Share |

كلمات / تنبيهات

أسباب ضعف الإيمان

 

الحمد الله رب العالمين، المعبود في كل وقت وحين، المتصرف في الكون، القائل للشيء كن فيكون، سبحانه وبحمده, والصلاة والسلام على النبي الكريم صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

فإن من المعلوم في عقيدتنا أن الإيمان بالله - تبارك وتعالى - يزيد وينقص قال الإمام النووي - رحمه الله -: "مذهب جماعة أهل السنة من سلف الأمة وخلفها أن الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص، والحجة على زيادته ونقصانه ما أورده البخاري من الآيات يعنى قوله - عز وجل -: {لِيَزْدَادُوا إِيمَاناً مَّعَ إِيمَانِهِمْ}1, وقوله - تعالى -: {وَزِدْنَاهُمْ هُدًى}2, وقوله - تعالى -:{وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى}3, وقوله - تعالى -: {وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى}4, وقوله - تعالى -: {وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَاناً}5, وقوله - تعالى -: {أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَاناً فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَاناً}6، وقوله - تعالى -: {فَزَادَهُمْ إِيمَاناً}7, وقوله - تعالى -:{وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَاناً وَتَسْلِيماً}8, قال ابن بطال: فإيمان من لم تحصل له الزيادة ناقص9".

ولتلك الزيادة أو ذلك النقص أسباب, سوف نذكر في هذه العجالة بعضاً من الأسباب التي تؤدي إلى ضعف الإيمان وفي المقابل فإن عكسها هي أسباب لزيادة الإيمان:

أولاً: عدم مراقبة الله - تبارك وتعالى -: وجهل الإنسان بأن الله - تبارك وتعالى - مطلعٌ عليه, رقيب يعلم كل شيء {إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً}10, {وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَّقِيباً }11, {وَللّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَانَ اللّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُّحِيطاً}12, وكذا جهل الإنسان بأن الله على كل شيء قدير لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء {مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللّهَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}13, وقال:{وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُواْ الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُواْ يَأْتِ بِكُمُ اللّهُ جَمِيعاً إِنَّ اللّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}14, وقال:{وَلِلّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاللّهُ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}15, وتناسيه أن الله - تبارك وتعالى - هو الذي بيده الموت والحياة، وهو على كل شيء قدير قال الله: {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ }16, وقال: {وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ}17, وقال:{تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}18, فتجاهل الإنسان لصفات الله - تبارك وتعالى - تجعل الإنسان بعيداً عن استشعار مراقبته لله - جل وعلا -، وإذا لم يراقب العبد ربه - تعالى - وقع في المعاصي والآثام، وهذا يكون سبباً في ضعف الإيمان بالله - تبارك وتعالى -.

ثانياً: فعل المعاصي: فإن للمعاصي آثاراً عظيمة على القلب وعلى الإيمان، وجاء عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشرب وهو مؤمن، ولا يسرق حين يسرق وهو مؤمن، ولا ينتهب نهبة يرفع الناس إليه فيها أبصارهم حين ينتهبها وهو مؤمن))19, فهذا دليل على أن فعل المعاصي يضعف الإيمان، ومعنى قوله: ((وهو مؤمن)) أي كامل الإيمان، وليس المراد نفي الإيمان بالكلية قال ابن عبد البر - رحمه الله -: "يريد مستكمل الإيمان، ولم يرد به نفي جميع الإيمان عن فاعل ذلك؛ بدليل الإجماع على توريث الزاني والسارق وشارب الخمر إذا صلوا للقبلة، وانتحلوا دعوة الإسلام من قرابتهم المؤمنين الذين آمنوا بتلك الأحوال، وفي إجماعهم على ذلك مع إجماعهم على أن الكافر لا يرث المسلم؛ أوضح الدلائل على صحة قولنا أن مرتكب الذنوب ناقص الإيمان بفعله ذلك وليس بكافر20"، وقال الإمام النووي - رحمه الله -: "فالقول الصحيح الذي قاله المحققون أن معناه: لا يفعل هذه المعاصي وهو كامل الإيمان، وهذا من الألفاظ التي تطلق على نفى الشيء ويراد نفى كماله21"؛ وقال العيني - رحمه الله -: "أن المراد بحديث "لا يشرب الخمر وهو مؤمن" نفي كمال الإيمان، لا أنه يخرج عن الإيمان22", وقال: "وفيه تنبيه على جميع أنواع المعاصي لأنها إما بدنية كالزنا، أو مالية إما سراً كالسرقة أو جهراً كالنهب، أو عقلية كالخمر فإنها مزيلة له، قوله "نُهبة" بضم النون وهو المال المنهوب"23.

ثالثاً: الاشتغال بالدنيا حتى يصبح القلب عبداً لها - والعياذ بالله -: من انشغال بالمال أو زوجة وأولاد يقول الله - تبارك وتعالى -: {وَاعْلَمُواْ أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللّهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ}24, وقال: {اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرّاً ثُمَّ يَكُونُ حُطَاماً وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ}25, ومن المعلوم أن الإنسان مجبول على حب المال والولد والزوجة, وهذا لا شيء فيه إذا لم يلهه ذلك ويشغله عن طاعة الله - تبارك وتعالى - قال الله: {زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاء وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللّهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ}26, فإذا شغله ذلك عن طاعة الله - تبارك وتعالى - كان ماله وولده وزوجته أعداء بين يدي الله - تبارك وتعالى - قال الله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوّاً لَّكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِن تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}27.

رابعاً: ترك الطاعة: فإن ترك الطاعة سبب لنقص الإيمان, فإن كانت الطاعة واجبة وتركها بلا عذر فهو نقص يلام عليه ويعاقب, بل بعضها قد يصل به إلى الكفر - والعياذ بالله - كترك الصلاة, وإن كانت الطاعة غير واجبة كالنوافل، أو واجبة لكن تركها بعذر؛ فإنه نقص لا يلام عليه.

خامساً: الإفراط في الأكل والنوم والسهر والكلام في ما لا يعنيه: فالإفراط في الأكل يؤدي إلى كثرة النوم والغفلة والكسل عن فعل الطاعات, والإفراط في النوم والسهر يسبب نومه عن الصلوات وبخاصة صلاة الفجر, والإفراط في الكلام فيما لا يعنيه حتى ولو كان في المباح فإنه يجره إلى الحرام فيقع في الغيبة والآثام نسأل الله العافية.

سادساً: الابتعاد عن طلب العلم الشرعي، وهجر القرآن, وعدم مطالعة سير السلف، والكتب الإيمانية التي تحيي القلب: وذلك لأن طلب العلم وقراءة القرآن يجعل المسلم يتعرف على عظمة الله - تبارك وتعالى -، وما الذي يجب عليه تجاه خالقه - سبحانه وبحمده -, وبمطالعة سير السلف ينبعث النشاط والهمة على عبادة الله - تبارك وتعالى -، فإذا أكثر الإنسان من العبادة زاد إيمانه.

سابعاً: عدم الإكثار من ذكر الله - تبارك وتعالى -: فهو مدعاة لضعف الإيمان، فإن ذكر الله يحيي القلوب ويطمئنها قال الله: {الَّذِينَ آمَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللّهِ أَلاَ بذِكْرِ اللّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ}28, وقال: {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ}29, والإعراض عن ذكر الله سبب في عيشة الضنك - والعياذ بالله - قال الله: {وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى}30.

فهذه جملة من الأسباب التي تضعف الإيمان، والذي يجب على المسلم أنه إذا شعر بأن إيمانه خَلُقَ وضَعُفَ أن يكثر من النوافل والمحافظة على الفرائض, ويكثر من ذكر الله - تبارك وتعالى -، حيث قد ثبت الأمر بتجديد الإيمان في حديث عبد الله بن عمرو بن العاص - رضي الله عنهما - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((إن الإيمان ليخلق في جوف أحدكم كما يخلق الثوب الخلق، فاسألوا الله أن يجدد الإيمان في قلوبكم))31.

نسأل الله - تبارك وتعالى - أن يعيننا على طاعته وطاعة رسوله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم -، وأن يزيد إيماننا قوة وثباتاً حتى نلقاه، بمنَّه وكرمه، والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.


 

1 سورة الفتح (4).

2 سورة الكهف (13).

3 سورة مريم (76).

4 سورة محمد (17).

5 سورة المدثر (31).

6 سورة التوبة (124).

7 سورة آل عمران (173).

8 سورة الأحزاب (22).

9 شرح النووي على مسلم (1/146).

10 سورة النساء (1).

11 سورة الأحزاب (52).

12 سورة النساء (126).

13 سورة البقرة (106).

14 سورة البقرة (148).

15 سورة آل عمران (189).

16 سورة الحج (6).

17 سورة سبأ (47).

18 سورة الملك (1).

19 رواه البخاري في صحيحه برقم (2343) واللفظ له؛ ومسلم برقم (75).

20 التمهيد (9/243).

21 شرح النووي على مسلم (2/41).

22 عمدة القاري (23/270).

23 عمدة القاري (23/266).

24 سورة الأنفال (28).

25 سورة الحديد (20).

26 سورة آل عمران (14).

27 سورة التغابن (14).

28 سورة الرعد (28).

29 سورة الحديد (16).

30 سورة طـه (124).

31 رواه الحاكم في المستدرك برقم (5) وقال: هذا حديث لم يخرج في الصحيحين، ورواته مصريون ثقات, وقد احتج مسلم في الصحيح بالحديث الذي رواه عن ابن أبي عمر عن المقري عن حيوة عن أبي هاني عن أبي عبد الرحمن الحبلى عن عبد الله بن عمرو؛ وحسنه الألباني في السلسلة الصحيحة برقم (1585).

©جميع الحقوق محفوظة لموقع إمام المسجد 2004
ويحق لمن شاء أخذ ما يريد من مواد هذا الموقع بشرطين : الأول : عزو ما يأخذ إلى موقع إمام المسجد www.alimam.ws ، الثاني : الأمانة في النقل وعدم التغيير في النص المنقول ولا حذف شيء منه ، والله الموفق .
0.07593