Share |

كلمات / منوعات

أفكار لتربية الأسرة

الحمد لله الذي له ملك السماوات والأرض، يخلق ما يشاء، يهب لمن يشاء إناثاً، ويهب لمن يشاء الذكور، والصلاة السلام على الرسول الكريم، والأب الرحيم، والزوج الحميم محمد بن عبد الله وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه إلى يوم الدين، أما بعد:

عندما نتكلم عن الأسرة نتكلم عن ركن ركين من أركان المجتمع، وكل مجتمع يرنو إلى الريادة، ويريد السيادة؛ فإنه لابد له من أن يهتم بكل أجزاءه ومكوناته، ويقوم بتطويرها، والأسرة أهم تلك الأجزاء.

ولما كانت الأسرة هي أس المجتمع وأساسه، وبها ومنها يصل إلى مبتغاه ومراده، فبصلاحها يصلح، وبفسادها يفسد؛ ربط الله عز وجل بين الإيمان والحرص على تربيتها، وحذر من إهمالها، وتعريضها لنار الضياع التي توصلها إلى نار جهنم في الآخرة قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ}(التحريم:6).

وقبل البدء بالأفكار فإنه لابد أن يعلم رب الأسرة أنه المسؤول الأول أمام الله عز وجل فقد قال الرسول صلى الله عليه وسلم: ((والرجل راع في أهله وهو مسؤول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها ومسؤولة عن رعيتها..)) رواه البخاري (853)، ورغم أن التربية تحتاج إلى جهد كبير؛ فإن غنائمها عظيمة، وفضائلها كثيرة يقول الشيخ عبداللطيف الغامدي: "وليعلم علم اليقين أن التربية تحتاج إلى جهد جهيد لا يعرف الكسل، وبذل لا يتوافق مع البخل، ومواصلة لا ترضى بالانقطاع، وهمة لا تقنع بالدون، وعزيمة لا تتناسب مع الخمول، وحسبك من محامدها أن العبد يؤجر عليها ويثاب على ما بذل فيها حتى بعد موته، وانتهاء عمره، وانقطاع أثره، وانبتات أمره"1 جاء عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن الرجل لترفع درجته في الجنة، فيقول: أني لي هذا؟ فيقال: باستغفار ولدك لك))2، وكفى بذلك فخراً.

ونحن في هذه المقتطفات نعرض أفكاراً مقترحة يرجى بالعمل بها ترقية الأسرة وتهذيبها، والسعي إلى السمو كل فرد فيها، ونسأل الله تعالى العون والسداد:

- إن أول أمر لابد أن يذكر في هذا المقام هو الاستعانة بالله تعالى، فمن استعان به أعانه

إذا لم يكن عون من الله للفتى       فأول ما يجني عليه اجتهاده

وتربية الأسرة من أولى الأمور التي تحتاج إلى الاستعانة بالله، إذ هي عبادة يتعبد بها العبد ربه، والله تعالى يقول: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ}(الفاتحة:5).

- القدوة الحسنة التي يراها الأبناء حية أمامهم متمثلة في الأب أو الأم، وليست القدوة عبارة عن كلمات وتوجيهات نلقيها على مسامع أفراد الأسرة ثم ينتهي كل شيء فإن النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام، وأتباعهم من الصالحين الأعلام؛ أكثر من أثروا في بيئاتهم بحسن سيرتهم وسلوكهم، وحسن تعبدهم لربهم، وكيف يُأمر الأبناء بفعل شيء أو ترك آخر وهم يرون خلاف ما يسمعون، وكفى بذلك عاراً، وكفى بذلك مانعاً من انقياد الأسرة لربها

لا تنه عن خلق وتأتي مثـله        عار عليك إذا فعلت عظيم

- اتباع الهدي النبوي في التربية، فإن خير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، واتباعه في كل أخلاقه بحسب مناسبة الزمان والمكان، فحيناً يعمل بالحلم، وحيناً بشيء من اللوم والعتاب، وحيناً أخرى بالعطف واللين، ولنأخذ مثالاً واحداً فيه معنى من هذه المعاني وهو الحلم قال أنس رضي الله عنه: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم من أحسن الناس خلقاً، فأرسلني يوماً لحاجة: فقلت: والله لا أذهب، وفي نفسي أن أذهب لما أمرني به نبي الله صلى الله عليه وسلم، فخرجت حتى أمر على صبيان وهم يلعبون في السوق؛ فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قبض بقفاي من ورائي، قال: فنظرت إليه وهو يضحك فقال: ((يا أنيس أذهبت حيث أمرتك؟)) قال: قلت: نعم أنا أذهب يا رسول الله" رواه مسلم (4272)، فكيف لو وقع هذا الموقف لأحدنا.

فهذا موقف واحد من حياة النبي صلى الله عليه وسلم، وحياته كلها تربية وأخلاق عالية قال أنس رضي الله: "والله لقد خدمته تسع سنين ما علمته قال لشيء صنعته: لم فعلت كذا وكذا؟ أو لشيء تركته: هلا فعلت كذا وكذا" رواه مسلم (4272).

أما في جانب التخويف النافع فقد جاء عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((علقوا السوط حيث يراه أهل البيت؛ فإنه لهم أدب))3.

- لابد من إيجاد البدائل الجيدة، فقد تقع الأسرة في مخالفات، وحينها ينبغي أن يحذر مسؤول الأسرة من هذه المخالفات لتترك، وعندئذ يبقى الفراغ كبيراً، وربما ازداد مع هذا الفراغ الشوق والحنين إلى المتروك، لذا فإن على المربي أن يبحث عما يحل مكان هذه المخالفات من المباحات بما يفي بالغرض؛ فإنه - والحالة هذه - أحرى أن ينسى المتروك، والأسرة - مثلاً - لو كانت مبتلاة بسماع الأغاني - عياذاً بالله - فإنه لابد مع النصح والأمر بترك الأغاني، ثم إيجاد البديل كالقراءات المؤثرة، أو الأناشيد الهادفة المنضبطة، أو غيرها من المسموعات الطيبة "قال زاذان: كنت غلاماً حسن الصوت، جيد الضرب بالطنبور، فكنت مع صاحب لي، وعندنا نبيذ، وأنا أغنيهم، فمرَّ ابن مسعود فدخل فضرب البَاطِيَةَ، بَدَّدَهَا، وكسر الطنبور، ثم قال: لو كان ما يسمع من حسن صوتك - يا غلام - بالقرآن؛ كنت أنت أنت، ثم مضى، فقلت لأصحابي: من هذا؟ قالوا: هذا ابن مسعود، فألقى في نفسي التوبة، فسعيت أبكي، وأخذت بثوبه، فأقبل علي فاعتنقني وبكى، وقال: مرحباً بمن أحبه الله، اجلس، ثم دخل، وأخرج لي تمراً"4.

- ترتيب حلقة قرآن في المنزل مع بعض الدروس الخفيفة، ويكون ذلك في يوم مناسب، وساعة مناسبة، وحبذا التنويع في الدروس؛ فتارة في العقيدة، وتارة في الفقه، وأخرى في الأدب ... إلى غير ذلك مما يورث البيت تعلم النظام والانضباط، وتزيد من الربط بين أفراد الأسرة.

- توفير مكتبة سمعية ومقروءة ومرئية تتعلم منها الأسرة، وتكون مرجعاً لها فيما تحتاج من المسائل والحوادث.

- استضافة بعض الدعاة والداعيات إلى المنزل، وربط الأسرة بهم، والتناقش معهم في بعض قضايا الأسرة ومشكلاتها.

- لا يُنسى الترفيه المباح الهادف الذي يقوي الروابط بين أفراد الأسرة، ويجدد النشاط في النفس، ويبعث إلى الهمة العالية، ويكون ذلك بالنزهة اللطيفة، والسفر العائلي الممتع، والمزاح المباح، والابتسامة الآسرة فعن عائشة رضي الله عنها قالت: "قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوة تبوك أو خيبر، وفي سهوتها ستر، فهبت ريح فكشفت ناحية الستر عن بنات لعائشة - لعب - فقال: ((ما هذا يا عائشة؟))، قالت: بناتي، ورأى بينهن فرساً له جناحان من رقاع، فقال: ((ما هذا الذي أرى في وسطهن؟))، قالت: فرس، قال: ((وما هذا الذي عليه؟))، قالت: جناحان، قال: ((فرس له جناحان؟))، قالت: أما سمعت أن لسليمان خيلاً لها أجنحة؟ قالت: فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى رأيت نواجذه"5.

هذه بعض الأفكار في تربية الأسرة، ونسأل الله تعالى أن يعيننا على العمل بها، وبما يفيد من الأفكار، والله أعلم، وصل اللهم على محمد وعلى آله وصحبه وسلم.


 

1 100 فكرة لتربية الأسرة (ص1) للشيخ: عبد اللطيف بن هاجس الغامدي (الموسوعة الشاملة الإصدار الثالث).

2 رواه ابن ماجه (3650)، وقال الألباني: حسن، انظر صحيح وضعيف سنن ابن ماجة (2/294)، المؤلف: محمد ناصر الدين الألباني (الموسوعة الشاملة الإصدار الثالث).

3 المعجم الكبير (10671) (10/284) للطبراني، دار النشر: مكتبة الزهراء - الموصل - 1404هـ - 1983م، الطبعة الثانية، تحقيق: حمدي بن عبدالمجيد السلفي، قال الألباني عن الحديث: حسن، انظر السلسلة الصحيحة (3/432)، الناشر: مكتبة المعارف - الرياض.

4 سير أعلام النبلاء (4/281) للحافظ الذهبي، دار النشر: مؤسسة الرسالة - بيروت 1413هـ، الطبعة التاسعة، تحقيق: شعيب الأرناؤوط , محمد نعيم العرقسوسي.

5 سنن أبي داود (4284)، وصححه الألباني في تحقيقه لمشكاة المصابيح (2/241) الناشر: المكتب الإسلامي - بيروت، الطبعة الثالثة 1405هـ - 1985م.

©جميع الحقوق محفوظة لموقع إمام المسجد 2004
ويحق لمن شاء أخذ ما يريد من مواد هذا الموقع بشرطين : الأول : عزو ما يأخذ إلى موقع إمام المسجد www.alimam.ws ، الثاني : الأمانة في النقل وعدم التغيير في النص المنقول ولا حذف شيء منه ، والله الموفق .
0.07602