Share |

دروس / السيرة

بعث خالد بن الوليد إلى نجران

 

الحمد لله الذي كان بعباده خبيراً بصيراً، وتبارك الذي جعل في السماء بروجاً وجعل فيها سراجاً وقمراً منيراً، والصلاة والسلام على من بعثه الله هادياً ومبشراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.. أما بعد:

فإن النبي -صلى الله عليه وسلم- قد بعث خالد الوليد -رضي الله عنه- إلى نجران لدعوتهم إلى الإسلام، فمكث فيهم أياماً يدعوهم إلى الإسلام فاستجابوا لدعوته ودخلوا في دين الله تعالى.

روى ابن إسحاق عن عبد الله بن أبي بكر، قال: بعث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- خالد بن الوليد في ربيع الآخر -أو في جمادى الأولى- في سنة عشر إلى بني الحارث بن كعب بنجران، وأمره أن يدعوهم إلى الإسلام قبل أن يقاتلهم ثلاثاً، فإن استجابوا لك فاقبل منهم، وعلمهم كتاب الله وسنة رسوله، ومعالم الإسلام، فإن لم يقبلوا فقاتلهم.

فخرج خالد حتى قدم عليهم، فبعث الركبان يضربون في كل وجه، ويدعون الناس إلى الإسلام، ويقولون: يا أيها الناس أسلموا تسلموا. فأسلم الناس ودخلوا فيما دعاهم إليه، وأقام خالد فيهم وعلمهم الإسلام وكتاب الله وسنة رسوله.

خالد بن الوليد يكتب إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- بإسلامهم:

ثم كتب خالد إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "بسم الله الرحمن الرحيم، لمحمد النبي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من خالد بن الوليد، السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته، فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، أما بعد: يا رسول الله إنك بعثتني إلى بني الحارث بن كعب، وأمرتني إذا أتيتهم أن لا أقاتلهم ثلاثة أيام، وأن أدعوهم إلى الإسلام ثلاثة أيام، فإن أسلموا قبلت منهم، وإني قدمت عليهم ودعوتهم إلى الإسلام ثلاثة أيام، وبثثت فيهم ركباناً: يا بني الحارث، أسلموا فتسلموا، فأسلموا، وأنا مقيم أعلمهم معالم الإسلام.

النبي -صلى الله عليه وسلم- يكتب إلى خالد بن الوليد:

فكتب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بعد البسملة: "إلى خالد بن الوليد السلام عليك، فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، أما بعد، فإن كتابك جاءني مع رسولك يخبر أن بني الحارث قد أسلموا قبل أن تقاتلهم، فبشرهم وأنذرهم، واقبل منهم، وليقبل معك وفدهم، والسلام عليك ورحمة الله وبركاته".

فأقبل خالد بن الوليد إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وأقبل معه وفد بني الحارث بن كعب وفيهم: قيس بن الحصين، فسلموا عليه وقالوا: نشهد أنك رسول الله، وأن لا إله إلا الله، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: " وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله"، وأمر عليهم قيساً، فلم يمكثوا إلى قومهم إلا أربعة أشهر حتى توفي رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.

وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث إلى بني الحارث بن كعب بعد أن ولى وفدهم عمرو بن حرام الأنصاري يفقههم ويعلمهم السنة ومعالم الإسلام، ويأخذ منهم صدقاتهم.

قال الواقدي: فتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وعمرو بن حرام عامله على نجران.1

 

قال ابن القيم:

وأما قول ابن إسحاق: إن النبي -صلى الله عليه وسلم- بعث علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- إلى أهل نجران ليجمع صدقاتهم ويقدم عليه بجزيتهم، فقد يظن أنه كلام متناقض؛ لأن الصدقة والجزية لا تجتمعان، وأشكل منه ما يذكره هو وغيره أن النبي -صلى الله عليه وسلم- بعث خالد بن الوليد في شهر ربيع الآخر أو جمادى الأولى سنة عشر إلى بني الحارث بن كعب بنجران، وأمره أن يدعوهم إلى الإسلام قبل أن يقاتلهم، فخرج خالد حتى قدم عليهم فبعث الركاب يضربون في كل وجه ويدعون إلى الإسلام، فأسلم الناس ودخلوا فيما دعوا إليه، فأقام فيهم خالد يعلمهم الإسلام وكتب بذلك إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فكتب إليه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن يقبل ويقبل إليه بوفدهم، وقد تقدم أنهم وفدوا على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فصالحهم على ألفي حلة، وكتب لهم كتاب أمن، وأن لا يغيروا عن دينهم ولا يحشروا ولا يعشروا. وجواب هذا: أن أهل نجران كانوا صنفين: نصارى، وأميين، فصالح النصارى على ما تقدم، وأما الأميون منهم فبعث إليهم خالد بن الوليد فأسلموا، وقدم وفدهم على النبي -صلى الله عليه وسلم- وهم الذي قال لهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "بم كنتم تغلبون من قاتلكم في الجاهلية؟" قالوا: كنا نجتمع ولا نتفرق، ولا نبدأ أحداً بظلم. قال: "صدقتم" وأمر عليهم قيس بن الحصين. وهؤلاء هم بنو الحارث بن كعب. فقوله: بعث علياً إلى أهل نجران ليأتيه بصدقاتهم أو جزيتهم أراد به الطائفتين من أهل نجران، صدقات من أسلم منهم، وجزية النصارى.2

فوائد من هذه القصة:

1-     كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حريصاً على الجبهة الجنوبية للدولة، وأن تدخل قبائل اليمن في الإسلام, وظهر هذا الاهتمام في النتائج الباهرة التي حققتها الدعوة في كثرة عدد الوفود التي كانت تنساب من كل أطراف اليمن متجهة إلى المدينة؛ مما يدل على أن نشاط المبعوثين إلى اليمن كان متصلاً وبعيد المدى، وكانت سرايا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- تساند هذا النشاط الدعوي السلمي، حيث بعث خالد بن الوليد ثم علي بن أبي طالب -رضي الله عنهما- في هذا السياق.3

2-     رحمة الله تعالى بالناس، فإنه تعالى يريد لهم الخير والصلاح والبر، فدعوة القائد المسلم الناس إلى الإسلام قبل قتالهم وترك فرصة لهم في ذلك الاختيار، هذا يدل على أنه يريد لهم الهداية والجنة، وإنما خلقت النار للكافرين والمجرمين.

3-     أدب الصحابة الرفيع مع النبي -صلى الله عليه وسلم-، حيث نجد ذلك واضحاً في رسالة خالد بن الوليد -رضي الله عنه- إلى النبي -صلى الله عليه وسلم-، فإنه تأدب معه غاية الأدب في الابتداء بذكر النبي -صلى الله عليه وسلم- قبل ذكر اسمه، وكذا تلك العبارات التي تدل على الذلة للمؤمنين وأعلاهم قدراً نبينا محمد -صلى الله عليه وسلم-.

4-     أن الناس إذا عرض عليهم الإسلام بسماحته ويسره دخلوه أفواجاً، فينبغي على الدعاة إلى الله تعالى الرفق بالناس في الخطاب والتعامل والسلوك، وألا يظهروا الإسلام بصورة مشوهة على سلوكهم ومخالفة قولهم لأفعالهم، والله المستعان.

5-     أن الله تعالى ينصر العادل ولو كان كافراً ويخذل الظالم ولو كان مسلماً، فالظلم مخالف للنظام الكبير الذي بني عليه هذا الكون وهو العدل والحق، فالظلم أقبح القبائح وأقبحه الشرك بالله تعالى ثم ظلم الناس، وقد عبر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله عن هذا بقوله: "إن الله لينصر الدولة العادلة ولو كانت كافرة، ويخذل الدولة الظالمة ولو كانت مسلمة"، وأنت ترى هذا من خلال قول وفد نجران للنبي -صلى الله عليه وسلم- عندما سألهم: "بم كنتم تغلبون من قاتلكم في الجاهلية؟" قالوا: كنا نجتمع ولا نتفرق، ولا نبدأ أحداً بظلم. قال: "صدقتم". فهم لم يبدؤوا أحداً بظلم، ولكن من قاتلهم دافعوا عن أنفسهم واجتمعوا على الظالم.

ولما كثر الظلم والجور والمعاصي في أمة الإسلام اليوم على مستوى الأفراد والمجتمعات عاقب الله هذه الأمة بالضعف وتكالب الأعداء عليها من كل مكان، ولن يدوم لها حال ولا شأن حتى تراجع دينها، وأعظم ما في ديننا الحنيف العدل الذي قامت به السماوات والأرض، وهو الذي ضعف أثره بين الناس، فكثر ظلم الجماعات بعضها لبعض والدول تظلم بعضها بعضاً، والأشخاص لا تكاد تجد من ينصف الناس من نفسه ويعيد لهم حقوقهم دونما خلافات أو محاكمات إلا القليل الذين وفقهم الله لمعرفة الحق وعاقبة مخالفته.

نسأل الله بمنه وكرمه أن يصلح حال المسلمين.. إنه خير مسؤول ومرجو ومأمول.

اللهم ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار..

 


 

1 المنتظم في تاريخ الملوك والأمم، لابن الجوزي، (1/409).

2 زاد المعاد، لابن القيم (ج 3 / ص 557).

3 السيرة النبوية عرض وقائع وتحليل أحداث، للصلابي، (2/658).

©جميع الحقوق محفوظة لموقع إمام المسجد 2004
ويحق لمن شاء أخذ ما يريد من مواد هذا الموقع بشرطين : الأول : عزو ما يأخذ إلى موقع إمام المسجد www.alimam.ws ، الثاني : الأمانة في النقل وعدم التغيير في النص المنقول ولا حذف شيء منه ، والله الموفق .
0.01908