تأخير العارية

 

تأخير العارية

 

الحمد لله الواحد القهار، العزيز الغفار، مصرِّف الأمور ومقدِّر الأقدار، مكوِّر الليل على النهار، تبصرة لأُولي القلوب والأبصار، وأشهد أن محمداً عبدُه ورسوله وصفيُّه وحبيبه وخليله، أفضلُ المخلوقين، وأكرمُ السابقين واللاحقين، صلواتُ اللّه وسلامه عليه وعلى سائر النبيين، وآل كلٍّ وسائر الصالحين..أما بعد:

فإن الإسلام قد حث على الإعارة والتعاون بين المسلمين، وجعلها من المعروف والصدقة التي يؤجر عليها الإنسان وقد قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (كل معروف صدقة)1.

والعارية في اللغة: مأخوذة من عار إذا ذهب وجاء.

 

وهي في الشرع: “إباحة الانتفاع بعين من أعيان المال، مع بقاء عينه. وقولهم مع بقاء عينه: كالقدر والفأس والإبرة والمنخل، ونحو ذلك، بخلاف ما يكون إتلافه في استعماله، كالشمع للإضاءة، والزيت للدهن، والكحل للاكتحال، ونحو ذلك، مما تنفذ عينه باستعماله، فلا يكون عارية، ولكن يكون قرضاً، والقرض يكون معاوضته بمثله”2.

“أما حكم العارية: فقيل: جائز. وقيل: بل واجب. وقيل: مستحب. وحكى ابن قدامة الإجماع على استحبابها، ودليل من قال بالوجوب بنص الآية: {وَيَمْنَعُونَ المَاعُونَ} (الماعون: 7)، ولحديث أبي هريرة -رضي الله عنه- في حق الإبل لما ذكره الزكاة: (وإن حقها إعارة دلوها، وإطراق فحلها، ومنحه لبنها، يوم ورودها)3.

 

وأقل ما يقال فيها ما جاء في قوله تعالى: {وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الِبرِ والتَقْوى}(المائدة:2)..

وقد ذم الله الذين يمنعون الماعون كما في قوله تعالى: {الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ * وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ}(6-7) سورة الماعون. “قال مجاهد: “الماعون: العارية. وقال عكرمة: أعلاها الزكاة المعروفة، وأدناها عارية المتاع.

 

إلا أن من الناس من لا يبالي فيستعير كتاباً أو ثوباً أو سلاحاً أو متاعاً، ثم يؤخر رده لصاحبه أو ينساه عنده مدة طويلة، أو يرده وقد أتلفه وأفسده على صاحبه، وهذا والله من قلة الورع والدين، وإلا فالأصل إرجاع العارية كما هي دون تأخير، ودون إتلافٍ لها، وهل جزاء الإحسان إلا الإحسان، وهذا الإهمال يؤدي إلى إحجام الناس عن الإعارة، لعلمهم أن كثيراً من المستعيرين لا يؤدون العارية إلى صاحبها، ولهذا فمن كان معروفاً بالتساهل في أغراض الناس ومتاعهم المعار فلا ينبغي إعارته، ولا يدخل صاحبه في الذم المذكور في الآية الكريمة من سورة الماعون. وهذا الفعل الجميل الذي هو مساعدة الناس بأدوات مسترجعة هو نوع من التعاون الذي أمر الله به في قوله -عز وجل-: {إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا}(58) سورة النساء.

 

والنبي -صلى الله عليه وسلم- يقول: (العارية مؤداة، والمنحة مردودة، والدين مقضي والزعيم غارم)4. ومما قيل في ذلك:

 

إذا استعرت كتابي وانتفعت به         فاحذر وقيت الردى من أن تغيره

ورده سـالماً إنـي شغفت به        لولا مخافة كتـم العلـم لم تره

فلتحرص أخي المسلم على الحفاظ على العارية، وردها كما هي، دون تأخير، فإن هذا من أخلاق المؤمنين، نسأل الله تعالى أن يجعلنا من المحافظين على الأمانات. 

وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.


 


1 – أخرجه البخاري (5562) ومسلم (1673).

2 – أضواء البيان (ج 9 / ص 310).

3 – أخرجه مسلم (ج 5 / ص 143) بلفظ: (وما حقها؟ قال: إطراق فحلها، وإعارة دلوها، ومنيحتها، وحلبها على الماء، وحمل عليها في سبيل الله).

4 – أخرجه أبو داود (3094) والترمذي (2046) وابن ماجه (2389)  وأحمد (21263)  وصححه الألباني في صحيح ابن ماجة (2398).