قاطع الصلاة

قاطع الصلاة

 

الحمد لله الذي هدانا إلى الملة الحنيفة السمحاء، وبين لنا طرق الشريعة بواسطة الأنبياء والعلماء والأصفياء، والصلاة والسلام على سيد الرسل والأولياء، وعلى آله وأصحابه نجوم الاقتداء والاهتداء. أما بعد:

عباد الله:

اعلموا أن الصلاة فريضة الله على المؤمنين، وقد ورد الأمر بها في آياتٍ كثيرة من كتاب الله كما في قوله تعالى: {فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلاَةَ فَاذْكُرُواْ اللّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ فَإِذَا اطْمَأْنَنتُمْ فَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ إِنَّ الصَّلاَةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَّوْقُوتًا}(103)سورة النساء، وقولِه:{حَافِظُواْ عَلَى الصَّلَوَاتِ والصَّلاَةِ الْوُسْطَى وَقُومُواْ لِلّهِ قَانِتِينَ}(238) سورة البقرة، وجعلها النبي – صلى الله عليه وسلم – الركن الثاني من أركان الإسلام العظيم حين قال: (بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله وإقام الصلاة..)1 الحديث. والصلاة تطهر النفس وتزكيها، وتهيئ العبد لمناجاة الله تبارك وتعالى في الدنيا ومجاورته في الآخرة، وهى تنهى عن الفحشاء والمنكر، قال تعالى:{وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ}(45) سورة العنكبوت.

ولعظم أهمية الصلاة كانت آخر ما وصى به -صلى الله عليه وسلم- قبل رحيله إلى الرفيق الأعلى حين قال: (الصلاة الصلاة، وما ملكت أيمانكم)2.

عباد الله إن ترك الصلاة كفر مخرج من الملة، قال تعالى في سورة التوبة:{فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ}التوبة:11. ومفهومها أنهم إذا لم يتوبوا ويؤدوا زكاة أموالهم ويصلوا فليسوا بإخوان لنا ومن ليس بأخ لنا فهو الكافر بالله العظيم. وقال في سورة مريم:{فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً * إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ شَيْئاً}مريم:60،59.

قال الله في المضيعين للصلاة، المتبعين للشهوات: {إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ} فدل على أنهم حين إضاعتهم للصلاة، وإتباع الشهوات غير مؤمنين. ووجه الدلالة من الآية الأولى، آية سورة التوبة، أن الله تعالى اشترط لثبوت الأخوة بيننا وبين المشركين، ثلاثة شروط:

1- أن يتوبوا من الشرك.

2- أن يقيموا الصلاة.

3- أن يؤتوا الزكاة.

فإن تابوا من الشرك، ولم يقيموا الصلاة، ولم يؤتوا الزكاة، فليسوا بإخوة لنا. وإن أقاموا الصلاة، ولم يؤتوا الزكاة، فليسوا بإخوة لنا. والأخوة في الدين لا تنتفي إلا حيث يخرج المرء من الدين بالكلية، فلا تنتفي بالفسوق والكفر دون الكفر. ويؤيد هذا ما جاء في السنة عن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – حيث قال: (إن بين الرجل وبين الشرك، والكفر، ترك الصلاة)3 وعن بريدة بن الحصيب – رضي الله عنه – قال: سمعت رسول الله يقول: (العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر).4

والمراد بالكفر هنا، الكفر المخرج عن الملة، لأن النبي ، جعل الصلاة فصلا بين المؤمنين والكافرين، ومن المعلوم أن ملة الكفر غير ملة الإسلام، فمن لم يأت بهذا العهد فهو من الكافرين.

وكم من الناس اليوم يتهاونون عن الصلاة فمنهم من يتركها بالكلية ومنهم من يتكاسل عنها ومنهم من لا يحسن إقامتها بأركانها وشروطها وسننها حتى نرى كثير من الناس فسدت حياتهم لفساد صلاتهم وعلاقاتهم بربهم سبحانه وتعالى. فلا الرعية يقيمونها ولا الراعي يلزمهم بها، وفي صحيح مسلم، عن أم سلمة – رضي الله عنها – أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ستكون أمراء، فتعرفون وتنكرون، فمن عرف برئ، ومن أنكر سلم، ولكن من رضي وتابع) قالوا: أفلا نقاتلهم؟ قال: (لا ما صلوا)5.

وفي صحيح مسلم أيضاً، من حديث عوف بن مالك – رضي الله عنه – أن النبي قال: (خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم، ويصلون عليكم وتصلون عليهم، وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم، وتلعنونهم ويلعنونكم) قيل: يا رسول الله: أفلا ننابذهم بالسيف؟ قال:(لا ما أقاموا فيكم الصلاة)6. 7

عباد الله: يتضح من الآيات القرآنية والأحاديث السابقة أهمية الصلاة في حياة المؤمن، وأهمية الخشوع فيها، وأهمية الاطمئنان بذكر الله تعالى. كل هذا يؤكد على خطورة ترك الصلاة أو التكاسل فيها .

ومما دعا به إبراهيم عليه السلام قال:

{رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاَةِ وَمِن ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاء}(40) سورة

فالصلاة عباد الله: هي الركن الثاني من أركان الإسلام. وهي أول ما يحاسب عنه العبد يوم القيامة؛ فإن قُبلت قُبل سائر العمل، وإن رُدَّت رُدَّ.

 وهي علامة مميزة للمؤمنين المتقين، كما قال تعالى:{وَيُقِيمُونَ الصّلاةَ}البقرة:3.

ومن حفظها حفظ دينه، ومن ضيّعها فهو لما سواها أضيع. وأن قدر الإسلام في قلب الإنسان كقدر الصلاة في قلبه، وحظه في الإسلام على قدر حظه من الصلاة. وهي علامة محبة العبد لربه وتقديره لنعمه.

وأن الله – عز وجل – أمر بالمحافظة عليها في السفر والحضر والسلم والحرب، وفي حال الصحة، والمرض.

فتارك الصلاة إذا مات على ذلك فهو كافر لا يُغَسّل، ولا يُكَفّن، ولا يُصلى عليه، ولا يُدفَن في مقابر المسلمين، ولا يرثه أقاربه، بل يذهب ماله لبيت مال المسلمين، إلى غير ذلك من الأحكام المترتبة على ترك الصلاة.

نفعني الله وإياكم بالقرآن العظيم، وبهدي محمدٍ – صلى الله عليه وسلم -.

أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.

 

الخطبة الثانية:

الحمد لله على عظيم مننه، وصلى الله على سيدنا محمد عبده وخاتم أنبيائه ورسله، وسلم تسليماً كثيراً، وأبرأ إليه تعالى من الحول والقوة، وأستعينه على كل ما يعصم في الدنيا من جميع المخاوف والمكاره، ويخلص في الأخرى من كل هول وضيق.

أما بعد:

ألا ومما يعين على أداء الصلاة مع المسلمين أسباب منها:

الاستعانة بالله – عز وجل – والعزيمة الصادقة الجازمة. واستحضار ثمرات الصلاة الدينية والدنيوية. واستحضار عقوبة ترك الصلاة، والأخذ بالأسباب، كاستعمال المنبه، أو أن يوصي الإنسان أهله بأن يحرصوا على إيقاظه وحثه، أو أن يوصي زملائه بأن يتعاهدوه بذلك. وترك الانهماك في فضول الدنيا.

وألا يتعب الإنسان نفسه أكثر من اللازم. وتجنب الذنوب، فإنها تثقل عليه الطاعات. و مصاحبة الأخيار وتجنب الأشرار. وترك الإكثار من الأكل والشرب؛ فهما مما يثقل عن الطاعة. وأن يدرك الآثار المتربة على ترك الصلاة من تكدر النفس وانقباضاها، وضيق الصدر وتعسر الأمور وغير ذلك.

عباد الله: وبعد هذا كله. هل يليق أيها العاقل أن تتهاون بالصلاة مع جماعة المسلمين؟! أو أن تؤثر الكسل والنوم على طاعة رب العالمين؟! أو تزهد فيما أعدُّه اللّه للمحافظين عليها من أنواع الكرامات؟! أم تأمن على نفسك مما أعده الله لمن يتهاونون بها من أليم العقوبات؟ وأن يدرك ثمرات الصلاة والمحافظة عليها فللصلاة والمحافظة عليها ثمرات عظيمة، وفوائد جليلة، وعوائد جمّة، في الدين والدنيا، والآخرة والأولى، فمن ذلك ما يلي: أن المحافظة عليها سبب لقبول سائر الأعمال. وأن المحافظة عليها سلامة من الاتصاف بصفات المنافقين. وأن في المحافظة عليها سلامة من الحشر مع فرعون وقارون وهامان وأُبي بن خلف. وأن الصلاة قرة للعين. ومن ثمراتها تفريح القلب، مبيضة للوجه. والانزجار عن الفحشاء والمنكر، وهي دافعة لأدواء القلوب من الشهوات والشبهات.  والتعارف بين المسلمين. وتشجيع المتخلف. وتعليم الجاهل. وإغاظة أهل النفاق. وحصول المودة بين المسلمين؛ فالقرب في الأبدان مدعاة للقرب في القلوب. وإظهار شعائر الإسلام والدعوة إليه بالقول والعمل. وللصلاة تأثير عجيب في دفع شرور الدنيا والآخرة، لا سيما إذا أُعطيت حقها من التكميل ظاهراً وباطناً، فما استُدفعت شرور الدنيا والآخرة بمثل الصلاة، ولا استُجلبت مصالح الدنيا والآخرة بمثل الصلاة؛ لأنها صلة بين العبد وربه، وعلى قدر صلة العبد بربه تنفتح له الخيرات، وتنقطع – أو تقل – عنه الشرور والآفات، وما ابتلي رجلان بعاهة أو مصيبة أو مرض واحد إلا كان حظ المصلي منها أقل وعاقبته أسلم. والصلاة سبب لاستسهال الصعاب، وتحمل المشاق؛ فحينما تتأزم الأمور وتضيق؛ وتبلغ القلوب الحناجر – يجد الصادقون قيمة الصلاة الخاشعة؛ وحسن تأثيرها وبركة نتائجها. وهي سبب لتكفير السيئات، ورفع الدرجات، وزيادة الحسنات، والقرب من رب الأرض والسموات. وهي سبب لحسن الخلق، وطلاقة الوجه، وطيب النفس. وهي سبب لعلو الهمة، وسمو النفس وترفعها عن الدنايا. وهي المدد الروحي الذي لا ينقطع، والزاد المعنوي الذي لا ينضب. والصلاة أعظم غذاء وسقي لشجرة الإيمان، فالصلاة تثبت الإيمان وتنميه. والمحافظة عليها تقوي رغبة الإنسان في فعل الخيرات، وتُسهّل عليه فعل الطاعات، وتذهب – أو تضعف – دواعي الشر والمعاصي في نفسه، وهذا أمر مشاهد محسوس؛ فإنك لا تجد محافظاً على الصلاة – فروضها ونوافلها – إلا وجدت تأثير ذلك في بقية أعماله. ومن فوائدها: الثبات على الفتن؛ فالمحافظون عليها أثبت الناس عند الفتن.

فاتقوا الله رحمكم الله، واستقيموا إلى ربكم واستغفروه، وصلوا وسلموا على معلم الناس الخير سيدنا ونبينا محمد كما أمركم الله – جل وعلا – بذلك فقال سبحانه:{إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا}(56 – الأحزاب) اللهم صل وسلم وزد وبارك على عبدك ونبيك محمد وعلى آله وصحبه والتابعين، وارض اللهم عن خلفائه الراشدين والصحابة والتابعين، وعنا معهم برحمتك وفضلك ومنك يا أكرم الأكرمين.

اللهم يا عزيز يا حكيم أعز الإسلام والمسلمين وانصر إخواننا المجاهدين وارفع البأس والظلم والجوع عن إخواننا المستضعفين، اللهم آمنا في أوطاننا، واجعلنا هداة مهتدين غير ضالين ولا مضلين، سلماً لأوليائك حرباً على أعدائك.

اللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك، وأغننا برحمتك يا حي يا قيوم، واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين، واجعلنا من أهل جنة النعيم برحمتك يا أرحم الراحمين. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.


1 – رواه البخاري ومسلم وأهل السنن والمسانيد والصحاح.

2 – رواه أحمد وابن ماجه والنسائي وغيرهم، وهو حديث صحيح، انظر السلسلة الصحيحة للألباني (868).

3 – رواه مسلم في كتاب الإيمان عن جابر بن عبد الله، عن النبي.

4 – رواه أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه.

5 – صحيح مسلم – (ج 9 / ص 400 – 3445)

6 – صحيح مسلم – (ج 9 / ص 403 – 3447)

 http://www.armageddon.host.sk/armag30.html 7