Share |

إدارة المسجد / التحفيظ

رحلة للمتميزين

 

من أنفع الأنشطة التي تمارسها مدارس تحفيظ القرآن الكريم: الرحلات، وفي الرحلات منافع كثيرة يكتسبها الطالب منها:

1- التفكر في آيات الله جل في علاه إذ يقول سبحانه: {قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}(العنكبوت:20)، والتفكر من أجلِّ العبادات التي يتعبد بها العبد مولاه، {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللّهُ مِنَ السَّمَاء مِن مَّاء فَأَحْيَا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخِّرِ بَيْنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ}(البقرة:164)، ويقول تعالى: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِّأُوْلِي الألْبَابِ}(آل عمران:190).

وقد دعا الله عز وجل عباده إلى التفكر في خلقه فقال: {أَفَلَمْ يَنظُرُوا إِلَى السَّمَاء فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِن فُرُوجٍ * وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ}(ق:6-7)، وقال تعالى: {أَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ * وَإِلَى السَّمَاء كَيْفَ رُفِعَتْ * وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ * وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ}(الغاشية:17-20)

فواعجباً كيف يعصـى الإله                 أم كيف يجحده الجاحد

وفي كـل شيء لـــه آية                تدل على أنــه الواحد

2- ومن المنافع التي قد نجنيها من الرحلات؛ تفريج الهم، وزوال الغم، والتجديد على النفس:

تغرب عن الأوطان في طلب العلا            وسافر ففي الأسفار خمس فوائد

إزالة هـم واكتســاب معيشة            وعلم وآداب وصـحبة مـاجد

3- إذهاب الملل من طول المخالطة، والتلذذ بحلاوة اللقاء بعد طول الفراق:

وطول مقـام المرء بالحي مخلق      لديبـــاجتيه فاغترب تتجدد

فإني رأيت الشمس زيدت محبة      إلى الناس أن ليست عليهم بسرمد

4- الاتعاظ والاعتبار ممن ذهب وولى من الأمم السابقة، فمهما عاش الإنسان فإنه لا محالة زائل {أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ}(الروم:9)، وقال جل وعلا: {أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ فَمَا أَغْنَى عَنْهُم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ}(غافر:82).

5- ومن فوائد الرحلات التعود على تحمل الأتعاب والمشاق؛ لأن السفر بحد ذاته آلام ومتاعب وصعوبات، ويجد صاحب الرحلة من المشقة ما ينمي عنده هذا الأمر، فقد يصعب عليه طهي الطعام فيطهو على أي حال كان، وقد يصعب عليه النظافة التامة فيمضي على ما تيسر.

6- اكتساب الأخلاق الفاضلة التي لا بد منها في الرحلات والأسفار كالصبر والكرم، والحلم والاحتساب، وغير ذلك كثير مما يلاقيه المسافر.

7- تنشيط النفس للطاعة، والعمل الصالح بعد الرجوع من الرحلة فالتنزه، والتنفيس عن النفس سبب قوي لتجديد الهمة والنشاط، فعن وهب بن منبه رحمه الله قال: "مكتوب في حكمة آل داود: حق على العاقل أن لا يغفل عن أربع ساعات: ساعة يناجي فيها ربه، وساعة يحاسب فيها نفسه، وساعة يخلو فيها مع إخوانه الذين يخبرونه بعيوبه، ويصدق عن نفسه، وساعة يخلو فيها بين نفسه وبين لذتها فيما يحل ويجمل، فإن في هذه الساعة عوناً على تلك الساعات، وإجماماً للقلوب"1.

8- ومن أعظم فوائد الرحلات أنها فرصة مناسبة للتربية والتوجيه، فكم في الرحلات من أحداث، وكم فيها من وقائع يقف عندها المربي الناجح فيربي بالحدث، ويعلق بما يراه مناسباً مما ينتفع به الحاضرون.

9- وفي الرحلات يتحقق مبدأ الأخوة والمودة التي هي من أجلِّ العبادات التي يقدمها العبد بين يدي مولاه فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن الله يقول يوم القيامة: أين المتحابون بجلالي؟ اليوم أظلهم في ظلي يوم لا ظل إلا ظلي)) رواه مسلم (4655).

10- قد يجد صاحب الرحلة في رحلته من العلم ما لم يجده في الحضر فيقابل العلماء، ويحتك في رحلته بالدعاة وطلاب العلم، وفي ذلك خير كثير، وهو لن يأخذ من علمهم فقط بل سيستفيد من أخلاقهم وأدبياتهم، فالمرء يستفيد من الصحبة، ويقتبس من الرفقة.

11- وفي الرحلات الهادفة التي تقيمها حلقات التحفيظ يقضي فيها الطلاب وقته فيما ينفعه، فيعالج مشكلة الفراغ التي يعاني منها الكثير من الشباب فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة، والفراغ)) رواه البخاري (5933).

12- إن مجرد السفر، والخروج من مكان السكن ليُذكر بالخروج من هذه الحياة الدنيا إلى الدار الآخرة، ويُذكر بالموت الذي ينتزع المرء من بين أهله وأحبابه وإخوانه عن سهل بن سعد رضي الله عنه قال: جاء جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ((يا محمد عش ما شئت فإنك ميت، واعمل ما شئت فانك مجزي به، وأحبب من شئت فإنك مفارقه، واعلم أن شرف المؤمن قيام الليل، وعزه استغناؤه عن الناس))2.

ولكل هذه الفوائد وغيرها فإنه من الجميل أن تكون هناك رحلات تنظمها حلقات التحفيظ، ودور القرآن مما يعود بالنفع والفائدة على الطلاب، وقد يكون عدد الطلاب كبيراً مما يصعب على إدارة التحفيظ استيعاب الجميع؛ فيكون من المناسب أخذ المتميزين والمثاليين فقط،فإفراد المتميزين بنشاط معين أو رحلة له فوائد كثيرة من ذلك:

1- كل الفوائد التي سبق وأن ذكرت في الرحلات فإن المتميزين يحصلونها بإذن الله تعالى، وكل بحسب استغلاله لبرامج الرحلة وفقراتها.

2- تخصيص المتميزين يحفز كافة طلاب الحلقات على التنافس والمسارعة لإحراز أكبر الدرجات، والوصول إلى أعلى المستويات، فهذه الفكرة تبعث روح التنافس الشريف بين الطلاب، ولكل مجتهد نصيب.

3- بما أن الحاضرين كلهم متميزون فإن برامج الرحلة وخططها ستكون راقية فكرياً واجتماعياً، لأن أغلب الحاضرين - وقد يكون كلهم - يتميز بالذكاء والفطنة؛ فيحتاج إلى تجديد في الأنشطة، وتفعيل للمواهب والقدرات، واهتمام بكل فقرات الرحلة.

4- إن الرحلة للمتميزين تعني وجود اهتمام خاص بهم، وهذا الأمر له انطباع خاص في نفوس المتميزين أنفسهم فيعين ذلك على ثباتهم في التحفيظ، واستمرارهم في حلقات القرآن؛ فقلبه قد ازداد حباً للقرآن، ولأهل القرآن ولدور القرآن.

5- وفي هذا النشاط جذب لغير أهل القرآن ممن تمتلئ بهم الشوارع من الأذكياء والمتميزين الذين يحتاجون إلى أكثر من وسيلة لجذبهم والعناية بهم، ففيهم الخير الكثير، لكنهم مناجم لم يتم اكتشافها بعد، فتحتاج إلى من يقوم بهذه المهمة العظيمة، فيكون له بذلك الأجر الكبير.

نسأل الله أن يعيننا على طاعته، وأن يجنبنا معصيته، وأن يكتبنا في الصالحين إنه ولي ذلك والقادر عليه، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.


1 العقل وفضله (1/46) لأبي بكر عبد الله بن محمد بن عبيد ابن أبي الدنيا القرشي البغدادي، دار النشر: دار الراية - الرياض 1409هـ، الطبعة الأولى، تحقيق: لطفي محمد الصغير.

2 المعجم الأوسط (4/306) للطبراني، الناشر: دار الحرمين - القاهرة 1415هـ، تحقيق: طارق بن عوض الله بن محمد, ‏عبد المحسن بن إبراهيم الحسيني، قال الألباني عن الحديث: حسن لغيره، انظر صحيح الترغيب والترهيب (1/125)، الناشر: مكتبة المعارف - الرياض، الطبعة الخامسة.

©جميع الحقوق محفوظة لموقع إمام المسجد 2004
ويحق لمن شاء أخذ ما يريد من مواد هذا الموقع بشرطين : الأول : عزو ما يأخذ إلى موقع إمام المسجد www.alimam.ws ، الثاني : الأمانة في النقل وعدم التغيير في النص المنقول ولا حذف شيء منه ، والله الموفق .
0.02851