Share |

الإمام والمأموم / المأموم

موقف الرجال والصبيان والنساء من الإمام

 

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

فقد أولى الإسلام صفوف المصلين عناية كبيرة, فأمر بتسويتها, وأظهر فضيلة ذلك والاهتمام به، ومن تمام تسوية الصفوف موقف المصلين خلف الإمام، فقد جاء الأمر النبوي بترتيب الصفوف ليكون صف الرجال خلف الإمام، ثم يصف الصبيان خلف الرجال ما لم يسبقوا أو يمنع مانع، ثم يصف النساء خلف الصبيان.

ويدل على ذلك حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ليلني منكم أولو الأحلام والنهى، ثم الذين يلونهم ثلاثاً، وإياكم وهيشات الأسواق)) رواه مسلم (432) قال الإمام النووي رحمه الله: "في هذا الحديث تقديم الأفضل فالأفضل إلى الإمام لأنه أولى بالإكرام، ولأنه ربما احتاج الإمام إلى استخلاف فيكون هو أولى، ولأنه يتفطن لتنبيه الإمام على السهو ما لا يتفطن له غيره، وليضبطوا صفة الصلاة، ويحفظوها وينقلوها، ويعلموها الناس، وليقتدي بأفعالهم من ورائهم، ولا يختص هذا التقديم بالصلاة بل السنة أن يقدم أهل الفضل في كل مجمع إلى الإمام وكبير المجلس كمجالس العلم والقضاء، والذكر والمشاورة، ومواقف القتال وإمامة الصلاة، والتدريس والإفتاء، وإسماع الحديث ونحوها، ويكون الناس فيها على مراتبهم في العلم والدين، والعقل والشرف، والسن والكفاءة في ذلك الباب، والأحاديث الصحيحة متعاضدة على ذلك"1.

وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى في أصحابه تأخراً فقال لهم: ((تقدموا فأتموا بي، وليأتم بكم من بعدكم2، لا يزال قوم يتأخرون حتى يؤخرهم الله))3 رواه مسلم (438).

والمقصود فيما تقدم أن يتقدم الرجال، ثم الصبيان، ثم بعد ذلك النساء لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: ((خير صفوف الرجال أولها، وشرها آخرها، وخير صفوف النساء آخرها، وشرها أولها)) رواه مسلم (440) قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله: "ويلزم من ذلك أن تتأخر صفوف النساء عن صفوف الرجال، وهذا الترتيب الذي ذكرناه ... ما لم يمنع مانع، فإن منع منه مانع بحيث لو جمع الصبيان بعضهم إلى بعض لحصل بذلك لعب وتشويش؛ فحينئذ لا نجمع الصبيان بعضهم إلى بعض؛ وذلك لأن الفضل المتعلق بذات العبادة أولى بالمراعاة من الفضل المتعلق بمكانها"4.

وتقديم الرجال ثم الصبيان يكون في ابتداء الأمر كأن يجتمع الناس للصلاة في وقت واحد، ولم يتقدم أحد قبل أحد، أما إذا جاء الصبي إلى الصفوف الأُوَّل، وسبق إلى مكان؛ فهو أحق به من غيره لحديث ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((لا يقيم الرجل الرجل من مجلسه ثم يجلس فيه)) رواه البخاري (6269)، ومسلم (2177)، واللفظ للبخاري.

وقد سئل فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله: ما حكم تأخير الصبيان عن الصف الأول إذا كانوا قد سبقوا إليه؟ فأجاب بقوله: "لا يجوز؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يقيم الرجل أخاه فيجلس في مكانه، إلا إذا حصل من هؤلاء الصبيان أذية فإنه يكلم أولياء أمورهم بهذا ليمنعهم من المسجد"5.

وسئل الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله: بعض الأولاد يبكرون يوم الجمعة، ويأتي أناس أكبر منهم ويقيمونهم ويجلسون مكانهم، ويحتجون بقوله صلى الله عليه وسلم: ((ليلني منكم أولو الأحلام والنهى)) فهل هذا جائز؟ فأجاب: "هذا يقوله بعض أهل العلم، ويرى أن الأولى بالصبيان أن يصفوا وراء الرجال، ولكن هذا القول فيه نظر، والأصح أنهم إذا تقدموا لا يجوز تأخيرهم، فإذا سبقوا إلى الصف الأول، أو إلى الصف الثاني؛ فلا يقيمهم من جاء بعدهم؛ لأنهم سبقوا إلى حق لم يسبق إليه غيرهم، فلم يجز تأخيرهم لعموم الأحاديث في ذلك؛ لأن في تأخيرهم تنفيراً لهم من الصلاة، ومن المسابقة إليها؛ فلا يليق ذلك.

لكن لو اجتمع الناس بأن جاءوا مجتمعين في سفر أو لسبب فإنه يصف الرجال أولاً، ثم الصبيان ثانياً، ثم النساء بعدهم إذا صادف ذلك وهم مجتمعون، أما أن يؤخذوا من الصفوف ويزالوا، ويصف مكانهم الكبار الذين جاءوا بعدهم؛ فلا يجوز ذلك لما ذكرنا.

وأما قوله صلى الله عليه وسلم: ((ليلني منكم أولو الأحلام والنهى)) فالمراد به التحريض على المسارعة إلى الصلاة من ذوي الأحلام والنهى، وأن يكونوا في مقدم الناس، وليس معناه تأخير من سبقهم من أجلهم؛ لأن ذلك مخالف للأدلة الشرعية التي ذكرنا"6.

نسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا إلى ما يحب ويرضى، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.


 

1 شرح النووي على صحيح مسلم (4/155) دار إحياء التراث العربي - بيروت، ط. الثانية 1392هـ.

2 معناه أي يقتدوا بي مستدلين على أفعالي بأفعالكم، ففيه جواز اعتماد المأموم في متابعة الإمام الذي لا يراه ولا يسمعه على مبلغ عنه، أو صف قدامه يراه متابعا للإمام، شرح النووي على مسلم (4/159).

3 أي عن الصفوف الأول حتى يؤخرهم الله تعالى عن رحمته أو عظيم فضله، ورفع المنزلة، وعن العلم ونحو ذلك. شرح النووي على مسلم (4/159).

4 الشرح الممتع على زاد المستقنع (4/278) للشيخ  محمد بن صالح بن محمد العثيمين، دار ابن الجوزي ط الأولى 1422هـ - 1428هـ.

5 مجموع فتاوى ورسائل ابن عثيمين (13/25).

6 مجموع فتاوى ابن باز (12/399-400) أشرف على جمعه: محمد بن سعد الشويعر، الرئاسة العامة للبحوث العلمية والإفتاء.

©جميع الحقوق محفوظة لموقع إمام المسجد 2004
ويحق لمن شاء أخذ ما يريد من مواد هذا الموقع بشرطين : الأول : عزو ما يأخذ إلى موقع إمام المسجد www.alimam.ws ، الثاني : الأمانة في النقل وعدم التغيير في النص المنقول ولا حذف شيء منه ، والله الموفق .
0.01855