالعقارب ينجس؛ وهو قوي"5.

وأي الجناحين للذباب هو الذي فيه الشفاء؟

يذكر بعضهم أنه بعد التأمل والتتبع وجد أنه الأيمن قال ابن حجر رحمه الله: "ذكر بعض العلماء أنه تأمله فوجده يتقي بجناحه الأيسر، فعرف أن الأيمن هو الذي فيه الشفاء، والمناسبة في ذلك ظاهرة"6.

وهنا قد يصعب على البعض الفهم، فلا يستطيع أن يجمع بين الداء والدواء في وقت واحد، فكيف يجتمع السقم والشفاء في جناحي الذباب؟ وقبل بيان الإشكال لابد أن نربي أنفسنا على اليقين بما أخبر به سيد المرسلين، وأما إمكان ذلك ففيما نقله ابن حجر بيان ذلك: "قال الخطابي: تكلم على هذا الحديث من لا خلاق له فقال: كيف يجتمع الشفاء والداء في جناحي الذباب؟ وكيف يعلم ذلك من نفسه حتى يقدم جناح الشفاء؟ وما ألجأه إلى ذلك؟ قال: وهذا سؤال جاهل أو متجاهل، فإن كثيراً من الحيوان قد جمع الصفات المتضادة، وقد ألَّف الله بينها، وقهرها على الاجتماع، وجعل منها قوى الحيوان، وأن الذي ألهم النحلة اتخاذ البيت العجيب الصنعة للتعسيل فيه، وألهم النملة أن تدخر قوتها، أو أن حاجتها أن تكسر الحبة نصفين لئلا تستنبت؛ لقادر على إلهام الذبابة أن تقدم جناحاً وتؤخر آخر، وقال ابن الجوزي: ما نقل عن هذا القائل ليس بعجيب، فإن النحلة تعسل من أعلاها، وتلقى السم من أسفلها، والحية القاتل سمها؛ تدخل لحومها في الترياق الذي يعالج به السم، والذبابة تسحق مع الأثمد لجلاء البصر، وذكر بعض حذاق الأطباء أن في الذباب قوة سمية يدل عليها الورم والحكة العارضة عن لسعه، وهي بمنزلة السلاح له، فإذا سقط الذباب فيما يؤذيه تلقاه بسلاحه، فأمر الشارع أن يقابل تلك السمية بما أودعه الله تعالى في الجناح الآخر من الشفاء، فتتقابل المادتان، فيزول الضرر بإذن الله تعالى، واستدل بقوله "ثم لينزعه" على أنها تنجس بالموت كما هو أصح القولين للشافعي، والقول الآخر كقول أبي حنيفة أنها لا تنجس، والله أعلم"7.

وهنا يقف الألباني رحمه الله مدافعاً عن أبي هريرة رضي الله عنه راوي الحديث، وأن الحديث ثابت سنداً ومتناً، وبعد أن ذكر أسانيد الحديث الصحيحة قال: "أما بعد، فقد ثبت الحديث بهذه الأسانيد الصحيحة عن هؤلاء الصحابة الثلاثة: أبي هريرة، وأبي سعيد، وأنس؛ ثبوتاً لا مجال لرده، ولا للتشكيك فيه، كما ثبت صدق أبي هريرة رضي الله عنه في روايته إياه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم خلافاً لبعض غلاة الشيعة من المعاصرين؛ ومن تَبِعَه من الزائغين، حيث طعنوا فيه رضي الله عنه لروايته إياه، واتهموه بأنه يكذب فيه على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحاشاه من ذلك، فهذا هو التحقيق العلمي يثبت أنه بريء من كل ذلك، وأن الطاعن فيه هو الحقيق بالطعن فيه؛ لأنهم رموا صحابياً بالبهت، وردُّوا حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم لمجرد عدم انطباقه على عقولهم المريضة!

وقد رواه عنه جماعة من الصحابة كما علمت، وليت شعري هل علم هؤلاء بعدم تفرد أبي هريرة رضي الله عنه بالحديث - وهو حجة ولو تفرد - أم جهلوا ذلك، فإن كان الأول فلماذا يتعللون برواية أبي هريرة إياه، ويوهمون الناس أنه لم يتابعه أحد من الأصحاب الكرام؟! وإن كان الآخر فهلا سألوا أهل الاختصاص والعلم بالحديث الشريف؟

وما أحسن ما قيل:

فإن كنت لا تدري فتلك مصيبة          وإن كنت تدري فالمصيبة أعظم

ثم إن كثيراً من الناس يتوهمون أن هذا الحديث يخالف ما يقرره الأطباء وهو أن الذباب يحمل بأطرافه الجراثيم، فإذا وقع في الطعام أو في الشراب علقت به تلك الجراثيم، والحقيقة أن الحديث لا يخالف الأطباء في ذلك بل هو يؤيدهم، إذ يخبر أن في أحد جناحيه داء، ولكنه يزيد عليهم فيقول: "وفي الآخر شفاء" فهذا مما لم يحيطوا بعلمه، فوجب عليهم الإيمان به إن كانوا مسلمين، وإلا فالتوقف إذا كانوا من غيرهم إن كانوا عقلاء علماء، ذلك لأن العلم الصحيح يشهد أن عدم العلم بالشيء لا يستلزم العلم بعدمه.

نقول ذلك على افتراض أن الطب الحديث لم يشهد لهذا الحديث بالصحة، وقد اختلفت آراء الأطباء حوله، وقرأت مقالات كثيرة في مجلات مختلفة كل يؤيد ما ذهب إليه تأييداً أو رداً، ونحن بصفتنا مؤمنين بصحة الحديث، وأن النبي صلى الله عليه وسلم ما ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى؛ لا يهمنا كثيراً ثبوت الحديث من وجهة نظر الطب؛ لأن الحديث برهان قائم في نفسه لا يحتاج إلى دعم خارجي، ومع ذلك فإن النفس تزداد إيماناً حين ترى الحديث الصحيح يوافقه العلم الصحيح، ولذلك فلا يخلو من فائدة أن أنقل إلى القراء خلاصة محاضرة ألقاها أحد الأطباء في جمعية الهداية الإسلامية في مصر حول هذا الحديث قال: "يقع الذباب على المواد القذرة المملوءة بالجراثيم التي تنشأ منها الأمراض المختلفة فينقل بعضها بأطرافه، ويأكل بعضاً، فيتكون في جسمه من ذلك مادة سامة يسميها علماء الطب بـ(مبعد البيكتريا)، وهي تقتل كثيراً من جراثيم الأمراض، ولا يمكن لتلك الجراثيم أن تبقى حية أو يكون لها تأثير في جسم الإنسان في حال وجود مبعد البكتريا، وأن هناك خاصية في أحد جناحي الذباب هي أنه يحول البكتريا إلى ناحيته، وعلى هذا فإذا سقط الذباب في شراب أو طعام، وألقى الجراثيم العالقة بأطرافه في ذلك الشراب، فإن أقرب مبيد لتلك الجراثيم، وأول واق منها؛ هو مبعد البكتريا الذي يحمله الذباب في جوفه قريباً من أحد جناحيه، فإذا كان هناك داء فدواؤه قريب منه، وغمس الذباب كله وطرحه كاف لقتل الجراثيم التي كانت عالقة، وكاف في إبطال عملها).

وقد قرأت قديماً في هذه المجلة بحثاً إضافياً في هذا المعنى للطبيب الأستاذ سعيد السيوطي (مجلد العام الأول)، وقرأت كلمة في مجلد العام الفائت (ص 503) كلمة للطبيبين محمود كمال، ومحمد عبد المنعم حسين نقلاً عن مجلة الأزهر، ثم وقفت على العدد (82) من (مجلة العربي) الكويتية ص 144 تحت عنوان: (أنت تسأل، ونحن نجيب) بقلم المدعو عبد الوارث كبير جواباً له على سؤال عما لهذا الحديث من الصحة والضعف؟ فقال: "أما حديث الذباب، وما في جناحيه من داء وشفاء فحديث ضعيف، بل هو عقلاً حديث مفترى، فمن المسلَّم به أن الذباب يحمل الجراثيم والأقذار، ولم يقل أحد قط أن في جناحي الذبابة داء، وفي الآخر شفاء؛ إلا من وضع هذا الحديث أو افتراه، ولو صح ذلك لكشف عنه العلم الحديث الذي يقطع بمضار الذباب، ويحض على مكافحته) وفي الكلام على اختصاره من الدس والجهل ما لابد من الكشف عنه دفاعاً عن حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وصيانة له أن يكفر به من قد يغتر بزخرف القول! فأقول:

أولاً: لقد زعم أن الحديث ضعيف يعني من الناحية العلمية الحديثية بدليل قوله: (بل هو عقلاً حديث مفترى)، وهذا الزعم واضح البطلان، تعرف ذلك مما سبق من تخريج الحديث من طرق ثلاث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكلها صحيحة، وحسبك دليلاً على ذلك أن أحداً من أهل العلم لم يقل بضعف الحديث كما فعل هذا الكاتب الجريء!

ثانياً: لقد زعم أنه حديث مفترى عقلاً، وهذا الزعم ليس وضوح بطلانه بأقل من سابقه؛ لأنه مجرد دعوى لم يسق دليلاً يؤيده به سوى الجهل بالعلم الذي لا يمكن الإحاطة به، ألست تراه يقول: "ولم يقل أحد...، ولو صح لكشف عنه العلم الحديث..." فهل العلم الحديث - أيها المسكين - قد أحاط بكل شيء علماً، أم أن أهله الذين لم يصابوا بالغرور - كما أصيب من يقلدهم منا - يقولون: إننا كلما ازددنا علماً بما في الكون وأسراره؛ ازددنا معرفة بجهلنا، وأن الأمر بحق كما قال الله تبارك وتعالى: {وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً}(الإسراء:85).

وأما قوله : "إن العلم يقطع بمضار الذباب، ويحض على مكافحته" فمغالطة مكشوفة؛ لأننا نقول: إن الحديث لم يقل نقيض هذا، وإنما تحدث عن قضية أخرى لم يكن العلم يعرف معالجتها، فإذا قال الحديث: ((إذا وقع الذباب...))، فلا أحد يفهم لا من العرب ولا من العجم - اللهم إلا العجم في عقولهم وإفهامهم - أن الشرع يبارك في الذباب ولا يكافحه؟

ثالثاً: قد نقلنا لك فيما سبق ما أثبته الطب اليوم من أن الذباب يحمل في جوفه ما سموه بـ"مبعد البكتريا" القاتل للجراثيم، وهذا وإن لم يكن موافقاً لما في الحديث على وجه التفصيل؛ فهو في الجملة موافق لما استنكره الكاتب المشار إليه وأمثاله من اجتماع الداء والدواء في الذباب، ولا يبعد أن يأتي يوم تنجلي فيه معجزة الرسول صلى الله عليه وسلم في ثبوت التفاصيل المشار إليها علمياً {وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ}(ص:88)"8.

وهنا شرح علمي لما في الحديث من الحقائق العلمية لابد من التنبيه عليها: "هذا الحديث ذكر قضيتين كلتاهما لم تكن معروفة قديماً:

أولاهما: أن الذباب ناقل داء، وهذا شيء أصبح الآن معروفاً لدى الجميع.

وثانيهما: وهي التي يجهلها الكثير أن الذباب يحمل مضادات للجراثيم من النوع الممتاز كذلك، وهذا تحقيق كتبه الدكتور عز الدين جوالة حول هذا الموضوع ننقل منه ما يلزمنا هنا، يقول: قبل الخوض في هذا الموضوع لنتذكر ما يلي:

1- من المعروف منذ القديم أن بعض المؤذيات يكون في سمها نفع "ودواء"، فقد يجتمع الضدان في حيوان واحد، فالعقرب في إبرتها سم "نافع"، وقد يداوى سمها بجزءٍ منها، وفي ذلك يقول العلماء: وقد وجدنا لكون أحد جناحي الذباب داء والآخر دواء وشفاء فيما أقامه الله من عجائب خلقه، وبدائع فطرته؛ شواهد ونظائر، منها: النحلة يخرج من بطنها شراب "نافع"، ويكمن في إبرتها السم الناقع، والعقرب تهيج الداء بإبرتها، ويتداوى من ذلك بجرمها.

2- وفي الطب: يحضر لقاح من ذبيب الأفاعي والحشرات السامة يحقن به لديغ العقرب أو لديغ الأفعى، بل وينفع في تخفيض آلام السرطان أيضاً.

3- إن الطب الحديث استخرج من مواد مستقذرة أدوية حيوية قلبت فن المعالجة رأساً على عقب، "فالبنسلين" استخرج من العفن، و"الستربتومايسين" من تراب المقابر... إلخ أو بمعنى أدق من طفيليات العفن، وجراثيم تراب المقابر.

أما والحالة كذلك فهل يمتنع عقلاً ونظرياً أن يكون الذباب هذه الحشرة القذرة، والتي تنقل القذر طفيلي أو جرثوم يخرج أو يحمل دواء يقتل هذا الداء الذي تحمله.

4- من المعروف في فن الجراثيم أن للجرثوم "ذيفان" مادة منفصلة عن الجرثوم، وأن هذا "الذيفان" إذا دخل بدن الحيوان كوَّن البدن أجساماً ضد هذا "الذيفان" لها قدرة على تخريب "الذيفان"، والتهام الجراثيم؛ تسمى بمبيدات الجراثيم؛ فهل يستبعد القول بأن الذباب تلتهم الجراثيم فيما تلتهم، فيكون في جسم الذباب الأجسام الضدية المبيدة للجراثيم، والتي مرَّ ذكرها، ولها القدرة على الفتك بالجراثيم الممرضة التي ينقلها الذباب إلى الطعام والشراب، فإذا وقعت في الطعام فما علينا إلا نغمس الذبابة فيه فتخرج تلك الأجسام الضدية فتبيد الجراثيم التي تنقلها، وتقضي على الأمراض التي تحملها.

وبعد كلام الدكتور عز الدين يستمر فينقل تحقيقاً للطبيبين المصريين محمود كمال ومحمد عبد المنعم حسين في إثبات ما في الحديث ننقل بعضاً منه يقولان: ما تقوله المراجع العلمية في سنة 1871م، وجد الأستاذ الألماني بريفلد من جامعة "هال" بألمانيا أن الذبابة المنزلية مصابة بطفيلي من جنس الفطريات سماها "امبوزاموسكي" وهو طفيلي يعايش الذبابة على الدوام، وبالتدقيق فيه وجده من نوع من الفطور التي تسمى "انتوموفترالي" تنتمي إلى أهم فصيلة في الفطور الأشنية وهي المسماة بالفطور الأشنية المرتبطة أو المتحدة، وهو من النوع الثاني للفطر المسمى الفطور الأشنية الطفيلية، وهذا الطفيلي يقضي حياته في الطبقة الدهنية الموجودة داخل بطن الذبابة بشكل خلايا مستديرة فيها خميرة خاصة سيأتي ذكرها، ثم لا تلبث هذه الخلايا المستديرة أن تستطيل فتخرج من الفتحات أو من بين مفاصل حلقات بطن الذبابة فتصبح خارج جسم الذبابة.

ودور الخروج هذا يمثل الدور التناسلي لهذا الفطر، وفي هذا الدور تتجمع بذور الفطر داخل الخلية، فيزداد الضغط الداخلي للخلية من جراء ذلك، حتى إذا وصل الضغط إلى قوة معينة لا تحتملها جدر الخلية انفجرت الخلية، وأطلقت البذور إلى خارجها بقوة دفع شديدة، تدفع البذور إلى مسافة 2سم خارج الخلية، على هيئة رشاش مصحوباً بالسائل الخلوي.

وعلى هذا إذا أمعنا النظر في ذبابة ميتة ومتروكة على الزجاج نشاهد:

أ- مجالاً من بذر هذا الفطر حول الذبابة المذكورة.

ب- ويشاهد حول القسم الثالث والأخير من الذباب على بطنها وعلى ظهرها وجود الخلايا المتفجرة، والتي خرجت منها البذور، وقد برز منها رؤوس الخلايا المستطيلة التي مر ذكرها.

وقد جاءت مكتشفات العلماء الحديثة مؤيدة ما ذهب إليه "بريفلد"، ومبينة خصائص عجيبة لهذا الفطر الذي يعيش في بطن الذبابة9.

والخلاصة أنه يستدل من كل ما سبق على الآتي:

أ- يقع الذباب على الفضلات والمواد القذرة والبراز وما شابه ذلك فيحمل بأرجله أو يمج كثيراً من الجراثيم المرضية الخطرة.

ب- يقع الذباب على الأكل فيلمس بأرجله الملوثة الحاملة للمرض هذا الطعام أو هذا الشراب، فيلوثه بما يحمل من سم ناقعٍ، أو يتبرز عليه؛ فيخرج مع ونيمها تلك الجراثيم الدقيقة الممرضة.

ت- فإذا حملت الذبابة من الطعام، وألقيت خارجه دون غمس؛ بقيت هذه الجراثيم في مكان سقوط الذباب، فإذا التهمها الآكل وهو لا يعلم طبعاً؛ دخلت فيه الجراثيم، فإذا وجدت أسباباً مساعدة تكاثرت ثم صالت، وأحدثت لديه المرض، فلا يشعر إلا وهو فريسة للحمى، طريحاً للفراش.

ث- أما إذا غمست الذبابة كلها، أو مقلت في الطعام؛ فماذا يحدث؟ إذا غمست الذبابة أحدثت هذه الحركة ضغطاً داخل الخلية الفطرية الموجودة مع جسم الذبابة، فزاد توتر البروز والسائل داخلها زيادة تؤدي لانفجار الخلايا، وخروج الأنزيمات الحاملة لجراثيم المرض، والقاتلة له، فتقع على الجراثيم التي تنقلها الذبابة بأرجلها فتهلكها وتبيدها، ويصبح الطعام طاهراً من الجراثيم المرضية.

ج- وهكذا يضع العلماء بأبحاثهم تفسيراً للحديث النبوي المؤكد لضرورة غمس الذبابة كلها في السائل، أو الغذاء ليخرج من بطنها الدواء الذي يكافح ما تحمله من داء، والله أعلم"10.

فسبحان من علَّم نبيه صلى الله عليه وسلم من عجائب خلقه، وأيَّده بمعجزات من عنده، ما أعظمه من خالق جل في علاه، وما أجلَّه من إله أرسل رسوله بالحق، وعلمه ما لم يكن يعلم، بل بما لم يكتشف إلا بعد عدة قرون، وكفى بذلك برهاناً على صدق رسالته صلى الله عليه وسلم، وكأن هذا الحديث اختبار لقدر التسليم عند المسلمين، وقدر التصديق بما يخبر به سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم.

اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وعملاً، وتقوى، وصلاحاً، والله أعلم، وصل اللهم على محمد وعلى آله وصحبه وسلم.


 

1 مسند أحمد بن حنبل (16546)، وجاء في تحقيق الأرناؤوط وغيره للمسند: إسناده صحيح رجاله ثقات، مسند الإمام أحمد بن حنبل (28/410) لأبي عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال بن أسد الشيباني، المحقق: شعيب الأرنؤوط وعادل مرشد وآخرون، إشراف: د. عبد الله بن عبد المحسن التركي، مؤسسة الرسالة، ط. الأولى 1421هـ - 2001م.

2 الاعتصام بتصرف (1/231- 232) لأبي إسحاق الشاطبي، المكتبة التجارية الكبرى - مصر.

3 تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان (1/546) لعبد الرحمن بن ناصر بن السعدي، المحقق: عبد الرحمن بن معلا اللويحق، مؤسسة الرسالة، ط. الأولى 1420هـ -2000 م.

4 عمدة القاري شرح صحيح البخاري (21/293) لبدر الدين محمود بن أحمد العيني، دار إحياء التراث العربي - بيروت.

5 فتح الباري شرح صحيح البخاري (10/251) لابن حجر العسقلاني، تحقيق: محب الدين الخطيب، دار المعرفة - بيروت.

6 فتح الباري (10/251).

7 فتح الباري (10/252).

8 سلسلة الأحاديث الصحيحة (1/38).

9 للاستزادة حول هذه الاكتشافات ينظر:

http://www.islamweb.net/ver2/Fatwa/ShowFatwa.php?Option=FatwaId&lang=A&Id=18338

 

©جميع الحقوق محفوظة لموقع إمام المسجد 2004
ويحق لمن شاء أخذ ما يريد من مواد هذا الموقع بشرطين : الأول : عزو ما يأخذ إلى موقع إمام المسجد www.alimam.ws ، الثاني : الأمانة في النقل وعدم التغيير في النص المنقول ولا حذف شيء منه ، والله الموفق .
0.12837