وجاءت ليلة القدر

وجاءت ليلة القدر

الحمد لله رب العالمين، ولاعدوان إلا على الظالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لاشريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده، حتى أتاه اليقين من ربه، فصلوات ربي وسلامه عليه، تركنا على مثل البيضاء ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك، ولا يتبعها إلا كل منيب سالك، أما بعد:

فإليكم الحديث عن ليلة عظيمة؛ أشاد بفضلها القرآن، وأخبر عنها المعصوم، وتواترت في فضلها النصوص، وتسابق إليها الصحابة الكرام، والأئمة الأعلام، فصنفت في فضلها المصنفات، ودونت في شرفها المدونات، وكتبت في أحكامها المجلدات، وما ذاك إلا لعظمها، وعظم قدرها، وعلو منزلتها، ورفعة شأنها، كيف لا وهي خير من ألف شهر، وكيف لا وفيها تتنزل الملائكة والرحمات، وتغفر الذنوب وتمحى السيئات، وترتفع الدرجات، ويجود بالفضل والمغفرة على العباد رب البريات، ولعل الحديث سيتدرج معنا عنها على النحو التالي:

أولاً: لماذا كانت خير من ألف شهر؟

لما قصرت أعمار هذه الأمة عن أعمار الأمم السابقة؛ حيث أصبحت أعمارنا تتراوح بين الستين والسبعين، وقليل من يتجاوز ذلك كما أخبر الصادق المصدوق؛ عوضهم ربهم بأمور أخر كثيرة منها منحهم هذه الليلة، وهي ليلة القدر التي هي خير من ألف شهر، أي أن قيامها والعمل فيها خير من العمل في ألف شهر من غيرها، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم.1

ثانياً: ما المراد بالقدر؟

سميت ليلة القدر بذلك لعدة معان هي:

1.   لشرفها وعظيم قدرها عند الله.

2. وقيل لأنه يقدر فيها ما يكون في تلك السنة لقوله – تعالى -: {فيها يفرق كل أمر حكيم}2.

3.   وقيل لأنه ينزل فيها ملائكة ذوو قدر.

4.  وقيل لأنها نزل فيها كتاب ذو قدر، بواسطة ملك ذي قدر، على رسول ذي قدر، وأمة ذات قدر.

5.  وقيل لأن للطاعات فيها قدراً عظيماً.

6.  وقيل لأن من أقامها وأحياها صار ذا قدر.

والراجح: أنها سميت بذلك لجميع هذه المعاني مجتمعة وغيرها، والله أعلم.

ثالثاً: ما الذي ورد في فضلها؟

يدل على فضل هذه الليلة العظيمة، وعظيم قدرها، وجليل مكانتها عند الله ورسوله ما يأتي:

من القرآن:

1. نزول سورة كاملة فيها هي سورة القدر، وبيان أن الأعمال فيها خير من الأعمال في ألف شهر مما سواها.

2. قوله تعالى: {فيها يفرق كل أمر حكيم * أمراً من عندنا إنا كنا مرسلين}3 حيث يقدر فيها كل ما هو كائن في السنة، وهو تقدير ثان، إذ أن الله قدر كل شيء قبل أن يخلق الخلائق بخمسين ألف سنة.

من السنة القولية والعملية:

1-              ((من قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه))4.

2-      أنه – صلى الله عليه وسلم – كان يعتكف ويجتهد في الليالي المرجوة فيها ما لا يجتهد في غيرها من ليالي رمضان ولا غيره، حيث كان – صلى الله عليه وسلم – كما صح عن عائشة – رضي الله عنها -: "إذا دخل العشر شد مئزره، وأحيا ليله، وأيقظ أهله".

رابعاً: في أي الليالي تلتمس ليلة القدر؟

تلتمس ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان خاصة في الوتر منها، سيما ليلتي إحدى وعشرين وسبع وعشرين، وأرجحها ليلة سبع وعشرين.

فعن عمر – رضي الله عنهما – أن رجالاً من أصحاب النبي – صلى الله عليه وسلم – أروا ليلة القدر في المنام في السبع الأواخر فقال رسول الله – صلى الله عليه وسلم-: ((أرى رؤياكم قد تواطأت في السبع الأواخر، فمن كان متحريها فليتحرها في السبع الأواخر))5، وعند مسلم: ((التمسوها في العشر الأواخر، فإن ضعف أحدكم أو عجز فلا يغلبن على السبع البواقي))6، وعن عائشة – رضي الله عنها – كذلك: ((تحروا ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان))7.

وذهب علي، وابن مسعود، وابن عباس، وعائشة من الصحابة، والشافعي، وأهل المدينة ومكة من الأئمة إلى أن أرجى لياليها ليلتا إحدى وعشرين، وثلاث وعشرين، وقد رجح ذلك ابن القيم – رحمه الله -.

وذهب أبي بن كعب – رضي الله عنه – إلى أنها ليلة سبع وعشرين، وكان يحلف على ذلك، ويقول: "بالآية أوالعلامة التي أخبرنا بها رسول الله  – صلى الله عليه وسلم – أن الشمس تطلع في صبيحتها لا شعاع لها.8

وفي مسند أحمد عن ابن عباس – رضي الله عنه – أن رجلاً قال: "يا رسول الله إني شيخ كبير عليل يشق عليَّ القيام، فمرني بليلة لعل الله يوفقني فيها لليلة القدر؛ قال ((عليك بالسابعة))9.

وعن ابن عمر يرفعه إلى الرسول – صلى الله عليه وسلم -: ((من كان متحريها فليتحرها ليلة سبع وعشرين))، أو قال: ((تحروها ليلة سبع وعشرين))10.

ومن الناس من قال: إن وقع في ليلة من أوتار العشر جمعة فهي أرجى من غيرها، ولا دليل عليه، والله أعلم.

خامساً: ما هي الأقوال المرجوحة أو الشاذة فيها؟

ما ذكرنا سابقاً هو المعتمد عند أهل العلم، وعليه عامة أهل السنة سلفاً وخلفاً، وهناك أقوال مرجوحة أو شاذة عن ليلة القدر وهي:

1.   أنها رفعت.

2.   أنها في كل سبع سنين مرة.

3.   أنها في كل السنة.

4.   أنها في الشهر كله.

5.   أنها في أول ليلة منه.

سادساً: ما هي أحب الأعمال لمن وفق وحظي بليلة القدر؟

من أفضل العمل فيها ما يأتي:

1. أداء الصلوات المكتوبة للرجال مع جماعة المسلمين سيما الصبح والعشاء.

2. القيام أي الصلاة لقوله – صلى الله عليه وسلم-: ((من قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه))11.

3. الدعاء.

4. قراءة القرآن.

5. اجتناب المحرمات دقيقها وجليلها.

ويمكن للمرء أن يجمع بين هذه كلها في الصلاة إذا أطال القيام، وسأل الله الرحمن، واستعاذ به من النيران كلما مر بآية رحمة أو عذاب؛ قال سفيان الثوري – رحمه الله -: "الدعاء في تلك الليلة أحب إليَّ من الصلاة"، وقال: "وإذا كان يقرأ وهو يدعو، ويرغب إلى الله في الدعاء والمسألة؛ لعله يوافق".

قال ابن رجب: "ومراده – أي سفيان – أن كثرة الدعاء أفضل من الصلاة التي لا يكثر فيها الدعاء، وإن قرأ ودعا كان حسناً، وقد كان النبي – صلى الله عليه وسلم – يتهجد في ليالي رمضان، ويقرأ قراءة مرتلة، لا يمر بآية فيها رحمة إلا سأل، ولا بآية فيها عذاب إلا تعوذ، فيجمع بين الصلاة والقراءة، والدعاء والتفكر، وهذا أفضل الأعمال وأكملها في ليالي العشر وغيرها والله أعلم؛ وقد قال الشعبي في ليلة القدر: ليلها كنهارها؛ وقال الشافعي في القديم: "أستحب أن يكون اجتهاده في نهارها كاجتهاده في ليلها".

سابعاً: ما هو أفضل ما يقال فيها من الدعاء:

أفضل ما يقال فيها من الدعاء: "اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني"؛ يردده ويكثر منه داخل الصلاة، وبين تسليمات القيام، وفي سائر ليلها ونهارها.

فعن عائشة – رضي الله عنها – أنها قالت للنبي – صلى الله عليه وسلم-: "أرأيتَ إن وفقت لليلة القدر ما أقول فيها؟ قال: ((قولي: اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني))12.

وكان من دعائه – صلى الله عليه وسلم-: ((أعوذ برضاك من سخطك، وعفوك من عقوبتك))13، وبما يسره الله له من الدعاء والذكر.

ثامناً: ماهي علاماتها؟

هناك بعض العلامات التي يستدل بها البعض على ليلة القدر ويعوزها كلها الدليل القاطع، وإنما هي اجتهادات وتخمينات لا يعتمد عليها، من تلك العلامات:

1. طلوع الشمس في صبيحتها من غير شعاع كما استدل على ذلك أبي بن كعب – رضي الله عنه-.

2. وكان عبدة بن لبابة يقول: هي ليلة سبع وعشرين؛ ويستدل على ذلك بأنه قد جرب ذلك بأشياء، وبالنجوم، والشرع لا يثبت بالتجارب، وروي عنه كذلك أنه ذاق ماء البحر ليلة سبع وعشرين فإذا هو عذب.

3. أن ليلتها تكون معتدلة ليست باردة ولا حارة.

4. أن الكلاب لا تنبح فيها، وكذلك الحمير لا تنهق فيها.

5. أن يرى نور.

6. الملائكة تطوف بالبيت العتيق فوق رؤوس الناس.

7. استجاب الله دعاء البعض في ليلة سبع وعشرين، وإجابة الدعاء ليست دائماً علامة صلاح، فالله كريم يجيب دعوة المضطر ولو كان فاسقاً أو فاجراً، وربما تكون إجابة الدعاء في بعض الأحيان من باب الاستدراج.

وأخيراً احذر أخي الصائم أن ينسلخ رمضان ولم تكن من المغفور لهم فقد روي عن أبي هريرة – رضي الله عنه – أن النبي – صلى الله عليه وسلم – صعد المنبر فقال: ((آمين، آمين، آمين!))، قيل: يا رسول الله، إنك صعدت المنبر فقلت: ((آمين، آمين، آمين))، قال: ((إن جبريل أتاني فقال: من أدرك شهر رمضان فلم يغفر له فدخل النار، فأبعده الله، قل: آمين؛ فقلت: آمين؛ ومن أدرك أبويه أو أحدهما فلم يبرهما، فمات، فدخل النار، فأبعده الله، قل: آمين؛ فقلت: آمين؛ ومن ذكرتَ عنده فلم يصل عليك، فمات، فدخل النار، فأبعده الله، قل: آمين؛ فقلت: آمين))14.

واعلم أن الأعمال بخواتيمها، فإذا فاتك الاجتهاد في أول الشهر فلا تغلب على آخره، ففيه العوض عن أوله.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خير عباد الله أجمعين، وعلى آله وصحبه وأزواجه الطاهرين الطيبين، وعلى من اتبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوه وفضله وكرمه، آمين.


 


1 ذكر بعض أهل العلم "أن ليلة القدر خاصة بهذه الأمة، ولم تكن في الأمم قبلهم" جزم به ابن حبيب وغيره من المالكية، ونقله عن الجمهور صاحب (العدة) من الشافعية ورجحه، وروى مالك في "الموطأ" بلغني أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – تقاصر أعمار أمته عن أعمار الأمم الماضية، فأعطاه الله تعالى ليلة القدر، راجع عمدة القاري شرح صحيح البخاري (ج11ص132).

2 الدخان (3).

3 الدخان (4).

4 رواه البخاري برقم (1768).

5 رواه البخاري برقم (1876).

6 رواه مسلم برقم (1989).

7 رواه البخاري برقم (1880).

8 رواه أحمد برقم (20263)، وصححه الألباني في صحيح الترمذي برقم (2669).

9 رواه أحمد برقم (2042)، وصححه الألباني في كتاب صلاة التراويح (ج1ص102).

10 رواه أحمد برقم (4577)، وقال الألباني "صحيح" برقم 867 في صحيح الجامع.

11 رواه البخاري برقم (1768).

12 رواه الترمذي برقم (3435)، وصححه الألباني في صحيح الترمذي برقم (2779).

13 رواه مسلم برقم (751).

14 صحيح ابن خزيمة برقم (1888)، وقال ألأعظمي: إسناده جيد، وقال الألباني: "صحيح" برقم 75 في صحيح الجامع.