Share |

الإمام والمأموم / الإمام

لا تدفن رأسك بمشاغل الحياة

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

فقد جاء التحذير في القرآن الكريم من الاغترار بالحياة الدنيا، ووصف الله سبحانه وتعالى الحياة الدنيا باللهو واللعب فقال سبحانه: {وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ}(الأنعام:32)، وقال: {إِنَّمَا الحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَإِن تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ وَلَا يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ}(محمد:36).

وبيَّن حقيقة الدنيا في قوله: {اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ}(الحديد:20).

وأمر نبيه صلى الله عليه وسلم بالصبر والمرابطة على طاعة الله تعالى مع المؤمنين الصادقين فقال سبحانه: {وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا}(الكهف:28).

وكانت خشية النبي صلى الله عليه وسلم على أمته من انفتاح الدنيا، والتنافس عليها؛ فتكون الهلكة فعن عمرو بن عوف قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((فَوَاللَّهِ لَا الْفَقْرَ أَخْشَى عَلَيْكُمْ؛ وَلَكِنْ أَخَشَى عَلَيْكُمْ أَنْ تُبْسَطَ عَلَيْكُمْ الدُّنْيَا كَمَا بُسِطَتْ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، فَتَنَافَسُوهَا كَمَا تَنَافَسُوهَا، وَتُهْلِكَكُمْ كَمَا أَهْلَكَتْهُمْ)) رواه البخاري (2988) ومسلم (2961) قال الحافظ ابن حجر رحمه الله فيه: "المنافسة في الدنيا قد تجر إلى هلاك الدين"1، و"قال ابن بطال: فيه أن زهرة الدنيا ينبغي لمن فتحت عليه أن يحذر من سوء عاقبتها، وشرِّ فتنتها؛ فلا يطمئن إلى زخرفها، ولا ينافس غيره"2 وهذا ما يؤكد للمسلم أن التنافس في الدنيا، والانشغال بها؛ شر وخطر؛ ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((إن أكثر ما أخاف عليكم ما يخرج الله لكم من بركات الأرض، قيل: وما بركات الأرض؟ قال: زهرة الدنيا ...)) رواه البخاري (5947).

وإذا كان الانشغال بالدنيا وترك أمور الآخرة أمر مذموم فاعله من عامة الناس، فمن باب أولى أن يكون الذم فيمن تحمل مسؤولية الدعوة إلى الله تعالى كإمام المسجد؛ لأنه لو كثرت مشاغله في هذه الحياة فلن يجد وقتاً لعبادة ربه سبحانه وتعالى، ولن يجد وقتاً للدعوة إلى الله سبحانه وتعالى، ولا للاهتمام بمسجده، والقيام بأنشطته.

فليست وظيفة الإمام هي الصلاة بالناس فقط، بل يعتبر إمام المسجد وخطيبه عماد المسجد وقوته، به يؤدي المسجد رسالته في نشر الدعوة، وتوعية المجتمع، وتبصير الناس بأمور دينهم، وهنا تظهر أهمية هذه الوظيفة في حياة الناس، فالمسجد هو الذي يعلِّم المجتمع ربط القول بالعمل، فإذا كان إمام المسجد مشغولاً عن وظيفته بأعمال أخرى تؤثر على مستوى إمامته ودعوته وخطبته؛ فلا يجد الوقت الكافي للدعوة بما يناسب الحال، ويخرج للناس كما يقول ابن قيم الجوزية بخطبة لا تحصل في القلب إيماناً بالله، ولا توحيداً له، ولا معرفة خاصة به، ولا تذكيراً بأيامه، ولا بعثاً للنفوس على محبته، والشوق إلى لقائه...3 إلخ؛ إذا كان الأمر كذلك فلا حاجة لنا بمثل هذا الإمام.

والداعية الفذ هو رجل العامة، يقصد العامة، ويتصل بهم، ويجالسهم ويعلمهم مثل سيرة سلفه الصالح الذين كانوا أئمة للعامة، يتصدون لإرشاد كل الناس، لم يحملهم علمهم على حصر أنفسهم بين الجدران؛ قال ابن الجوزي عن نفسه: "تاب على يدي في مجالس الذكر أكثر من مائتي ألف، وأسلم على يدي أكثر من مائتي نفس"4، ولا يكون الداعية رجل عامة إلا من فتش عن الناس، وبحث عنهم، وسأل عن أخبارهم، ورحل للقائهم، وزارهم في مجالسهم ومنتدياتهم.

وعلى إمام المسجد ألا ينسى نفسه من التزود من العلم الشرعي، والاستمرار في طلب العلم النافع، وقد جاءَ الأمرُ القرآني لتأكيد هذه القضيّة، والحث على طلب المزيد من العلم فقال الله تعالى: {وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً}(طه من الآية114)، وقال ابن القيم رحمه الله: "وكفى بهذا شرفاً للعلم أن أمر نبيه أن يسأله المزيد منه"5.

وقد لحظَ الصحابةُ رضي الله عنهم ما كان عليه قدوتهم صلى الله عليه وسلم من حِرْصٍ على العلم؛ فاقتفوا أثره، وضربوا أمثلة نادرة في الحرص عليه، والتفاني من أجله، ولا يعني هذا الكلام ألا يهتم الداعية بأمور حياته فهذا الإمام عبد الله بن المبارك رحمه الله يقول عنه الإمام الذهبي: "أكثر من الترحال والتطواف، وإلى أن مات في طلب العلم، وفي الغزو، وفي التجارة، والإنفاق على الإخوان في الله، وتجهيزهم معه إلى الحج"6، وقال العباس بن مصعب: "جمع عبدالله الحديث، والفقه، والعربية، وأيام الناس، والشجاعة، والسخاء، والتجارة، والمحبة عند الفرق"7، وقال ابن الجوزي: "وينبغي له أن يجتهد في التجارة والكسب ليفضل على غيره ولا يفضل غيره عليه، وليبلغ من ذلك غاية لا تمنعه عن العلم، ثم ينبغي له أن يطلب الغاية في العلم"8، فالواجب على الإمام أن يجمع بين العلم والعمل، والدين والدنيا.

وفقنا الله للعمل بما نعلم، وجعلنا من عباده المخلصين، وأوليائه المتقين، والحمد لله رب العالمين.


 

1 فتح الباري شرح صحيح البخاري (6/263) للحافظ ابن حجر العسقلاني، تحقيق: محب الدين الخطيب، دار المعرفة - بيروت.

2 فتح الباري (11/245).

3 زاد المعاد في هدي خير العباد (1/423) للإمام ابن قيم الجوزية، تحقيق: شعيب الأرناؤوط وعبد القادر الأرناؤوط، مؤسسة الرسالة - مكتبة المنار الإسلامية - بيروت - الكويت 1407هـ - 1986م، ط.4.

4 صيد الخاطر (1/178) لابن الجوزي.

5 مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة (1/50) للإمام ابن قيم الجوزية، دار الكتب العلمية - بيروت.

6 سير أعلام النبلاء (13/379) للإمام الذهبي، تحقيق: شعيب الأرناؤوط ومحمد نعيم العرقسوسي، مؤسسة الرسالة - بيروت 1413هـ، ط.9.

7 سير أعلام النبلاء (13/383).

8 صيد الخاطر (118).

©جميع الحقوق محفوظة لموقع إمام المسجد 2004
ويحق لمن شاء أخذ ما يريد من مواد هذا الموقع بشرطين : الأول : عزو ما يأخذ إلى موقع إمام المسجد www.alimam.ws ، الثاني : الأمانة في النقل وعدم التغيير في النص المنقول ولا حذف شيء منه ، والله الموفق .
0.06467