Share |

بحوث ومقالات / مقالات

التمكين في الأرض

 

الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، ولا عدوان إلا على الظالمين، والصلاة والسلام على أكرم المرسلين نبينا محمد وعلى آله الأطهار وصحابته الكرام تسليماً كثيراً إلى يوم الدين، أما بعد:

فمن المعلوم أن التمكين في الأرض لأمة الإسلام ليس بالأمر السهل، لكنه في نفس الوقت ليس أمراً مستحيلاً إن حققت الأمة شروطه، وبذلت أسبابه بصدق، وعلى الرغم من الحرب الضروس التي تشن على أمة الإسلام؛ فإن المؤمن الصادق يوقن بوعد الله لها بوراثة الأرض، وبصدق بشرى رسولها لها بالثناء والتمكين مصداقاً لقوله تعالى: {وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ}(سورة الأنبياء:105)، وعن أبي بن كعب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((بشِّر هذه الأمة بالسناء والرفعة، والدين والنصر، والتمكين في الأرض، وهو يشك في السادسة قال: فمن عمل منهم عمل الآخرة للدنيا لم يكن له في الآخرة نصيب))1، وهنا آيتان من كتاب الله تبارك وتعالى أشارتا إلى شروط التمكين، ولوازم بقائه واستمراره قال الله تبارك وتعالى: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ * وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ}(سورة النور:55-56)، فتضمنت هذه الآيات شروطاً على الأمة الإسلامية الأخذ بها ليتحقق لها عِزّها، ويمكن لها في هذه الأرض على أعدائها:

الشرط الأول: الإيمان الصادق بالله تبارك وتعالى، وتصديقه بالعمل الصالح، فالإيمان قول وعمل كما هو معروف في معتقد أهل السنة والجماعة، وقد قرن الله تبارك وتعالى الإيمان بالله مع العمل الصالح في كثير من الآيات في كتابه الكريم ومنها قوله تبارك وتعالى: {وَبَشِّرِ الَّذِين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُواْ مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍ رِّزْقاً قَالُواْ هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ وَأُتُواْ بِهِ مُتَشَابِهاً وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}(سورة البقرة:25)، وقوله:{وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَعْدَ اللّهِ حَقًّا وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللّهِ قِيلاً}(سورة النساء:122)، وقال: {إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ}(سورة العصر:3)، وغير ذلك من الآيات، فلا يمكن لإيمان أن يقوم بدوره، أو أن يؤدي مهمته؛ إلا إذا اقترن بعمل صالح، وإذا كان الإيمان هو الشجرة فإن العمل الصالح هو ثمرة تلك الشجرة، والمسلم مطالب بأن يحقق هذا الإيمان القلبي بعمل صالح يظهر على جوارحه، ويكذب من يزعم أن التقوى في صدره فقط، ويشير إلى قلبه؛ مع أن جوارحه قد تجردت من الأعمال الصالحة، لأن الأعمال الصالحة هي مصداق ذلك الإيمان، حيث الإيمان اعتقاد القلب، وقول اللسان، وعمل بالجوارح، ولذلك فإن عمل الصالحات شرط من شروط الاستخلاف في الأرض أياً كانت هذه الصالحات، سواءٌ أكانت أداءاً للواجبات من صلاة، وصيام وزكاة، وحج، وبر الوالدين، وإحسان إلى الفقراء، أم كانت تركاً للمنكرات وما حرم الله تبارك وتعالى من الفواحش ما ظهر منها وما بطن، فكل ذلك داخل في عمل الصالحات.

الشرط الثاني: تحقيق العبودية لله تبارك وتعالى، وذلك لأن الغاية من خلق الإنسان هي العبادة لقول الله تبارك وتعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ}(سورة الذاريات:56)، والاستمرار فيها حتى يكون الإنسان مؤمناً قوي الإيمان، فيكون من أولياء الله تبارك وتعالى، فإذا بلغ هذه الرتبة العظيمة تولى الله تبارك وتعالى الدفاع عنه قال تعالى تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ}(سورة الحج:38).وقال سبحانه: {أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء اللّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ}(سورة يونس:62-63)، وأي نصر أعظم من هذا الفضل العظيم، ووعده سبحانه لأوليائه بأنهم لا خوف عليهم ولا هم يحزنون.

الشرط الثالث: محاربة الشرك بكل أنواعه وأشكاله لأن الله تبارك وتعالى لا يصلح عمل المفسدين المشركين، ومن يشرك بالله فهو من الخاسرين عياذاً بالله تبارك وتعالى قال تعالى: {إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء وَمَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا}(سورة النساء:48)، وقال الله: {حُنَفَاء لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاء فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ}(سورة الحج:31).

الشرط الرابع: إعداد العدَّة الحسية والمعنوية؛ لأن العدة هي من الأسس التي يتفوق فيها المسلمون على عدوهم، وقد أمرنا الله تعالى في كتابه الكريم: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ}(سورة الأنفال:60) قال العلامة ابن سعدي رحمه الله في تفسير الآية: "أي {وَأَعِدُّوا} لأعدائكم الكفار الساعين في هلاككم وإبطال دينكم {مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ} أي: كل ما تقدرون عليه من القوة العقلية والبدنية، وأنواع الأسلحة، ونحو ذلك مما يعين على قتالهم، فدخل في ذلك أنواع الصناعات التي تعمل فيها أصناف الأسلحة، والآلات من المدافع والرشاشات، والبنادق، والطيارات الجوية، والمراكب البرية والبحرية، والحصون والقلاع والخنادق، وآلات الدفاع، والرأْي: والسياسة التي بها يتقدم المسلمون، ويندفع عنهم به شر أعدائهم، وتعلم الرمي، والشجاعة والتدبير؛ ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((ألا إن القوة الرَّمْيُ))2، ومن ذلك: الاستعداد بالمراكب المحتاج إليها عند القتال، ولهذا قال تعالى: {وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ}(سورة الأنفال:60)، وهذه العلة موجودة فيها في ذلك الزمان وهي إرهاب الأعداء، والحكم يدور مع علته"3.  

هذه بعض الأمور التي ينبغي مراعاتها حتى يعيننا الله تبارك وتعالى، ويمكن لنا في هذه الأرض؛ نسأل الله تبارك وتعالى أن يعيننا على طاعته ورضاه، وأن يغفر الله لنا ويرحمنا برحمته إنه على كل شيء قدير، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبينا محمد وآله الطيبين الطاهرين وصحابته الغر الميامين وسلم تسليماً إلى يوم الدين.


1 رواه أحمد في المسند برقم (21222) وقال شعيب الأرناؤوط: إسناده حسن من أجل يحيى بن يمان العِجْلي الكوفي، وقد توبع، تحقيق: شعيب الأرناؤوط - عادل مرشد، وآخرون، إشراف: د عبد الله بن عبد المحسن التركي، مؤسسة الرسالة، ط1، سنة النشر 142اهـ - 2001م.  

2 رواه أبو داود برقم (2514) من حديث عقبة بن عامر الجهني رضي الله عنه، تحقيق: محمد محيي الدين عبد الحميد، دار الفكر؛ وابن ماجة برقم (2813) تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، دار الفكر - بيروت؛ وصححه الألباني في صحيح أبي داود برقم (2194).

3 تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان (324) للعلامة عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي، تحقق: عبد الرحمن بن معلا اللويحق، مؤسسة الرسالة، ط1، سنة النشر 1420هـ -2000م.

©جميع الحقوق محفوظة لموقع إمام المسجد 2004
ويحق لمن شاء أخذ ما يريد من مواد هذا الموقع بشرطين : الأول : عزو ما يأخذ إلى موقع إمام المسجد www.alimam.ws ، الثاني : الأمانة في النقل وعدم التغيير في النص المنقول ولا حذف شيء منه ، والله الموفق .
0.04269