الحج ملتقى المسلمين الأكبر

الحج ملتقى المسلمين الأكبر ومؤتمرهم الإسلامي العظيم

 

إن الحمد لله، نحمده – تعالى – ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، بلَّغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين من ربه فصلوات الله عليه في الأولين، وصلوات الله عليه في الآخرين، وصلوات الله عليه في الملأ الأعلى إلى يوم الدين {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ}1، {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً}2، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً}3، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ}4، أما بعد:

فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد – صلى الله عليه وسلم -، وشرُّ الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، أعاذني الله وإياكم من كل ضلالة تهوي بصاحبها إلى النار.

معاشر المؤمنين: من أين أبدأ وأنا أتكلم عن شعيرة الحج المباركة؟ وماذا أقول وأنا أشاهد الحجيج يطوفون بكعبة رب الأرض والسماء؟ وماذا أسطر عن موقف وقف فيه الحجيج شعثاً غبراً بعرفه يجأرون إلى ربهم؟

نعم: إن اللسان ليعجز عن التعبير، وإن القلم ليجف عن الكتابة؛ لا سيما إذا تحدثنا عن قبلة الأمة، وبوابة السماء، وميراث الأجداد، ومسئولية الأحفاد؛ إنها مكة المكرمة التي كرَّمها على سائر المعمورة، وخصَّها بخصوصية الفضل، وعلو المكانة، ورفعة المنزلة، وعظيم الشرف، ومكمن البركة والهداية والخير للعالمين {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ}5 فيها تظهر الآيات، وتتضح العلامات، وفيها الركن والمقام، والحطيم وزمزم، والأمن والأمان، والعلم والإيمان: {فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً}6، بل فيها بيت الرحمن، وموطن الغفران، وسر الاطمئنان، ومروى الظمآن، أذن فيه الخليل حين قال له ربه: {وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ}7 فقال: وكيف أفعل يا رب، قال: اصعد على جبل أبي قبيس، وأذن في الناس، فصعد إبراهيم – عليه السلام -، ونادى الكائنات والحيوانات، والجن والإنس، فأسمع الله دعوته نطفاً في الأرحام، وكائنات في البراري والقفار؛ فجاء ت الدنيا بأسرها تؤم بيت الله الحرام، ملبية دعوة إبراهيم – عليه السلام -، قائلة: "لبيك اللهم لبيك، لبيك لاشريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك".

ثم تتابع الناس لأداء فريضة الحج التي فرضها الله على عباده بقوله: {وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ}8، فصارت مكة مأوى للناس يقصدونها من كل مكان، ويتجهون إليها من كل قطر، وينحدرون إليها من كل جبل، ويصعدون إليها من كل سهل، مقصدهم وغايتهم وهدفهم؛ إظهار الذل والافتقار، وارتداء لباس الإخبات والاضطرار، والدعاء بلسان الخوف والانكسار؛ خوفاً من عقاب العزيز الجبار، وطمعاً في مغفرة الغفار، والفوز بجنات تجري من تحتها الأنهار: {أُوْلَئِكَ جَزَآؤُهُم مَّغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ}9.

ومن أعظم ما يتحلون به في ذلكم الموسم أنهم يظهرون بمظهر الوحدة والتضامن، وتتلاشى فيما بينهم صور الفوارق والجنسيات والألوان، وتذوب (غالباً) في ذلكم الاجتماع الإيماني الكبير، والمؤتمر الإسلامي العظيم؛ كل مخلفات الجهل والتجهيل، والخرافة والشرك والتضليل، مما يجعل الجمع يظهر بصورة واحدة، وصف واحد، وعلى قلب رجل واحد، ممتثلين قول خالقهم وباريهم: {وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ}10، ومخاطبين الدنيا بأسرها، والعالم أجمع، والكائنات كلها: أننا أمة اجتماع لا أمة تفرق، وأمة تضامن وتكافل وتناصر لا أمة تخاذل وتشرذم وتقهقر، كل هذا يظهر في كونهم متحدين قلباً وقالباً: في جميع مواقفهم، ومشاعرهم، ومناسكهم، وطوافهم، وسعيهم، ورميهم.

ربهم واحد، ورسولهم واحد، ومقصدهم واحد، وزيهم واحد، ولباسهم واحد، وإحرامهم واحد، وشعارهم واحد، ودثارهم واحد، وقرآنهم واحد، ونسكهم واحد، وقبلتهم واحدة: {كَأَنَّهُم بُنيَانٌ مَّرْصُوصٌ}11، فسبحان الذي جمعهم من بلدان مختلفة، وعوالم متعددة، وأجناس متباينة، على اختلاف اللهجات، وتعدد النغمات، وتباين الأصوات؛ ومع قدرته على جمعهم فسبحانه كيف يفهم خطاب، ودعاء، ولجوء، واستغاثة، وسؤال، ورجاء كل واحد منهم {لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَهَلْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ}12.

ألا: فما أعظمها من أوقات يشغلونها بطاعة ربهم، وتوحيد خالقهم، يتمتعون بالمشاعر والشعائر، ويتنقلون في الأودية الطاهرة، والمشاعر المقدسة، فكأني بهم وهم على صعيد عرفة شعثاً غبراً رافعين أيديهم، مبتهلين إلى ربهم، خاضعين، مستكينين، خائفين، وجلين، مشفقين على أنفسهم، يسألون ويطلبون، ويتضرعون وينكسرون ويخبتون: {وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ}13، انهمرت دموعهم، وعلا صراخهم، واشتد خوفهم، واضطربت أحوالهم، وتطلعت نفوسهم للقاء ربهم؛ فبينما هم على هذه الحال إذ نزل عليهم ربهم؛ فنظر إلى أحوالهم، وأسدل عليهم رحمته، وأنزل مغفرته، ووهبهم كرمه وعفوه، وقال: ((يا ملائكتي هولاء عبادي أتوني شعثاً غبراً ضاحين أشهدكم أني قد غفرت لهم))14 لا إله إلا الله أي فرح قد غمرهم، وأي سرور قد أطربهم، وأي غفران قد أعتقهم من ذنوبهم، بعد أن أطلع عليهم ربهم، وغفر لهم، وعفا عنهم حتى رجعوا من حجهم وقد خرجوا من ذنوبهم كيوم ولدتهم أمهاتهم.

عباد الله: إن الله – تعالى – يقول – وبقوله يهتدي المهتدون -: {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنصِتُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ}15، وقال عز من قائل عليم: {فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ}16، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم {وَأَتِمُّواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلاَ تَحْلِقُواْ رُؤُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذَا أَمِنتُمْ فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَاتَّقُواْ اللّهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ}17.

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني الله وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم وللمسلمين من كل ذنب فادعوا الله واستغفروه فيا فوز المستغفرين.

الخطبة الثانية:

الحمد لله العزيز الغفار، القوي الجبار، عدد ما صلى له المصلون الأخيار، ثم الصلاة والسلام على النبي المختار، خير من ركع وسجد واستغفر بالأسحار، وعلى آله وصحبه الطيبين الأطهار، وعلى كل من تبعهم بإحسان إلى يوم يبرز فيه العباد لله الواحد القهار، أما بعد:

معاشر المؤمنين: إن المتأمل في الحج إلى بيت الله الحرام يلحظ أن له منافع دنيوية وأخروية مصداقاً لما ذكره الله – تعالى -: {لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ}18.

كما أنه يمثل صمام أمان لأمة محمد – صلى الله عليه وسلم -، فبه تقوى شوكتها، وتظهر عزتها، وتعلو كرامتها، ويهابها أعداؤها، ويذل خصمها، ويقوى ضعيفها، وينصر مظلومها، كيف لا وقد اجتمع أتباع الملة، وحماة العقيدة، وحراس الشريعة؛ من كل أقطار المعمورة شرقاً وغرباً، وشمالاً وجنوباً، يجهرون بصوت واحد، ودعاء واحد، وذكر واحد، ولباس واحد، ووليهم واحد، وعدوهم واحد، فكيف لا يهابهم عدوهم، ولا يذل خصمهم؛ وهم مجمعون على حربه، ومشتاقون لقتاله، لو ظفروا به لقطعوه بأسنانهم قبل سيوفهم، ومزقوه بأنيابهم قبل نبالهم، يقاتلونه وثوابهم الجنة، ويكنون له العداوة والبغضاء وعوضهم الفردوس، سطر هذا نبينا وصحابته وهم يطوفون بالبيت فقال لهم المعلم والقائد والأسوة: ((رحم الله أمرئ أراهم – أي المشركين – اليوم من نفسه قوة))19.

فاللهم بلغنا حج بيتك الحرام، وزيارة مسجد نبيك – صلى الله عليه وسلم -، وألحقنا بالصالحين، واغفر لنا ولهم يا رب العالمين.

عباد الله: صلوا وسلموا على من أمرتم بالصلاة والسلام عليه حيث أمركم ربكم فقال ولم يزل قائلاً عليماً: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً}20.

بلغ العلى بكمالـــه             كشف الدجى بجماله

عظمت جميع خصالـه             صلوا عليه وآلـــه

عباد الله: {إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ }21، فاذكروا الله يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم {وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ}22، وأقم الصلاة.


 


1 سورة آل عمران (102).

2 سورة النساء (1).

3 سورة الأحزاب (70- 71).

4 سورة الحشر (18).

5 سورة آل عمران (96).

6 سورة آل عمران (97).

7 سورة الحج (27).

8 سورة آل عمران (97).

9 سورة آل عمران (136).

10 سورة آل عمران (103).

11 سورة الصف (4).

12 سورة هود (14).

13 سورة الإسراء (57).

14 رواه ابن خزيمة في صحيحه برقم (2840)، وقال الألباني في المشكاة برقم (2601) لم تتم دراسته بلفظ "ضاحين" أما بدون هذا اللفظ فقد حسنه في صحيح الترغيب برقم (1155).

15 سورة الأعراف (204).

16 سورة النحل (98).

17 سورة البقرة (196).

18 سورة الحج (27).

19 سيرة ابن هشام (ج2ص 370) ولم أجد من حكم عليه من المحققين.

20 سورة الأحزاب (56).

21 سورة النحل (90).

22 سورة العنكبوت (45).