الزكاة

الزكاة

 

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين أما بعد:

معاشر المؤمنين: علينا أن نتقي الله، ونؤدي ما أوجب الله علينا في أموالنا التي رزقنا الله – سبحانه -، فقد أخرجنا الله من بطون أمهاتنا لا نعلم شيئاً، ولا نملك لأنفسنا ضراً ولا نفعاً، ولا نملك ديناراً ولا درهماً، ثم يسَّر لنا الرزق، وأعطانا ما ليس في حسابنا، كما رزق جميع الدواب على هذه الأرض فقال – تعالى -: {وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا}1، وقال – عز وجل -: {وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ * فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ}2، فعلينا أنْ نشكرَ الله على نعمه، ونؤدي ما أوجب الله علينا لإبراء ذممنا، وتطهير أموالنا، ونحْذرَ الشُّحَّ والبخلَ بما أوجب الله علينا فإنَّ فيهما هلاكَنا، ونَزْعَ بركة أموالنا، ونعلم أن أعظم ما أوجب الله علينا في الأموال الزكاة التي هي ثالث أركان الإسلام، وقرينة الصلاة في محكم القرآن، وجاء في منعها والبخل بها الوعيد بالعذاب الأليم قال الله – تعالى -: {وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمْ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ}3، وقال – تعالى -: {وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ  يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لأَنفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ}4، وقال النبي – صلى الله عليه وسلم – في تفسير الآية الأولى: ((من آتاه الله مالاً فلم يؤدِّ زكاته مُثِّل له شجاعاً أَقْرَعَ – وهي الحية الخالي رأسها من الشعر لكثرة سمّها – له زبيبتان يطوَّقه يوم القيامة يأخذ بلهزمتَيه – يعني شدقيه – يقول: أنا مالك، أنا كنزك))5، وقال في تفسير الآية الثانية: ((ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي منها حقها إلا إذا كان يوم القيامة صُفِّحت له صفائح من نار، فأحمي عليها في نار جهنم، فيُكْوَى بها جنبُه وجبينُه وظهرُه، كلما بردت أُعيدت في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة حتى يُقْضَى بين العباد))6 وحَقُّ المال هو الزكاةُ؛ قال ابن مسعود : "لا يوضع دينار على دينار، ولا درهم على درهم، ولكن يوسع الله جلده حتى يوضع كل دينار ودرهم على جلده".

فيا أيها المسلمون: إنه لا يُحْمَى على الذهب والفضة في نار كنار الدنيا؛ وإنما يحمى عليها في نار أعظم من نار الدنيا، في نار ضوعفت عليها بتسعة وستين جزءاً، فإذا أُحمي عليها لم يُكوَ بها طرفٌ من الجسم، وإنما كوي بها الجسم من كل ناحية؛ الجباه من الأمام، والجنوب من الجوانب، والظهور من الخلف، وإذا كُوِيَ بها الجسمُ أُعيدتْ فأُحميتْ في نار جهنم ليكوى بها الجسم مرة ثانية، وهكذا كلما بَرَدَتْ أعيدت حتى يُقضى بين العباد أعاذنا الله منها.

أيها المسلمون: إن ذلك العذاب ليس في يوم أو شهر أو سنة ولكن في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، فما قيمة الأموال التي نبخل بزكاتها؟ وما فائدتها إذا كانت نقمة علينا، وثمرتها لغيرنا؟ إنه لا يطيق أحدٌ الصبرَ على وهج النار في الدنيا فكيف يستطيع الصبر على نار جهنم؟ نعوذ بالله من النار، ونسأله سبحانه أن يجيرنا من عذابها، فعلى المسلم أن يتقي الله، ويؤدي الزكاة طيبة بها نفسه، معتقداً فرضيتها، ويؤديها لمستحقيها.

إنّ الزكاة واجبة في الذهب والفضة على أي حال كانت سواء كانت جنيهات أو ريالات، أو قطعاً من الذهب والفضة، أو حُلِيّاً من الذهب أو الفضة للبيع أو للتأجير أو للاقتناء، أما الحلي الملبوس من قبل النساء فالخلاف في زكاته معلوم، فقد جاءت نصوص القرآن والسنة بوجوب الزكاة في الذهب والفضة عموماً بدون تفصيل، وقد جاءت نصوص من السنة خاصة في إيجاب الزكاة في الحلي الذي تلبسه النساء على الذين يجمعون الأموال لشراء ذهب النساء ليكنزوها إلى وقت الحاجة، وليتهربوا بذلك من الزكاة بحجة أنه للنساء، وللبسهن، وليس للادخار مع أنه احتيال في طريقة الادخار والاكتناز، يدّخرونه لليوم الأسود على حدّ زعمهم، وطريقة بخلهم وشحّهم، وتهربهم من إخراج الزكاة ودفعها لمستحقيها، وقد جاء عن عبد الله بن عمرو بن العاص – رضي الله عنهما – أن امرأة أتت النبي – صلى الله عليه وسلم – ومعها ابنة لها، وفي يدها مسكتان غليظتان من ذهب، فقال رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: ((أتعطين زكاة هذا؟)) قالت: لا، قال: ((أَيَسُرُّكِ أنْ يُسَوِّرَكِ اللهُ بهما يوم القيامة سِوَارَيْن من نار؟)) فخلعتهما فألقتهما إلى النبي – صلى الله عليه وسلم – وقالت: هما لله ورسوله"7، وثبت عن أم سلمة – رضي الله عنها – أنها كانت تلبس أوضاحاً من ذهب فقالت: يا رسول الله، أَكَنْزٌ هو؟ فقال: ((ما بلغ أن يُزكَّى فزُكِّي فليس بكنز))8.

وزكاة الحلي الذي تلبسه المرأة أو تدّخره مع الخلاف المعلوم في وجوبه يجب أن تؤدّيه المرأة بنفسها، وإذا أراد الزكاةَ عنها زوجُها أو ولدُها أو أبوها أو غيرُهم من أقاربها فلا بأس، ولكن لا تجب عليهم كما يعتقده بعض المسلمين، بل الواجب على المالك نفسه وهو المرأة.

ولا تجب الزكاة في الذهب والفضة حتى يبلغا النصاب، ونصاب الذهب عشرون مثقالاً، ومقداره من الجرامات خمسة وثمانون جراماً، وقيل: خمسة وسبعون جراماً، أما نصاب الفضة فمائة وأربعون مثقالاً، ومقداره بالجرامات595 غرام، وما دون ذلك لا زكاة فيه, والواجب فيهما ربع العشر على من ملك نصاباً منهما أو من أحدهما وحال عليه الحول، والربح تابع للأصل فلا يحتاج إلى حول جديد، وتجب الزكاة أيضاً في الأوراق النقدية التي يتعامل بها الناس اليوم، سواء سُمِّيت درهماً أو ديناراً أو دولاراً أو غير ذلك من الأسماء إذا بلغت قيمتها نصاب الذهب أو الفضة وحال عليها الحول.

كما تجب الزكاة في الديون التي للمسلم على الناس إذا كانت من الذهب أو الفضة أو الأوراق النقدية، وبلغت نصاباً بنفسها أو بضمّها إلى ما عنده من جنسها سواء كانت حَالَّةً أو مُؤَجَّلةً، فيزكِّيها كلَّ سنة إن كانت على غني، فإن شاء أدّى زكاتها قبل قبضها من ماله، وإن شاء انتظر حتى يقبضها فيزكيها عن المدة التي مضت مهما كان عدد السنوات، أما إن كانت الديون على فقير فلا زكاة على من هي له حتى يقبضها فيزكيها سنة واحدة عما مضى لأنها قبل قبضها في حكم المعدوم.

وتجب الزكاة في عروض التجارة إذا بلغت قيمتها نصاباً بنفسها أو بضمّها إلى ما عنده من الدراهم أو العروض، وهي كل مال أعده مالكه للبيع تكسباً وانتظاراً للربح من عقار وأثاث، وسيارات ومكائن، وأطعمة وأقمشة وغيرها، فتجب عليه الزكاة فيها، وهي ربع عشر قيمتها عند تمام الحول، فإذا تم الحول يجب عليه أن يُثمِّن ما عنده من العروض، ويخرج ربع عشر قيمتها سواء كانت القيمة مثل الثمن أو أقل أو أكثر، فإذا اشترى سلعة بألف ريال مثلاً وكانت عند الحول تساوي ألفين وجب عليه زكاة ألفين، وإن كانت لا تساوي إلا خمسمائة ريال لم يجب عليه إلا زكاة خمسمائة فقط.

ولا زكاة في المال الواجب زكاته حتى يحول عليه الحول مثل النقدين، وعروض التجارة، والسائمة، فإذا كان عند المسلم دراهم بلغت النصاب، وحال عليها الحول في رمضان مثلاً فيجب عليه أن يزكيها في رمضان، ويجوز أن يقدم الزكاة قبل أن يحول الحول على المال الواجب زكاته، أما ما يقع فيه بعض الناس من تأخير الزكاة عن وقت وجوبها وهو تمام الحول فهذا لا يجوز، أي: تأخير الأداء عن وقت الوجوب، فبعضهم يكون تمام الحول عنده في المحرم أو صفر أو غير ذلك من الشهور المتقدمة عن رمضان فيؤخر الزكاة إلى رمضان فهذا الفعل لا يجوز، ويجب التنبه له، أما تقديم الزكاة فلا بأس به، وهو الأفضل، خاصة إن قدمها في شهر رمضان عن وقت وجوبها الذي يحل بعد شهرين أو ثلاثة أو أكثر من ذلك طلباً لزيادة الأجر في رمضان حيث مضاعفة الأجر كما ورد بذلك الخبر عن رسول الله – صلى الله عليه وسلم -.

الخطبة الثانية:

الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، أحمده سبحانه وأشكره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبد الله ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وصحبه، أما بعد:

معاشر المؤمنين: يقول الله سبحانه: {وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدّينَ حُنَفَاء وَيُقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَيُؤْتُواْ ٱلزَّكَوٰةَ وَذَلِكَ دِينُ ٱلقَيّمَةِ}9، وفي الصحيحين من حديث ابن عمر – رضي الله عنهما – يقول: ((أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإن فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله))10.

قال ابن عباس : "ثلاث آيات نزلت مقرونة بثلاث، لا تقبل منها واحدة بغير قرينتها: الأولى قول الله – تعالى -: {وأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ}11، فمن أطاع الله ولم يطع الرسول لم يقبل منه، الثانية قوله – تعالى-: {وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَآتَوُاْ ٱلزَّكَوٰةَ}12، فمن صلى ولم يزك لم يقبل منه، الثالثة قوله – تعالى -: {أَنِ اشْكُرْ لِى وَلِوَالِدَيْكَ}13 فمن شكر الله ولم يشكر لوالديه لم يقبل منه"، وكان ابن عباس  يقول: "من كان له مال تجب فيه الزكاة ولم يزك سأل الرجعة عند الموت – أي سأل العودة إلى الحياة حتى يزكي -، فقال رجل لابن عباس: اتق الله إنما يسأل الرجعة الكفار، فتلا ابن عباس – رضي الله عنه – على الرجل قول الحق – سبحانه وتعالى -: {وَأَنفِقُواْ مِن مَّا رَزَقْنَـٰكُمْ مّن قَبْلِ أَن يَأْتِىَ أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ فَيَقُولُ رَبّ لَوْلا أَخَّرْتَنِى إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مّنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ}14.

وقد سمى الله مانعي الزكاة مشركين فقال – سبحانه -: {وَوَيْلٌ لّلْمُشْرِكِينَ  ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ وَهُمْ بِٱلآخِرَةِ هُمْ كَـٰفِرُونَ}15.

معاشر المؤمنين: والله الذي لا إله إلا هو لو أخرج الأغنياء زكاة أموالهم لما رأينا فقيراً ولا مسكيناً، ولا جائعاً ولا عارياً ولا محروماً، وهذا ما حدث في عصر الخليفة العادل الإمام الزاهد عمر بن عبد العزيز – رحمه الله تعالى -؛ يوم أن أقيم العدل في الأمة، ويوم أن عرف الأغنياء حق الله في أموالهم، حيث جمعت الزكاة في عصر عمر بن عبد العزيز، وأراد عمر أن يوزعها فلم يجد فقيراً واحداً في أنحاء الأمة، ولقد عقمت أرحام نساء الدولة العمرية أن تلد فقيراً أو مسكيناً، وكان عمر بن عبد العزيز يحكم أمة تمتد حدودها من الصين شرقاً إلى باريس غرباً، ومن حدود سيبيريا شمالاً إلى المحيط الهندي جنوباً، ومع ذلك لم يجد مسكيناً واحداً يأخذ الزكاة، وفاض المال في بيت مال المسلمين، فأصدر عمر بن عبد العزيز أمراً بأداء الديون، وقال: "اقضوا عن الغارمين"، فقضى ديون الناس، وما زال المال فائضاً، فأصدر أمراً بإعتاق العبيد من بيت مال المسلمين، فأعتق العبيد، وما زال المال فائضاً في خزينة الدولة، فأصدر أمراً بتزويج الشباب وقال: "أيما شاب أراد أن يتزوج فزواجه على حساب بيت مال المسلمين" فتزوج الشباب، وبقي المال.

وقد بيَّن الله – سبحانه وتعالى – مصارف الزكاة في كتابه الكريم فقال – سبحانه وتعالى -: {إِنَّمَا ٱلصَّدَقَـٰتُ لِلْفُقَرَاء وَٱلْمَسَـٰكِينِ وَٱلْعَـٰمِلِينَ عَلَيْهَا وَٱلْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِى ٱلرّقَابِ وَٱلْغَـٰرِمِينَ وَفِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ فَرِيضَةً مّنَ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ}16، فلا يجوز ولا يجزئ صرف الزكاة لغير هذه الأصناف الثمانية التي بينها الله – سبحانه وتعالى – في هذه الآية، ولا يجوز للأغنياء ولا للأقوياء المكتسبين أن يأخذوا منها؛ فإن أخذوا منها فإنما يأخذون حراماً وسحتاً ففي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة – رضي الله عنه – قال: قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: ((من سأل الناس تكثراً فإنما يسأل جمراً فليستقل أو ليستكثر))17، وفي الصحيحين من حديث ابن عمر – رضي الله عنه – يقول – عليه الصلاة والسلام -: ((لا تزال المسألة بأحدكم حتى يلقى الله – تعالى – وليس في وجهه مزعة لحم))18.

معاشر المؤمنين: إن شهر رمضان هو شهر البر والإحسان، شهر المواساة والرحمة، شهر الإنفاق والصدقة، وقد كان رسول الله – صلى الله عليه وسلم – أجود الناس وكان أجود ما يكون في رمضان، فكان أجود بالخير من الريح المرسلة، فما أحسن المعروف يا عباد الله، وما أحسن الجميل، والله لو كان الجميل رجلاً لكان حسناً، وما أقبح القبيح ولو كان القبيح واللؤم رجلاً لكان قبيحاً، ولله در من قال عن البذل والجود:

ولم أر كالمعروف أما مذاقه                   فحلوٌ وأما وجهه فجميل

والله – سبحانه وتعالى – يقول: {مَّثَلُ ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوٰلَهُمْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلّ سُنبُلَةٍ مّاْئَةُ حَبَّةٍ وَٱللَّهُ يُضَـٰعِفُ لِمَن يَشَاء وَٱللَّهُ وٰسِعٌ عَلِيمٌ}19، والرسول – صلى الله عليه وسلم – يقول: ((ما من يوم يصبح العباد فيه إلا ملكان ينزلان، فيقول أحدهما: اللهم أعط منفقاً خلفاً، ويقول الآخر: اللهم أعط ممسكاً تلفاً))20.

الخير أبقى وإن طال الزمان به               والشر أخبث ما أوعيت من زاد

فيا من أراد أن يخلف الله عليه، ويبارك له في رزقه؛ أنفق على الفقراء والمساكين، وتفقد الأرامل واليتامى والمحرومين، وأنفق من أموالك في أوجه الخير والبر، وإذا كان بعض الجاهليين والكفار- يا عباد الله – لا يرضون أن يعيش في مجتمعهم جائع ولا مسكين وهم وثنيون لا يعرفون رباً ولا رسولاً ولا ديناً؛ فما بال أهل الحق يبخلون بفضل الله على عباد الله.

فقدموا لأنفسكم – يا عباد الله – شيئاً تلقونه هناك في الآخرة، قدموا للقبر، قدموا للصراط، قدموا ليوم الفضائح والكربات، واعلموا أن من قدم خيراً فإنما يقدم لنفسه {وَمَا تُقَدّمُواْ لأَنفُسِكُمْ مّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ ٱللَّهِ}21.

معاشر المؤمنين: قد شرع الله لنا  في ختام شهرنا عبادات تزيدنا منه قرباً، وترفع درجتنا عنده – سبحانه وتعالى -، من هذه العبادات زكاة الفطر، فرضها الله – سبحانه وتعالى – تطهيراً للصائم مما قد وقع في صيامه من لغو ورفث، ونقص وإثم، وطعمة للمساكين، وإظهاراً للمودة والرحمة والمواساة بين الناس، وهي فريضة على الكبير والصغير، والذكر والأنثى، والحر والعبد من المسلمين فعن عبد الله بن عمر – رضي الله عنهما – كما  في الصحيحين أنه قال: "فرض رسول الله – صلى الله عليه وسلم – زكاة الفطر من رمضان صاعاً من تمر، أو صاعاً من شعير؛ على العبد والحر، والذكر والأنثى، والصغير والكبير من المسلمين"22، وعن ابن عباس – رضي الله عنهما – قال: "فرض رسول الله – صلى الله عليه وسلم – زكاة الفطر طهرة للصائم من اللغو والرفث، وطعمة للمساكين، فمن أداها قبل الصلاة فهي زكاة مقبولة، ومن أداها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات"23، ومقدار هذه الزكاة صاع من قوت البلد تصرف إلى الفقراء والمساكين، وأما وقت إخراج هذه الزكاة فهو صباح يوم العيد بعد صلاة الفجر، وقبل صلاة العيد، ولذلك سن تأخير صلاة عيد الفطر حتى يتسع الوقت لإخراج هذه الزكاة، وسن تعجيل صلاة عيد الأضحى حتى يتفرغ الناس بعد الصلاة لذبح أضحياتهم، ويجوز إخراج صدقة الفطر قبل العيد بيوم أو يومين، ولا يجوز تأخيرها عن صلاة العيد إلا بعذر.

أسأل الله – سبحانه وتعالى – أن يجعلني وإياكم من عباده المقبولين في هذا الشهر الكريم، وأن يجعلنا من عباده الفائزين المستبشرين برضوانه وجناته، ومن عتقائه وطلقائه من النار، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.


 


1 هود (6).

2 الذاريات (22-23).

3 آل عمران (180).

4 التوبة (34).

5 رواه البخاري برقم (1315).

6 رواه مسلم برقم (1647).

7 رواه النسائي برقم (2434)، وحسنه الألباني برقم (1809).

8 رواه البخاري برقم (1337).

9 البينة (5).

10 في البخاري برقم (24).

11 النساء (59).

12 البقرة (277).

13 لقمان (14).

14 المنافقون (10).

15 فصلت (6-7).

16 التوبة (60).

17 رواه مسلم برقم (1726).

18 رواه البخاري برقم (1318).

19 البقرة (261).

20 رواه البخاري برقم (1351).

21 المزمل (20).

22 رواه البخاري برقم (1407).

23 رواه ابو داود برقم (1371)، وقال الشيخ الألباني: صحيح انظر حديث رقم 3570 في صحيح الجامع.