عذاب القبر

عـذاب الـقبر

عـذاب الـقبر

 

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد:

فقد صح عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه مر بقبرين، فقال: (إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير أما أحدهما: فكان لا يستتر من البول، وأما الآخر: فكان يمشي بالنميمة). رواه البخاري ومسلم.

فدل هذا الحديث على إثبات عذاب القبر لمن عصى الله وتكبر، ولمن خالف أمره وتجبر.

أخي: اتق الله واحذر المقام بين يديه. وتأهب للرحيل من هذه القصور إلى دار القبور. فإذا خرجت الروح من البدن، وعاينت الملائكة ورأت كل شيء فإنها تعاين عالماً آخر، غير ما عرفته في حياتها الدنيا، وفي تلك الحال يذهل الميت! عن الوالد والولد و القريب والبعيد، ويبشر بنعيم أبدي أو عذاب سرمدي شديد، ثم ينقل إلى حفرة مظلمة تحت الصعيد، فهناك إما شقي وإما سعيد.

إن الكافر والمنافق عندما يوضع في قبره، وتأتيه الملائكة فإن عقله يذهل، ولسانه يخرس عن المقال، وفرائصه ترتعد كأنها عصفور من البِلال، فإذا سألاه عن ربه ودينه ونبيه قال: هاه هاه لا أدري، أقول ما يقول الناس! فيضربانه بمطراق من حديد النار، يغوص في الأرض سبعين ذراعاً ثم يضغطه القبر ضغطة تزول منها حمائله، وتظهر آنذاك مغبة فعائله.

أخوانى: إن للقبر ضغطة لا ينجو منها أحد، ولو نجا منها لنجا سعد بن معاذ، الذي فتحت لموته السماء، واهتز له عرش الرحمن، كما أخبر الصادق المصدوق- صلى الله عليه وسلم-.

أخي!: أما سمعت إلى هذا الخبر ! لا يأتي يوم على القبر إلا وهو يقول: أنا بيت الغربة، أنا بيت الوحدة، أنا بيت التراب، أنا بيت الدود، أنا بيت الضيق إلا من وسعني الله عليه.

أخي ! هل سمعت فوعيت فعقلت، أم أنك في الغفلات سائر، وفي اليقين بالله خائر، يا من أحاطت به الخطوب والدوائر، هل أنت لمنزل القبر ذاكر، ولهوله وشدته من ذوي الأعمال والبصائر. أم أنك لا تلقى لسماع الحق والوعظ بالاً، فتهلك مع من هلك، ولا تنجو مع من سلك..

يا غافلاً وله في الدهر موعظة          إن كنت في سنة فالدهر يقظان.

أما سمعت لقول المصطفى -صلى الله عليه وسلم- في الرجل الفاجر أو المنافق الخاسر حيث قال: (فتعاد روحه في جسده ويأتيه – أي في القبر – ملكان فيجلسانه ويقولان له من ربك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟ فيقول: هاه هاه لا  أدري، فينادي منادٍ من السماء: أن كذب عبدي فافرشوه من النار، وافتحوا له باباً إلى النار، فيأتيه من حرها وسمومها، ويضيق عليه في قبره حتى تختلف أضلاعه، ويأتيه رجل قبيح الوجه، قبيح الثياب، منتن الريح فيقول: أبشر بالذي يسوؤك!! هذا يومك الذي كنت توعد، فيقول: من أنت؟ فيقول: أنا عملك الخبيث، ويقال له: أبشر بهوان من الله وعذاب مقيم، كنت بطيئاً عن طاعة الله، سريعاً في معصيته!!!)1

أخي: إن عذاب القبر حق، ووعد صدق، وإنه إما روضة من رياض الجنة، أو حفرة من حفر النار، فلمن هذه الحفرة يا ترى! فتأهب أخي، وخذ حذرك من الذنوب والمعاصي التي هي سبب للعذاب، وحرمان الثواب.

أخي: إن من أعظم الأٍسباب التي تهلكك وتوبقك، وتكون سبباً في عذابك في القبر: الشرك بالله، وهو دعوة غيره معه، والكفر بآيات الله، والتهاون بالصلاة، ومنع الزكاة، والسعي في النميمة، والتحريش بين الناس، وإطلاق العنان للسان من الغيبة والكذب والسب، وعدم التحرز من البول، كما سبق أن عرفت فيه القول. وكذا الرياء بالأعمال، وأكل الربا في المعاملات المحرمة، وقذف المحصنات المؤمنات، وشرب المسكرات، كالحبوب والدخان، وإسبال الثياب، والغش في المعاملات، واستماع آلات اللهو الذي يبعدك عن كل رشد وصلاح، ويقربك من كل شيطان قد رقص وصاح..

 ينبغي للعاقل أن يكثر من ذكر القبر قبل أن يدخله، فإذا أتى يوم دخوله فلطالما قد استعد له، فيخف حينئذ خوف المطلع، والله المستعان.

قال سفيان الثوري -رحمه الله-: من أكثر من ذكر القبر وجده روضة من رياض الجنة، ومن غفل عنه وجده حفرة من حفر النيران.

وقال علي بن أبي طالب- رضي الله عنه- في خطبته: يا عباد الله: الموت الموت، فليس منه فوت، إن أقمتم له أخذكم، وإن فررتم منه أدرككم، الموت معقود بنواصيكم، فالنجاة النجاة، الوحا الوحا، فإن وراءكم طالباً حثيثاً، وهو القبر، ألا وإن القبر روضة من رياض الجنة، أو حفرة من حفر النيران، ألا وإنه يتكلم في كل يوم ثلاث مرات، فيقول: أنا بيت الظلمة، أنا بيت الوحشة، أنا بيت الديدان…. الخ ما قال- رضي الله عنه-.

وروى الترمذي عن عثمان بن عفان -رضي الله عنه- أنه وقف على قبر فبكى، فقيل له: إنك تذكر الجنة والنار ولا تبكي، وتبكي من هذا؟! فقال: إن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قال: ( القبر أول منزل من منازل الآخرة، فإن نجا منه فما بعده أيسر، وإن لم ينجُ منه فما بعده أشد منه)2. يا الله لطفك ورحمتك! .

قصة في عذاب القبر وسببه:ذكر الفقيه نصر بن محمد السمرقندي في كتابه: ((تنبيه الغافلين)): عن عبد الحميد بن محمود المغولي، قال: كنت جالساً عند ابن عباس- رضي الله عنهما- فأتاه قوم فقالوا: خرجنا حجاجاً، ومعنا صاحب لنا، فمات في الطريق، فلما أردنا أن نقبره إذا نحن بأسود قد ملأ اللحد – يعني حية سوداء-  فتركناه فحفرنا له في مكان آخر، فإذا نحن بذلك الأسود، فتركناه فحفرنا له ثالثاً: فإذا نحن بذلك الأسود، فقال ابن عباس- رضي الله عنهما-: ذلك الفعل الذي كان يفعله، انطلقوا فادفنوه في بعضها، فو الله لو حفرتم الأرض كلها لوجدتموه فيها!! فأخبروا قومه. فانطلقوا فدفنوه في بعض تلك القبور، ثم لما رجعوا سألوا أهله: ما كان له من عمل؟!. فذكرت زوجته أنه كان يبيع الحنطة، وكان يأخذ كل يوم قدر قوته، ثم يعرض لقصب مثله ومن عيدان الطعام فيلقيه فيه. فكان في هذا الخبر دليل على أن الخيانة والغش سبب لعذاب القبر – أجارنا الله منه -.

وقد كان رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يعوذ بالله من عذاب القبر:( اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن فتنة المسيح الدجال ) رواه مسلم وغيره، فاللهم ارحمنا في الدنيا والآخرة، وأعذنا من كل فتنة وعذاب يا أرحم الراحمين.


[1]– رواه البخاري ومسلم وغيرهما بألفاظ مختلفة.

[2]– رواه ابن ماجه وغيره وصححه الألباني.