مطل الغني

 

مطل الغني

 

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه..أما بعد:

فإن قضاء الدين من الواجبات المتحتمة على المؤمن، لأنه مرهون بدينه، فعن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: (نفس المؤمن معلقة بدينه حتى يقضى عنه)1. والله -عز وجل- يغفر برحمته للعبد كل شيء إلا الدين، كما جاء في الحديث الصحيح عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: (يغفر للشهيد كل ذنب إلا الدين)2. والنبي -صلى الله عليه وسلم- أمرنا بحسن القضاء، بل خير الناس هم الذين يحسنون القضاء، كما قال عليه الصلاة والسلام: (خيركم أحسنكم قضاء)3، ومن حُسن القضاء أن يعجل الإنسان بقضاء دينه، ولا يماطل إذا كان قادراً، ولو كان صاحب الدين غنياً. لأن مطل الغني ظلم، كماء جاء في حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: (مطل الغني ظلم، فإذا أتبع أحدكم على مليء فليتبع)4.

 

والمطل: مدافعتك الدين، يقال: ماطلني بحقي، ومطلني بحقي، وهو مطول ومطال. والمراد: تأخير أداء الدين من وقت إلى وقت. فهذا من الظلم. فإذا كان مطل الغني ظلم فمطل الفقير المحتاج إلى ماله أشد ظلماً. وكثير من الناس -إلا من رحم الله- يستدين، ويكثر من الدين، لضرورة ولغير ضرورة، ثم لا يبالي بالدين، ولا يهتم بقضائه، وإذا قضاه قضاه بعد مماطلة وتأخير وإتعاب لصاحب الدين، وهذا من ضعف الإيمان، وقلة المروءة.

 

وبعض الناس يظن إنه إذا كان صاحب الدين غنياً غير محتاج فإنه يحق له أن يماطله، ويؤخره ويتعبه، وهذا لا يجوز، ولو كان صاحب الدين غنياً، بل هذا العمل من الظلم، كما جاء في نص الحديث السابق، بل هو من الكبائر. "قال في التحفة: ويؤخذ منه أن المطل كبيرة، لأنه جعله ظلماً، فهو كالغصب، فيفسق بمرة منه"5. وقال الهيتمي في الزواجر عن اقتراف الكبائر: "الكبيرة السابعة بعد المائتين: مطل الغني بعد مطالبته من غير عذر"6. والمماطل فاسق ترد شهادته، قال في الشرح الكبير: "وفي الحديث (مطل الغنى ظلم) … أي أن المطل من موانع الشهادة"7. وقال في مواهب الجليل:"وإذا مطل الغني ردت شهادته عند سحنون؛ لأنه ظالم"8. فينبغي للمسلم أن يحذر المطل خاصة مع اليسر لأن من حسن القضاء المبادرة به والبخاري قد بوب (باب حسن القضاء) أي استحباب حسن أداء الدين، وذكر حديث حذيفة -رضي الله عنه- قال: سمعت النبي -صلى الله عليه وسلم- يقول: (مات رجل فقيل له، قال: كنت أبايع الناس فأتجوز عن الموسر، وأخفف عن المعسر فغفر له)9. "ففي هذا الحديث ترغيب عظيم في حسن التقاضي، وأن ذلك مما يدخل الله به الجنة، وهذا المعنى نظير قوله: (خيركم أحسنكم قضاء)10. فجاء الترغيب في كلا الوجهين في حسن التقاضي لرب الدين، وفي حسن القضاء للذي عليه الدين، كل قد رغب في الأخذ بأرفع الأحوال، وترك المشاحة في القضاء والاقتضاء، واستعمال مكارم الأخلاق"11.

 

أخي: "إذا كان لأحد عندك دين وقضيته فأحسن القضاء، وزده في الكيل والوزن، وأرجح، تكن بذلك من خيار العباد، وهو الكرم الخفي اللاحق بصدقة السر، فإن المعطي له لا يشعر بأنه صدقة سر في علانية، ويورث ذلك هبة، ووداً في نفس المقضي له، وتخفي نعمتك عليه في ذلك ففي حسن القضاء فوائد جمة"12.

 

فالواجب المبادرة بقضاء الدين، ولو قبل أن يطلبه صاحبه، لأن هذا من المروءة والدين، ولأن فيه إبراءً للذمة قبل فوات الأوان، وقد جاء في حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (من كانت له مظلمة لأخيه من عرضه أو شيء فليتحلله منه اليوم قبل أن لا يكون دينار ولا درهم، إن كان له عمل صالح أخذ منه بقدر مظلمته، وإن لم تكن له حسنات أخذ من سيئات صاحبه فحمل عليه)13.

نسأل الله العون على الحق والسداد وأن يجنبنا الباطل وأهله إنه ولي ذلك والقادر عليه.

هذا وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.


 


1 –  أخرجه الترمذي (ج 4 / ص 250 – 998) وابن ماجه(ج 7 / ص 251 – 2404) وأحمد (ج 19 / ص 345- 9302) بلفظ: (نفس المؤمن معلقة ما كان عليه دين) وصححه الألباني في صحيح الجامع حديث رقم:6779.

2 – أخرجه مسلم (ج 9 / ص 469)

3 – أخرجه البخاري (ج 8 / ص 95- 2141) ومسلم (ج 8 / ص 299 – 3003)

4 – أخرجه البخاري (ج 8 / ص 66- 2125) ومسلم (ج 8 / ص 205 – 2924)

5 – إعانة الطالبين – (ج 3 / ص 89)

6 – الزواجر عن اقتراف الكبائر – (ج 2 / ص 157)

7 – الشرح الكبير للشيخ الدردير – (ج 4 / ص 181)

8 – مواهب الجليل في شرح مختصر الشيخ خليل – (ج 17 / ص 264)

9 – أخرجه البخاري (ج 8 / ص 222) هكذا: (فقيل له، قال)! قال ابن حجر: "فِيهِ حَذْف تَقْدِيره: فَقِيلَ لَهُ مَا كُنْت تَصْنَعُ".. لكن البيهقي أخرجه في السنن الكبرى بلفظ: (فقيل له: ما عملت؟) وهو الأصح معنى وسياقاً، وكأنه حصل سقط في الحديث عند البخاري من الناسخ أو غيره. والله أعلم.

10 – أخرجه البخاري (ج 8 / ص 95- 2141) ومسلم (ج 8 / ص 299 – 3003)

11 – شرح ابن بطال – (ج 12 / ص 34)

12 – فيض القدير – (ج 3 / ص 640)

13 رواه البخاري (2269).