Share |

بحوث ومقالات / بحوث

فوائد ولطائف من سيرة سليمان -عليه السلام-

الشيخ محمد بن صالح المنجد

 

عناصر الموضوع:

1.    ورث سليمان عليه السلام.

2.    ملك سليمان عليه السلام.

3.    تسخير الريح له.

4.    عمل الجن والشياطين عنده.

5.    جيش سليمان عليه السلام.

6.    قصة سليمان مع النملة.

7.    الخيل وسليمان عليه السلام.

8.    موت سليمان عليه السلام.

بسم الله الرحمن الرحيم، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

ورث سليمان عليه السلام

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن أتبع هداه، الحمد لله الذي أنزل الكتاب على عبده وجعله نورا وبركة وهدى، وقص علينا فيه القصص، ومن ذلك هؤلاء الكرام، أنبياء البشر عليهم الصلاة والسلام، الذين أمرنا -عز وجل- بالاقتداء بهم، و التفكر في سيرهم، وأمر نبيه -صلى الله عليه وسلم- أن يقص علينا أخبارهم لنتدبر في آثارهم، فأقصص القصص لعلهم يتفكرون، وأن نعتبر بما جرى لهم، ونستفيد من الأحداث التي صارت في حياتهم، {لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ} (يوسف: من الآية111) ، فليس الهدف من القصة مجرد التسلية أو التمتع بالأحداث، أو السرد، وإنما العبر والعظة مع ما في القصة من جمال وبهاء هذه القصص الحقيقية التي ليست خيالاً ولا كذبا،{إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلاَّ اللّهُ وَإِنَّ اللّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} (62) سورة آل عمران ، هي أصدق القصص، {وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثاً}(النساء: من الآية87)، وأحسن القصص، {نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ}(يوسف: من الآية3) ، وأنفع القصص {مَا كَانَ حَدِيثاً يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ}(يوسف: من الآية111) ، ومن أخبار الأنبياء العظماء الذين قص الله علينا سيرهم في القرآن الكريم، نبيه سليمان -عليه السلام-، أتاه الله العلم والحكمة والنبوة وعلمه منطق الطير والحيوان، وسخر له الرياح والجن، وقد ورث سليمان -عليه السلام- الحكم والنبوة عن أبيه داود، وورث سليمان داود عليهما السلام، ورثه في النبوة والرسالة والملك والخلافة، وولي أمر بني إسرائيل من بعده، وكانت بني إسرائيل تسوسهم الأنبياء كلما هلك نبي خلفه نبي، لم تكن وراثة سليمان -عليه السلام- لداود في الأموال والممتلكات، لأن سنة الله وحكمه قد جرت بأن الأنبياء لا يتوارثون بالأموال، وإنما بالعلم والنبوة وقد ورث داود -عليه السلام- ابنه سليمان مملكة قوية ودولة عظيمة حافظ عليها وتوسع فيها حتى بلغت مملكته الذروة والأوج والقمة، وهذا الملك العظيم الذي كان لسليمان -عليه السلام- لم يحصل لأحد من قبله ولا يحصل لأحد من بعده أبدا، وقد أثنى الله عليه بأن ملكه لم يضره، وإنما كان عوناً له على نشر الدين والدعوة {نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ } (30) سورة ص ، رجّاع إلى ربه في جميع أحواله بالتأله والإنابة والمحبة والذكر والخضوع، والاجتهاد في مرضاة الله تعالى، وفضله الله بالعلم والنبوة {وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ عِلْماً وَقَالا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ} (النمل:15) ، والتنكير في قوله علماً يفيد التعظيم، فقد أتاه الله علماً عظيماً، وشرفاً كبيراً، وهذا يدل على شرف العلم، وأنه أجلّ النعم وأجزل العطايا من الله تعالى، وأن الله يفضل العباد مما يفضل الله به العباد بعضهم على بعض هذا العلم   {يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ} (11) سورة المجادلة ، فإذاً إنما يتفاوتون في الحقيقة بالعلم.

الناسُ من جهة التمثال أكفاءُ

 

أبوهمُ آدم والأم حواءُ
  

فإن يكن لهم في أصلهم نسبٌ

 

يفاخرون به فالطينُ والماءُ
  

ما الفضل إلا لأهل العلم إنهم

 

على الهدى لمن استهدى أدلاءُ
  

وقدر كل امرئ ما كان يحسنه
 

والجاهلون لأهل العلم أعداءُ
  

والذين لا يعرفون قيمة العلماء لا يزالون يقعون فيهم ويضطهدونهم ولكن الله تعالى يجعل من ابتلائهم سنة ماضية يرفع بها ذكرهم ويبين للناس من حولهم فضلهم، وهكذا الابتلاء طريق الأنبياء، والعلماء ورثة الأنبياء بالعلم والابتلاء.

 

ملك سليمان عليه السلام

وقد شكر سليمان -عليه السلام- ربه معترفاً بإحسانه متحدثاً بنعمته، {وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ} (النمل: من الآية16). فهذه هبة عظيمة وتمكين تام، فسخر الله له الإنس والجن والطير ولم يبلغ أحد من الأنبياء ما بلغ سليمان -عليه السلام-، كان عالماً بلغات الطير والحيوانات، والجن أيضاً والشياطين يخاطبهم فيفهمون لغته وأوامره، و-سبحانه وتعالى- الذي يعلّم من يشاء ما يشاء، علّم سليمان مخاطبة الطير في الهواء، ومخاطبة الحيوانات على اختلاف أنواعهم، فقال سليمان علمنا منطق الطير وأوتينا من كل شيء، يعني مما يحتاجه في تثبيت دعائمه،{إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ} (16) سورة النمل ، حرف التوكيد إن واللام الذي هو في الأصل لام قسم وبضمير الفصل مقصود به تعظيم النعمة أداءً للشكر عليها بالمستطاع من العبارة، علمنا وأوتينا يقصد نفسه وأباه أو يريد إظهار عظمة الملك والنبوة والسلطان، وعبر عن أصوات الطير بلفظ منطق تشبيهاً له بنطق الإنسان من حيث إنه ذو دلالة، فإذاً كلام الطير هل هو مجرد أصوات لا معنى لها، أم أن لها معاني، هل هو كلام فاستدلوا بقوله تعالى منطق الطير على أن لها معاني، وأن لها حروفاً، وإن كان لا تشبه حروف البشر، الطير لها حروف لا تشبه حروف البشر، وكلام الطير له معاني لا يفقهه البشر، وقال سليمان -عليه السلام- هذا معترفاً بنعمة الله -عز وجل-، ومنته وليعرف الناس ماذا حصل من هذه النعمة، وعبر بأداة الاستغراق "من" في قوله "من"، وأوتينا من كل شيء تعظيماً للنعمة، وهذه الأية تدل على أن للمخلوقات الحية لغات خاصة {تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ وَلَكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ} (44) سورة الإسراء ، فإذاً لهم تسبيح وليس مجرد نقيق، أو ثغاء، أو خوار، ليس مجرد زقزقة، وإنما لها معاني، وأنها تسبح وتنطق، وإن كنا لا ندرك ذلك، وإذا كان الله قد حجب عنا فهم لغة الحيوانات والطير فإنه قد علّم ذلك سليمان -عليه السلام-، وهو لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، وهذا يبين أن علم البشر مهما بلغ فإنه يبقى محدوداً مقصوراً ضعيفاً، فلو قيل للعلماء الآن ما هي حروف لغة الطيور وما هي المعاني وما هي الكلمات؟ لم يستطيعوا أن يأتوا بذلك، لكن الله -عز وجل- علّمها لسليمان، عُلّمنا منطق الطير ومنطق الطير لا يعرفه الناس الآن، بعض علماء الأحياء، ربما أدركوا أن مثل هذه النبرة أو النغمة أو مثل هذا المستوى من الصوت مثلاً يقوله الطير مثلاً عن استدعائها لأولادها أو عند تزاوجها أو عند طيرانها أو عند إرادتها فعل كذا، لكن ما هي الحروف وما هي الكلمات، وما هي المعاني؟ لا يدركون ذلك.

كل ذلك علّمه الله تعالى لسليمان -عليه السلام-، ولا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء. والله -عز وجل- قادر على إسماع غير المسموع لمن يشاء، وقد قال -عليه الصلاة والسلام- إن عذاب القبر يسمعه ما بين المشرق والمغرب إلا الثقلين، وها نحن نمر بالمقابر اليوم لا نسمع شيئاً لكن هناك كلام يحدث وصراخ وعويل، وهناك ما تفهمه البهائم إلا الثقلين، لا يدركان صوت المعذب في قبره، فقد أعطى الله تعالى سليمان -عليه السلام- ما لم يعطه أحداً من بعده استجابة لدعائه لما قال: {قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ}(صّ:35). فطلب المغفرة قبل أن يطلب الملك وهذه مسألة مهمة جداً، نجد أن اليوم بعض الناس يطلبون الدنيا قبل الآخرة، مع أن الآخرة أهم، قال سليمان: { رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً }، فسأل الآخرة قبل الدنيا، وسأل المغفرة قبل الملك لأنها أهم، وزوال الذنوب، زوال أثر الذنوب يحصل به المقصود، على قاعدة التخليه قبل التحلية أيضاً، فالله يمنح بعد أن يمتحن، فتأتي المحنة بعد المنحة، ويأتي التمكين بعد الابتلاء،{قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَّا يَنبَغِي لِأَحَدٍ مِّنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ} (35) سورة ص، فهذه الصيغة المناسبة لكثرة هبات الله تعالى، وهّاب كثير الوهب، لماذا طلب سليمان -عليه السلام- ملكاً لا ينبغي لأحد من بعده، لماذا؟ وهل كان يريد التعالي في الأرض أو أن يسجل له التاريخ منقبة لم تحدث ولن تحدث، هل كان يريد ذكراً في الدنيا أو استعلاءً على الخلق؟ الجواب كلا، وإنما أراد بهذا الملك، أن يمكنه الله بنشر الدين تمكيناً لا يحصل مثله، وأن يدعو إليه بهذا الملك، وأن يستعمل الملك في نصرة الدين، وإسعاد الناس، وأن يكون الملك مظهراً من مظاهر الإنعام الرباني، وأن يتخذه وسيلة لذكره وشكره وحسن عبادته، وكان إيتاء الملك بعد الامتحان. {وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَداً ثُمَّ أَنَابَ} (صّ:34)، حصل امتحان عظيم لسليمان فقال {رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَّا يَنبَغِي لِأَحَدٍ مِّنْ بَعْدِي}، ما حصل هذا السؤال إلا بعد تلك المحنة العظيمة، فإذاً لما صارت المحنة التي بها نقص لا شك أن ملك سليمان نقص بالمحنة  {وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَداً}، فالمحنة هذه جعلت سليمان يطلب ملكاً عظيماً لا يزول بمثل هذه المحن، والابتلاءات، وأن يكون ممكّناً فيه، والنبي إذا رأى أول الخير طمع في بقيته، ولذلك فإن أيوب -عليه السلام- لما خر عليه رجل جراد من ذهب، يعني شيء عظيم من الذهب، سأل المزيد.

تسخير الريح له

 وكل ملك من ملوك الدنيا له مراكب تحمله وتحمل جنوده، وأتباعه، وحاشيته، ومن معه، فسخر الله تعالى لسليمان -عليه السلام- الريح بأمره تحمله حيث شاء كيف شاء، تقطع ما تقطعه الريح المعهودة في شهر، ولا تحتاج إلى صيانة ولا وقود ولا طعام كالدواب، وهكذا حصل لسليمان ما لم يحصل لأحد حتى من الموجودين في عالم التقنية، فإن المراكب اليوم تحتاج إلى وقود وتحتاج إلى صيانة ومحدودة الطاقة والاستيعاب لكن الله -عز وجل- أعطى سليمان مركباً عظيماً لا يحتاج إلى صيانة ولا وقود وليس له طاقة استيعابية محدودة بشيء من مثل المراكب اليوم، كم تحمل الدابة وكم تحمل السيارة وكم تحمل الطائرة، لكن الريح تحمل ما شاء الله أن تحمل،   {فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ}(36) سورة ص،  بأمر الله، وكذلك إذا أمرها سليمان -عليه السلام- فإنها تسير بأمر الله -عز وجل-، حيث شاء كيف شاء، سخرنا له الريح تجري بأمره على وفق أمره، أمر سليمان {رُخَاء حَيْثُ أَصَابَ}رخاء لينة طرية غير مؤذية في سيرها، الريح فيها مطبات نعاني منها اليوم في الطائرات، مطبات شديدة، ومؤذية، تخيف وتضر بالحامل، وتجعل القلب في وجل، لكن الريح التي كانت تحمل سليمان ومن معه، كانت لينة ليس فيها مطبات هوائية، رخاء حيث أصاب، في أي بلد، وإلى أي بلد اتجه، حيث شاء تقدم الخير والغيث للناس بأمر الله -عز وجل-، وتحمل سليمان ومن معه، سيرها عجيب وسرعتها مذهلة، ولسليمان الريح غدوها شهر ورواحها شهر، ما معنى ذلك، الغدو السير في أول النهار، والرواح في آخر النهار، فهي تسير في صبيحة اليوم مسيرة شهر، وكذلك بالرواح مسيرة شهر، فتسير بالغداة في أول النهار مسيرة شهر، وتسير بالعشي في آخر النهار مسيرة شهر، فتسير في اليوم الواحد مسيرة شهرين، لينة طرية سريعة، رخاء مذللة بأمره فما هو الجمع بينها وبين قوله تعالى: {وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ}(الانبياء:81)، عاصفة قالوا قوية عند الإقلاع إذا حملت، قوية فإذا استوت في السماء صارت رخاء وقيل إن معنى عاصفة قوية مع كونها رخاء طرية فهي قوية في الحمل طرية في السير، ليس فيها زعزعة، فهي بالرغم من قوتها فهي عاصفة وهي رخاء، ومعلوم اليوم أن الطائرات عند الإقلاع تحتاج إلى طاقة وعزم أقوى ما يمكن، بخلاف عند استوائها في السماء وعند هبوطها.

عمل الجن والشياطين عنده

 ومما سخره الله تعالى لسليمان -عليه السلام- الشياطين {وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ}(صّ:37)، الشياطين كل بناءٍ وغواص،{وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ} (38) سورة ص ، فإذا قلت الطيران الذي نعرفه اليوم هل كان لسليمان؟ نقول نعم وكان متفوقاً على ما عندنا، فإن قلت الغواصات التي نعرفها اليوم هل كانت لسليمان؟ الجواب نعم وبأقوى مما يوجد عندنا، لأن الله قال {كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ}، فالطيران لسليمان والغوص حاصل، وقوي وأكثر مما عندنا، لماذا؟ قال الله -عز وجل-{وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ* وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ}، فسخر له الشياطين تبني له ما يشاء من محاريب وتماثيل وجفان كالجواب وقدور راسيات، كما سيأتي وتعمل أعمالاً شاقة لا يستطيعها البشر، وهناك طائفة من الشياطين تغوص في البحار وتستخرج ما يريده من اللائي والجواهر والأشياء النفيسة التي يستعين بها على تدبير أمور مملكته وإغناء من معه وإغراء من يكون من أعدائه للدخول في دينه، يستخرجون له ما يشاء، {وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ}(صّ:38) ، طائفة ثالثة موثقة بالأكبال والأغلال، وهم الذين يحصل منهم تمرد أو عصيان أو امتناع عن العمل أو يسيء ويعتدي، قال -عز وجل-: {وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ}(سـبأ: من الآية12) أمامه هكذا يعمل، بين يديه كما يشاء { بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَن يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ} (12) سورة سبأ .

أماكن العبادة, أول مبنى ذكره تعالى في أبنية هؤلاء, الإنجازات العمرانية التي يريدها سليمان عليه السلام, أول شيء أماكن العبادة, { يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ}(سـبأ: من الآية13), المحراب سمي محراباً لأن العبد يقوم فيه يحارب الشيطان, فلما كان العبد يقوم يحارب شيطانه سمي مكان القيام والعبادة محراباً, مكان الحرب, محراب, هذه الأماكن أماكن العبادة المهيأة كانت في بني إسرائيل, وسليمان عليه السلام أول ما بدأ بأمر الشياطين أن تعمل أماكن العبادة, فهي الأساس قبل أمور الدنيا, { مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ }(سـبأ: من الآية13) جمع تمثال, والتمثال في اللغة: ما صنع على مثل ما يشبه شيئاً في الطبيعة, فهل هو من ذوات الأرواح ويكون مباحاً في شريعتهم حراماً في شريعتنا؟ أو يكون من غير ذوات الأرواح فلا يكون في ذلك إشكال, فهذا تمثال الشجرة, وهذا تمثال كذا وكذا مما هو موجود في الطبيعة من الأشياء التي لا أرواح لها, فيطلق عليها تماثيل, وإن كانت ليست من ذوات الأرواح, ويمكن أن يصنع تمثالاً لعرش, أو تمثالاً لشجرة, أو تمثالاً لقصر ونحو ذلك, {وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ}(سـبأ: من الآية13), جمع جفنة: وهي القصعة والإناء الذي يوضع فيه الطعام, هذه الجفان النحاسية التي تكون كبيرة ضخمة وصفها الله كالجواب, الكاف للتشبيه, الجواب, الجوابي: جمع جابية: وهي الحوض الكبير الذي يوضع فيه الماء, فجفان طعام سليمان كانت مثل الجوابي: جمع جابية التي يكون فيها الماء من البرك الكبار, يعملونها لسليمان عليه السلام لحاجته وحاجة جنده؛ لأن هؤلاء يتنقلون وهذا التموين لجيوش سليمان أعظم مما هو موجود عندنا اليوم فإن ما يحدث اليوم من نقل الأطعمة والقصور في التموين, وما يسبب حصار الجيش, أو موت بعض أفراده, أو تسمم هذه الأطعمة إلى آخر ذلك, هذا لا يوجد في ملك سليمان عليه السلام, فكانت التموينات مستمرة لجنوده بهذه الجفان التي كالجواب, وهذه القصعات العظيمة بالأطعمة, {وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ  }(سـبأ: من الآية13), تطبخ الأطعمة فيها لتسكب في القصعات, وتسكب في الجفان, { رَاسِيَاتٍ  }: ثابتة لا تنكفئ لضخامتها وعظمهما, { يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ}(سـبأ: من الآية13) دليلاً على الانضباط, وحزم سليمان عليه السلام في قيادة مملكته, هذه مملكة الإيمان, فيها رقي عمراني, ورقي صناعي, ورقي عسكري, وهذا بعد الرقي الإيماني,  { وَمِنَ الشَّيَاطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ وَيَعْمَلُونَ عَمَلاً دُونَ ذَلِكَ وَكُنَّا لَهُمْ حَافِظِينَ }(الانبياء:82), فيعملون كل الأعمال, فلا يوجد أعمال لا أحد يقوم بها, { وَكُنَّا لَهُمْ حَافِظِينَ }: نحفظ ملك سليمان وهؤلاء الشياطين لا يستطيعون الخروج عن أمره ولا التمرد عليه, ومن يتمرد يعاقب, والمعاقبة موجودة بالسلاسل والأغلال, والعذاب الذي فيه إهانة, ومما قوى الله تعالى به سليمان عليه السلام المعادن, ومعروف أهمية المعادن اليوم في الأرض, وهذه المعادن منها النحاس وهو ذو شأن عظيم, قال تعالى عن سليمان: { وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ }(سـبأ: من الآية12): وهو النحاس المذاب, فالنحاس هذه مادة مهمة جداً في صناعة ما يحتاج إليه من آلات في الجهاد, وفي غيره من الأمور الحياتية والمعيشية, الصناعات اللازمة للبشر, المادة الخام مهمة جداً, والمادة الخام لا بد أن تكون سهلة الاستخراج وافرة الكمية, حتى تكون ذات جدوى كما هو معروف في دراسة المشاريع اليوم, وفي علم التعدين, لا بد أن تكون سهلة الاستخراج وافرة الكمية, فتأمل في قوله: { وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ }, النحاس هذا عين لا تنضب, يأخذ منه بكميات ما يشاء من النحاس, سهل الاستخراج, عين, إنها عين, بالكمية التي يريدها, { وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ }, وهكذا من أنواع المذابات والمصهورات التي يأخذها فيشكلها كيف يشاء, بل حتى عملية الصهر قد توفرت؛ لأن المعادن حتى تصنّع لا بد أن تصهر ثم توضع في القوالب, وعين القطر هذه سائلة, فالنحاس مذاب, فهنا يسهل تشكيله, ومن تأمل فيما أعطى الله سليمان عليه السلام وجد العجب العجاب وما معنى قوله: {وَهَبْ لِي مُلْكاً لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي}(صّ: من الآية35), لن يحصل لغيره, فهو لا يحصل اليوم في عالم التقنية, ولا في وادي السيلكون, لا يحصل أبداً, ولا يكون مثله إطلاقاً, {هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ}(صّ:39), فقر به عيناً يا سليمان, وأمنن على من شئت, أو أمسك عمن شئت, بغير حساب وحرج عليك؛ لأن الله قد علمه وألهمه العدل وحسن الأحكام, ولم يكن هذا لسليمان في الدنيا فقط ولكن قال الله: {وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ}(صّ: من الآية25), فهو من المقربين المكرّمين بأنواع الكرامات, وهذا يؤخذ منه أن الإنسان إذا أعطاه الله موهبة أو قدرة عضلية, مالية, تصميمية, كتابية, برمجية, تعبيرية, شعرية, إعلامية, أياً ما شئت فإنه يجب استثمارها في الدعوة إلى الله وطاعة الله, كما استعمل سليمان ذلك في خدمة الدين ونشره.

جيش سليمان عليه السلام

 ومن مظاهر تأييده سبحانه لسليمان أن أمده بجيش عظيم, فقال تعالى: {وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْأِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ}(النمل:17), موكب عظيم بثلاث فرق, فرقة الإنس, وفرقة الجن, وفرقة الطير, فجمع الله له هذا في أبهة عظيمة كان يركب فيها, الإنس يلونه, ثم الجن بعدهم في المنزلة, والطير تظلل عليهم بأجنحتها إذا كان الحر, { وَحُشِرَ } معناها: أنهم جمع عظيم, فلا يقال: (حشر) على اثنين وثلاثة, وهؤلاء الجنود الذين كان يركب فيهم في هذه الأبهة من الذي يستطيع أن يقوم لهم وهم بهذه الإمكانات الضخمة, وإذا كان عند بعض الناس اليوم تجنيد إجباري فإن عند سليمان عليه السلام ذلك بقوله تعالى: { وَحُشِرَ }, ولا بد أن يجتمعوا له, وإذا كان هنالك استدعاء احتياطي إجباري فعند سليمان عليه السلام { وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ }, فجمعوا بالقوة والسطوة ومن يتخلف يساق بالوزعة, ومنهم الوزعة؟ قال الله عز وجل: { فَهُمْ يُوزَعُونَ }, إذاً الإنس ثم الجن, والآية الترتيب فيها الجن ثم الإنس قيل: لأن حشر الجن أصعب, فبدأ بهم؛ لأنهم إذا جمعوا كان جمع الإنس أسهل, لكن في الواقع كان الذين يلونه هم الإنس أقرب إلى سليمان, لكن في الحشر والجمع الجن يحشرون أولاً؛ لأن حشرهم أصعب, فإذا قدر عليهم كان الإقدار على من دونهم أولى, وقدم من يعقل الجن والإنس على ما لا يعقل الطير, وادي محشورة تسير أيضاً, ولا تخلو من انتشار ولكنها تحتاج إلى ضبط وترتيب, ولذلك فإن المنظر البديع الذي كان يسير سليمان عليه السلام فيه مع عسكره عجب من العجاب, فإن هؤلاء الجن والإنس والطير فوقهم يحشرون له فيسير بهم في هذه الأبهة العظيمة, ولذلك قال بعض المفسرين: إنه كان هناك مقاعد تحملها هذه الريح فسمي بساط الريح, وقوله: {وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ}(النمل: من الآية16) لا ينقصه شيء, والترتيب والدقة في عسكر سليمان مشهود, ولذلك يوجد وزعة يكفون الجيش, { فَهُمْ يُوزَعُونَ }, وزع: يعني كف ومنع, والوازع: الحابس والنقيب, وعلى كل مجموعة وازع يرد أولاها على أخراها؛ لئلا يتقدموا في المسير, ويسير الجميع بسرعة واحدة, ولا يخرجوا عن صفوفهم, فهم منظمون في صفوف, وهكذا يلحق آخرهم أولهم, ويكونون مجتمعين دائماً, لا يتخلف منهم أحد رغم اختلاف الأصناف, فهؤلاء جن, وهؤلاء إنس, وهؤلاء طير, وهم مع ذلك في غاية التنظيم والترتيب والتناسق, ومعلوم في العلوم العسكرية ما يكون اليوم عند حركة الجيش من أهمية ترتيب وتنسيق وتنظيم المشاة والمدرعات والطيران ونحو ذلك من الأسلحة البحرية والجوية والبرية, بالجنود الذين هم في الجيش, تنظيم السرعات, { فَهُمْ يُوزَعُونَ }, وقد جاء في بعض التفاسير أن عسكر سليمان عليه السلام كان مائة فرسخ, خمسة وعشرون للإنس, وخمسة عشرون للجن, وخمسة وعشرون للوحش, وخمسة وعشرون للطير, لكن هذا جاء من رواية محمد بن كعب القرظي, فالأشبه أنه من الإسرائيليات, فالله أعلم بها, لا نصدق ولا نكذب, الترتيب والتنسيق يعطي هيبة, وقد قال الله: {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفّاً كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ}(الصف:4), شكل الجيش في غاية الأهمية, وهكذا هم عند مسيرهم, فالحشر خطوة والمسير خطوة, والوزعة ينظمون ذلك والأمور تسير كما يشتهي سليمان عليه السلام.

قصة سليمان مع النملة

 هذا النظام العجيب لما أتوا به على واد النمل, {قَالَتْ نَمْلَةٌ}(النمل: من الآية18), ولا يضرنا أين يوجد وادي النمل, قيل: بالطائف, وقيل غير ذلك, لكن لا يضرنا الجهل بالمكان, ولو كان فيه فائدة لذكره لنا ربنا, شاهدتهم نملة فخشيت على قومها الهلاك, لما رأت الجيش العرمرم, فقال: { يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ}(النمل: من الآية18), { أَتَوْا عَلَى}(النمل: من الآية18), فلماذا لم يقل: أتوا واد النمل, ولا يلزم أن يعدى بعلى, يقال: أتى بيت فلان ولا يشترط أن يقول: أتى على بيت فلان؛ لأنهم كانوا في جهة العلو, أتوا عليه, فكانوا في الجو ثم ينزلون, فالآن نزلوا يمشون, وكانوا في الجو, ولذلك أتوا عليه, من فوق إلى أسفل, ولما نزلوا إلى الأرض قالت نملة, واحدة معينة, { قَالَتْ نَمْلَةٌ } بصوت مفهوم, تكلمت ونصحت وأسمعت, وهذا معناه أن تلك القدرات عند النمل وأخبرت من حولها وحذرت, وقيل: إنهم حديثاً سمعوا صوت النمل, ولكن لا يعرفون المعاني ولا الحروف, لكن مكبرات حتى سمعوا الأصوات, وكان ما آتاه الله لسليمان خرقاً للعادة؛ لأنه يعرف لغة النمل بالإضافة إلى لغة الطير, {وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ}(النمل: من الآية16), وهذه النملة كان لها في كلامها منطق عظيم, فإنها نادت ونبهت وسمّت وأمرت ونصّت وحذرت وخصّت وعمّت وأشارت وأعذرت, وهذه النملة التي قالت للنمل: { يَا أَيُّهَا النَّمْلُ }, فبدأت بالنداء؛ ليسمعن قولها, وهذا من آداب النصيحة, { ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ }: التي في باطن الأرض تحميكم من الأخطار, والمساكن حماية للبشر, والله سبحانه وتعالى جعل لنا مساكن تؤينا, وكذلك هي للحيوان, { ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ }: قرية النمل, فهي عدة مساكن تكون القرية, { لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ }, كما تحطم الخيل بحوافرها, وقضية أن هذه الأجسام فيها عنصر السيلكون, وأنها أقرب إلى الزجاج في التحطيم, ونحوه الله أعلم بذلك, لكن { لا يَحْطِمَنَّكُمْ }: يعني لا يهلكنكم, لا يقتلنكم, والنبي عليه الصلاة والسلام نهى عن قتل أربع دواب: النملة والنحل والهدهد والصُّرد, وهذا الحديث فيه عدم تكبّر الإنسان على خلق الله الضعيف, أو على خلق الله الصغير, فإذا كان النمل مؤذياً يقرص أو يتلف الطعام جاز قتله من باب دفع الصائل, وإلا فلا يجوز أن يقتل كالنمل الكبار التي توجد في الصحاري, فلا يجوز قتلها, وقتله كِبر, والذي أحرق قرية نمل قال الله له: هلا نملة واحدة, تلك التي قرصتك, أحرقت أمة بأسرها تسبح, والنحل لما تؤتيه من الشيء المفيد, والهدهد لأنه دل سليمان على الماء, فكان داعية إلى الله نقل الخطاب, وجاء بالجواب, وجاء بالإفادة, وعرف التوحيد, فجعل الله ذريته محفوظة لا تقتل, والصُّرد: نوع من الطيور في لحمه نوع من الوخم والزهومة والضرر؛ ولذلك لا يفيد أكل الهدهد ولا الصُّرد, لحم الهدهد والصُّرد غير نافع للأكل فنهينا عن قتلهما, والنهي عن قتل الشيء دليل على تحريم لحمه, {فَتَبَسَّمَ ضَاحِكاً مِنْ قَوْلِهَا}(النمل: من الآية19). سروراً وإعجاباً؛ لأنها التمست العذر لسليمان ومن معه, لنبي الله لما قالت: { وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ }, { فَتَبَسَّمَ ضَاحِكاً مِنْ قَوْلِهَا }, في حسن منطقها, وكذلك دعا ربه فقال: { رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ }(النمل: من الآية19), هذا من أعظم الأدعية التي ينبغي للمسلم والمسلمة حفظها, { أَوْزِعْنِي }, الوزوع: الولوع بالشيء والتعلق به, اجعلني متعلقاً, {أن أشكر نعمتك}: أهلمني وعلقني بشكر النعمة, قائماً بذلك, { الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ }, فقيل: إن أم سليمان كانت لها ميزات, وليس أبوه فقط, وفي الآية تنبيه على بر الوالدين, وسؤال القيام عنهم بما لم يبلغاه من الشكر, { رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ }: يعني أنا أشكر النعمة التي أنعمت بها على والدي أيضاً, غير التي أنعمت بها علي, فكأن الولد يستدرك النقص الذي يكون في والديه في قضية شكر النعمة, الولد يستدرك نقص شكر والديه للنعمة باستغفاره لهما, فليس هو فقط يشكر النعمة التي أنعم الله بها عليه وإنما يشكر النعمة التي أنعم الله بها على والديه أيضاً, وأدرج ذكر نعمة الله على الوالدين في أن يشكرهما كما يشكر نعمة الله على نفسه لمنزلة الوالدين والبر بهما, وهذه صفة الولد التقي الصالح, ولما سأل ربه شيئاً خاصاً وهو شكر النعمة, سأل شيئاً عاماً وهو {وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً}، فلا شك أن شكر النعمة من العمل الصالح الذي يرضاه, لكن خصّه لأهميته, ولما سأل سؤالاً خاصاً وهو شكر النعمة سأل سؤالاً عاماً فقال: {وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً تَرْضَاهُ}: تحبه, وهذا في الحياة فماذا في الممات؟ { وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ }, وتوفني وألحقني بهم, واجعلني مع الرفيق الأعلى من الذين أنعمت عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين, وهذا كله برحمتك حتى دخول الجنة برحمة الله تعالى, أدعية الأنبياء جميلة جداً, وفيها فقه ينبغي علينا الأخذ به, قضية سليمان مع الهدهد قصة طويلة يصعب الإتيان بها الآن, فيكون لنا معها وقفة أخرى إن شاء الله.

الخيل وسليمان عليه السلام

 لكن مما آتى الله تعالى الخيل, وحادثة الخيل مشهورة مذكورة في القرآن, {إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ}(صّ: من الآية31): على سليمان عليه السلام, {بِالْعَشِيِّ}(صّ: من الآية31): الظهر والعصر, يسمى عشياً في اللغة هذا الوقت, ماذا عرض على سليمان؟ { الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ  }(صّ: من الآية31), من بعد الظهر إلى غروب الشمس يسمى العشي, هذا عرض عليه بالعشي الصافنات الجياد وصفها الله بصفتين: الصفون وكذلك الجياد جمع جيد، وهو الحسن من الخيل لسرعة جريه، فالصفن والجود غاية ما يكون من جمال الخيل، ما هو الصفن، وما معنى الصافنات، وما هو الصفن، وهذا الصفون الموصوفة به؟

أن تقف الفرس رافعة إحدى قوائمها عند الوقوف أي: إلى أربعة قوائم، ثلاثة ممدودة، وواحد مرفوع، هذا جمال في وقفة الخيل، فإذا وقف الجواد على ثلاث قوائم رافعاً الرابعة دل ذلك على أبهة في منظره، وهو في الجري سريع جيد، جواد يسرع في الجري جيد، جياد جواد ولذلك كانت خيل سليمان جميلة في وقوفها، جميلة في جريها، وهي بهذا المنظر العظيم، وهنا تحضر قصة عائشة رضي الله عنها : قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ أَوْ خَيْبَرَ , وَفِي سَهْوَتِهَا سِتْرٌ فَهَبَّتْ رِيحٌ فَكَشَفَتْ نَاحِيَةَ السِّتْرِ عَنْ بَنَاتٍ لِعَائِشَةَ لُعَبٍ فَقَالَ : ((مَا هَذَا يَا عَائِشَةُ)) ؟ قَالَتْ بَنَاتِي ! وَرَأَى بَيْنَهُنَّ فَرَسًا لَهُ جَنَاحَانِ مِنْ رِقَاعٍ , فَقَالَ : ((مَا هَذَا الَّذِي أَرَى وَسْطَهُنَّ ))؟ قَالَتْ : فَرَسٌ , قَالَ : ((وَمَا هَذَا الَّذِي عَلَيْهِ)) ؟ قَالَتْ : جَنَاحَانِ , قَالَ : ((فَرَسٌ لَهُ جَنَاحَانِ)) ؟ قَالَتْ : أَمَا سَمِعْتَ أَنَّ لِسُلَيْمَانَ خَيْلًا لَهَا أَجْنِحَةٌ ؟ قَالَتْ : فَضَحِكَ حَتَّى رَأَيْتُ نَوَاجِذَهُ ) أبو داود (4932) وصححه الألباني .

ويغتفر لعائشة صغر سنها، ويتسامح في ذوات الأرواح في لعب الأطفال ليس كما هو دقيق الصنعة اليوم، مفسخ اللباس كباربي وساندي، ولكن كالذي فيه الهيكل العام رأس ويدين ورجلين وجسم، تعويداً للبنات على الأمومة منذ الصغر، وهذه مصلحة عظيمة لأجلها أباح الشرع ذوات الألعاب هذه للبنات.

عرضت الخيل على سليمان إلى آخر النهار، استعراض طويل، فلقوة تعلقه بها وهو الذي يستعرض جنوده كما في قصة الهدد، ويكتشف الغائب من الحاضر ويعرف ما هو حال كل واحد من الجنود الاستعراض طويل، كان طويلاً من بعد الظهر إلى أن غربت الشمس، فلم يكن له سليمان بشيء من الدنيا أو الباطل، وإنما كان استعراضاً للجياد في جهاد من أجل الدين، ولذلك كان استعراضه عسكرياً، وهو يستعرضها، عرضت عليه بالعشي الصافنات الجياد حتى غربت الشمس وما انتبه، وهو في حال استعراض وإعداد العسكر، وكانت الشمس قد غربت على عهد النبي عليه الصلاة والسلام في الخندق قبل نزول صلاة الخوف على ما قيل في قول من أقوال أهل العلم، ولم يستطع الصلاة هو ومن معه فصلوا العصر بعد المغرب، وأما بعد نزول صلاة الخوف فلا تأخير إطلاقاً.

قد يشغل بالجهاد عن الصلاة، لكن بعد ديننا أكمل الدين، وفيه صلاة الخوف التي تجعل الصلاة ممكنة حتى في حال المسايفة واختلاط الجيشين في الدخول في المبارزة، فسليمان كان في عمل مهم، وهو استعراض الخيل في الجهاد في سبيل الله، فغربت الشمس، وكان عندهم في بني إسرائيل الصلاة آخر وقت لها غروب الشمس، يعني عندهم صلاة، وعندهم مواقيت، وفي إحدى الصلوات التي عندهم ينتهي وقتها بغروب الشمس، {فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَن ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ} (32) سورة ص، انتبه فقال نادماً على ما حصل منيباً إلى ربه: إني أحببت حب الخير، الخيل هذه وإعدادها في سبيل الله، عن ذكر ربي، وهي الصلاة، هي كلها عبادة، لكن هذه يجب أن تقدم الصلاة.

إكرام الضيف عبادة، أشياء كثيرة، بر الوالدين عبادة، لكن إذا جاء وقت الصلاة لا بد من الصلاة، الإعداد للجهاد عبادة، لكن إذا جاء وقت الصلاة لا بد من الصلاة،{فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي} (صّ: من الآية32) ، قدمت هذا على ذكر ربي وهي الصلاة، آثرته عليه، فنسيت وقت الصلاة حتى توارت الشمس بالحجاب، يعاتب نفسه، ويلومها قالوا: كان عندهم صلاة العصر، الخير يطلق على الخيل، ويطلق على المال، وإنه لحب الخير لشديد، والخير إن ترك خيراً يعني المال فالخيل من المال، بعض الناس يظن المال هو النقد الذهب والفضة، هذا اسمه نقد، زكاة النقدين، أما المال يدخل فيه السيارات والأثاث والبيوت والعقارات، والسيولة، ولذلك قسمة المال يعني كل شيء يملكه الإنسان، ما يتمول.

{حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ} (صّ: من الآية32) ، ما في ذكر للشمس، لكن في ذكر الضمير الدال عليها تاء التأنيث، حتى توارت هذه الشمس، فحذفها لدلالة العشي عليها، فتوارت، وتوارى قرصها عن أعين الناظرين بالحجاب، فما هو الحجاب؟

الحجاب هو الأرض؛ لأنها توارت فغطتها الأرض، فإنه ينظر في الأفق، وهي تغيب، وتنزل، وتختفي حتى تتوارى، فتحجبها الأرض كما ذكر ابن رجب رحمه الله في كتابه فتح الباري.

واستتار الشمس بالأرض كما ذكر الله تعالى تغرب في عين حمئة، فالماء من الأرض، وهذه تنزل في البحر، تنزل حتى يحجبها ماء البحر، وتلك نزلت حتى حجبتها الأرض، وجاء في حديث سلمة بن الأكوع أن رسول الله  صلى الله عليه وسلم كان يصلي المغرب إذا غربت الشمس وتوارت بالحجاب، رواه مسلم.

فالذي يستر الشمس ويحجبها هو الأرض، اشتغل بالعرض حتى حجبت الشمس الأرض، قال ابن كثير رحمه الله: ذكر غير واحد من السلف والمفسرين أنه اشتغل بعرضها حتى فات وقت صلاة العصر , والذي يقطع به أنه لم يتركها عمدا بل نسيانا كما شغل النبي يوم الخندق عن صلاة العصر حتى صلاها بعد الغروب . اهـ ..

طيب لما انتبه سليمان ولام نفسه ماذا فعل؟ قال: {رُدُّوهَا عَلَيَّ}(صّ: من الآية33) ، يعني ردوا الخيل، {فَطَفِقَ مَسْحاً بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ} (صّ: من الآية33) ، وهنا قولان مشهوران للمفسرين:

الأول: أنه جعل يعقرها بسيفه؛ لأنها أشغلته عن الصلاة، وقد يكون في شرعهم شيء من هذا غضباً لله، مثل قضية جمع الغنائم ثم تنزل ناراً فتحرقها.

وذهب بعض المفسرين إلى أن المراد: {فَطَفِقَ مَسْحاً بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ} ، يعني مسح سيقانها وأعناقها بيده تودداً إليه، وتحبباً؛ لأن سليمان أجل، وأزكى من أن يعقرها وهي لا ذنب لها، نعم قد يقال فيه معاقبة للنفس بإتلاف ما أشغلها، ولكن قد يكو الأقوى من هذا أنه مسح أعرافها وعراقيبها حباً لها، ولأنه لا ذنب لها، وقد قال عليه الصلاة والسلام: ((الْخَيْلُ مَعْقُودٌ فِي نَوَاصِيهَا الْخَيْرُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ , وَأَهْلُهَا مُعَانُونَ عَلَيْهَا , فَامْسَحُوا بِنَوَاصِيهَا وَادْعُوا لَهَا بِالْبَرَكَةِ وَقَلِّدُوهَا وَلَا تُقَلِّدُوهَا الْأَوْتَارَ)) أحمد (143377) وصححه الألباني.

فمسح ناصية الخيل ورد في السنة ، ولم يكن نبيّ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم ليعذب حيوانًا بالعرقبة، ويهلك مالا من ماله بغير سبب، سوى أنه اشتغل عن صلاته بالنطر إليها، ولا ذنب لها باشتغاله بالنظر إليها". الطبري (21/196).

وقول سليمان أحببت الخيل حباً كثيراً لما فيها من الخير، ولكن حب الصلاة كان ينبغي أن يكون أعظم، حتى توارت بالحجاب، واختفت هذه الشمس فالخيل كانت تسبح في الميدان، فقال: { رُدُّوهَا عَلَيَّ } وأعيدوها، فمرر عليها يديه يمسحها تكريماً لها، والتماساً للخير فيها، ومحبة وتأليفاً، ومن العلاقة بين الخيال والخيل حركة لطيفة تأنس بها الخيل إذا مسح صاحبها ناصيتها وساقها، فتزداد له وفاءً وبه تعلقاً كما يقول أهل التجربة.

ولقد فتنا سليمان، كان هنالك فتنة عظيمة قبل أن يؤتى هذا الملك، وألقينا على كرسيه جسداً ثم أناب، ما هي هذه الفتنة، وما هو هذا الجسد الذي ألقي على كرسيه؟

هنالك أقوال مفسرين دخلت فيها إسرائيليات كثيرة فقيل: شيطان جلس على كرسيه، واحتله، وقيل: إن الجسد هو جسد سليمان نفسه ألقي على الكرسي لا يدبر بمعنى أنه سلبت منه القوة، فألقي عليه جسداً لا حراك به، وقيل: إن الجسد هو شق الولد الذي اختبر الله به سليمان، فابتلاه به لما نسي الاستثناء وذكر المشيئة، وهو الذي جاء في الحديث الصحيح في البخاري قَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ : لَأَطُوفَنَّ اللَّيْلَةَ عَلَى سَبْعِينَ امْرَأَةً تَحْمِلُ كُلُّ امْرَأَةٍ فَارِسًا يُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ , فَقَالَ لَهُ صَاحِبُهُ : قُلْ : إِنْ شَاءَ اللَّهُ , فَلَمْ يَقُلْ وَنَسِيَ , فَأَطَافَ بِهِنَّ وَلَمْ تَلِدْ مِنْهُنَّ إِلَّا امْرَأَةٌ نِصْفَ إِنْسَانٍ [ وفي رواية : إِلَّا وَاحِدًا سَاقِطًا أَحَدُ شِقَّيْهِ ] فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ((لَوْ قَالَهَا لَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ)) ) البخاري (3424) و (5242). فقيل: إن هذه هي الفتنة، وقيل: إن هذا هو الجسد، وما ألقته المرأة من المولود الميت، والجثة الهامدة، أو هذا الشيء المشوه، وقيل: هو، وقيل: شيطان ألقي على كرسيه لكن حصل بسبب ذلك ولا شك نقص لسليمان عليه السلام، حصل له نقص، ولذلك قال {قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ}(صّ:35) فالإنسان قد يسلب بعض النعم لكن يعود أقوى مما كان، فلا تيأسن، ويجب الرجوع إلى الله في كل الأمور، والاعتناء بإصلاح الخلل، والتنبه عند الغفلة، {إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ}(صّ: من الآية32). وهكذا المحافظة على أوقات الصلوات، لقد قام سليمان عليه السلام بإنجازات عظيمة كإخضاع ممالك أهل الأرض للدين، كما حصل في مملكة بلقيس، ولعله يأتي ذكرها إن شاء الله.

ومن الأعمال العظيمة تجديد بناء المسجد الأقصى، فاستفاد سليمان عليه السلام من تسخير الجن والشياطين، فعمل على تجديده، والدليل على ذلك الحديث النبوي عن النبي عليه الصلاة والسلام ((أَنَّ سُلَيْمَانَ بْنَ دَاوُدَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا بَنَى بَيْتَ الْمَقْدِسِ سَأَلَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ خِلَالًا ثَلَاثَةً سَأَلَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ حُكْمًا يُصَادِفُ حُكْمَهُ فَأُوتِيَهُ وَسَأَلَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ فَأُوتِيَهُ وَسَأَلَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ حِينَ فَرَغَ مِنْ بِنَاءِ الْمَسْجِدِ أَنْ لَا يَأْتِيَهُ أَحَدٌ لَا يَنْهَزُهُ إِلَّا الصَّلَاةُ فِيهِ أَنْ يُخْرِجَهُ مِنْ خَطِيئَتِهِ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ)) النسائي (693) وابن ماجه وصححه الألباني.

وهذا رد على اليهود الذين يزعمون أن سليمان بنى الهيكل، فيقال لهم: لم يبني هيكلاً، وإنما بنى المسجد، جدد بنيان المسجد الأقصى، وهكذا كان نبياً رسولاً، ملكاً خليفة حكم بحكم التوحيد لم يتخذ هيكلاً مقدساً، ولا كنيساً يهودياً، وإنما بنى لله مسجداً، هذا هو المسجد الأقصى.

موت سليمان عليه السلام

واستمر سليمان عليه السلام في ذلك الملك العظيم حتى قبضه الله في أوج قوته ومملكته، { فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ } (سـبأ:14).

وهكذا كان التسخير لدرجة أن الجن ما درت عن موت سليمان، والشياطين يعملون كل بناء وغواص بناءً على الأوامر السابقة، وهكذا لم يستطيعوا الخروج عن سيطرته وأوامره بعد موته ، فلما أوقعنا عليه الموت، وذهب الملك لقبض روحه، وكان متكئاً على عصاه، فقبضت روحه على وضعه متكئاً، والجن يقبلون ويدبرون ويرون سليمان قائماً يصلي، ويعملون وهم أذلاء مقهورون مغلوبون، حتى أرسل الله دابة الأرض، الأرضة التي تأكل الخشب، إلى عصى سليمان تأكل منسأته وتنخرها من الداخل، حتى لم تعد العصا تحمل جسم سليمان الميت، فانكسرت وخر الجسد على الأرض، وفوجئ الجن بذلك، وأنه ميت من مدة تبينت الجن وليس فقط الإنس أن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهين يعملون، وهكذا مكث مدة طويلة.

قال ابن عباس ومجاهد والحسن وقتادة: نحواً من سنة، حتى خر والموت لا بد منه لكل حي، وهكذا

لو أن حياً ينال الخلد في مهل
 

لنال ذاك سليمان بن داود
  

هذا لتعلم أن الملك منقطع
 

إلا من الله ذي التقوى وذي الجود
  

هذه القصة العظيمة أيها الأخوة التي تدل على أهمية تسخير الإمكانات في نصرة الدين، وأن كل واحد فينا سواء كان عنده مركب أو خبرة أو مال أو قوة من أي نوع عقلية تقنية، جسدية، عضلية، أن يهب ذلك في خدمة الدين، وأن يسخر ما آتاه الله، وهذا الأخذ بأسباب القوة ثم إنفاق ذلك في خدمة الدين هو الدرس العظيم الذي يؤخذ من سيرة سليمان عليه السلام، ولنا وقفة أخرى إن شاء الله تعالى مع قصة سليمان عليه السلام والهدهد ومملكة بلقيس في فرصة أخرى.

نسأل الله تعالى أن يرزقنا تدبر كتابه، وأن يرزقنا التأسي بأنبيائه، وأن ينعم علينا بشكر نعمته والعمل لدينه، إنه سميع مجيب قريب.

وصلى الله على نبينا محمد.

©جميع الحقوق محفوظة لموقع إمام المسجد 2004
ويحق لمن شاء أخذ ما يريد من مواد هذا الموقع بشرطين : الأول : عزو ما يأخذ إلى موقع إمام المسجد www.alimam.ws ، الثاني : الأمانة في النقل وعدم التغيير في النص المنقول ولا حذف شيء منه ، والله الموفق .
0.06989