يا بني اركب معنا

يا بُنَيَّ ارْكَب معَنَا

يا بُنَيَّ ارْكَب معَنَا

الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على رسوله الأمين, وعلى آله وصحبه والتابعين..أما بعد:

فإن المتابع لحدث -زلزال تسونامي- الذي هز القلوب والأسماع وأودى بحياة الكثير على حين غرة، والذي تناولته وسائل الإسلام بتفسير مادي بحت يثير العجب، حيث إنه كان من المتوقع أن تكون النظرة إلى الحدث بعين المعتبر المتعظ؛ ذلك أن المؤمن لا يمر على آية من آيات الله تعالى إلا مرور المعتبر، قال تعالى: {قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُواْ فِي الأَرْضِ فَانْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذَّبِينَ* هَذَا بَيَانٌ لِّلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ} (137-138) سورة آل عمران. وقال تعالى:   {فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ} (2) سورة الحشر.

ذلك أن من شيم أهل الغفلة والجهل والكفر الإعراض عن آيات الله تعالى مطلقًا, سواء الآيات القرآنية أو الآيات الكونية، قال تعالى: {اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مَّعْرِضُونَ* مَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍ مَّن رَّبِّهِم مُّحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ* لَاهِيَةً قُلُوبُهُمَْ} (1-3) سورة الأنبياء. وذلك لأن انتفاعهم بالآيات معدوم، {وَمَا تُغْنِي الآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَن قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ} (101) سورة يونس .

ومن طبيعة هؤلاء أن يفسروا الأحداث والتاريخ والوقائع تفسيرًا ماديًا: {وَإِن يَرَوْا كِسْفًا مِّنَ السَّمَاء سَاقِطًا يَقُولُوا سَحَابٌ مَّرْكُومٌ} (44) سورة الطور.، وليس  عندهم مجال لمفهوم الإيمان المقترن بالآية الكونية، {فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُّسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُّمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُم بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ* تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ} (25) سورة الأحقاف. ولما كانت نظرتهم إلى الحدث بهذه الصورة المادية البعيدة عن الإيمان كان علاجهم للمشكلة من هذه الزاوية أيضًا؛ إذ لَمَّا حدث الزلزال اتجهوا للبحث عن خبراء اليابان والمراصد وأحزمة الزلازل في العالم -ونحن لا نقلل من شأن العلم الحديث- لأن المؤمن يتخذ الأسباب التي أودعها الله في كونه، ولكن المؤمن لا يكتفي بالأسباب فقط, وإنما يتجه إلى خالق الأسباب مبدع الكون الذي إذا أراد أمرًا فإنما يقول له كن فيكون، فيطلب منه العون والمدد حتى لا يتشبه بولد نوح لما قال له أبوه:{يَا بُنَيَّ ارْكَب مَّعَنَا وَلاَ تَكُن مَّعَ الْكَافِرِينَ} كان جوابه باحتياطات مادية فقط: {قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاء قَالَ لاَ عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللّهِ إِلاَّ مَن رَّحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ} (43) سورة هود.

فهل نسي العلمانيون ومن على شاكلتهم أو تناسوا أن القشرة الأرضية تأتمر بأمر الله؟ قال تعالى: {ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ} (11) سورة فصلت. فكل ما في الكون طوع أمره -جل وعلا- خاضع لعظمته متذلل لجلاله: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِّنَ النَّاسِ} (18) سورة الحـج. أمرها فأطاعت, وأسجدها فسجدت, وأمسكها لتؤدي دورها: {إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَن تَزُولَا وَلَئِن زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِّن بَعْدِهِ} (41) سورة فاطر. والعقلاء يعلمون أن الأرض بيد الله وحده يحركها كيف يشاء، وفي كتاب الله ذِكْرُ الخسف الذي لحق بقارون لما عتا وتكبر بسبب ما أعطاه الله تعالى, فكان التذكير بنهاية طاغية وهو قارون الذي نسب الفضل لنفسه ولم ينسبه لصاحبه، فقال: {قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي} (78) سورة القصص. فكان الجزاء: {فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِن فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ المُنتَصِرِينَ} (81) سورة القصص.

وانظر إلى قوم لوط لما استباحوا الفاحشة وإتيان الرجال من دون النساء شهوة وتردياً في حمأة الرذيلة فأخذهم الله أخذ عزيز مقتدر: {فَلَمَّا جَاء أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ مَّنضُودٍ} (82) سورة هود.

أخي المسلم:

إن ما أصاب ثماني دول في زلزال تسونامي أولى بنا أن نفسره على أن هذا جزاء ما اقترفت أيدي الناس من حلٍ للربا والخمر والزنا والحرب على كتاب الله, واتخاذ آيات الله هزواً, فكان كما قال ربنا: {وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ فَحَاسَبْنَاهَا حِسَابًا شَدِيدًا وَعَذَّبْنَاهَا عَذَابًا نُّكْرًا* فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا وَكَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْرًا} (8-9) سورة الطلاق.

إن كثيراً من المنكرات تُرتكب باسم الفنون والآداب والحداثة والعصرية من خلال وسائل الإعلام والسياحة, والتي يتمكن فيها العلمانيون فيشوشون على أهل الإيمان إيمانهم.

وما نجم عن هذا الزلزال المدمر من هلاك وإبادة لمدن بأسرها فيها الصالح والطالح هو من سنن الله تعالى, ففي الصحيحين قَالَتْ زَيْنَبُ بِنْتُ جَحْشٍ –رضي الله عنها-: يَا رَسُولَ اللَّهِ, أَنَهْلِكُ وَفِينَا الصَّالِحُونَ؟ قَالَ: (نَعَمْ إِذَا كَثُرَ الْخَبَثُ)1. قال ابن حجر: الخبث فسروه: بالزنا وبأولاد الزن2.

ونقول لمن أراد معرفة الزلزال قبل وقوعها وكيف ينجو منها إذا وقعت, نقول له كما قال نوح لابنه: {يَا بُنَيَّ ارْكَب مَّعَنَا وَلاَ تَكُن مَّعَ الْكَافِرِينَ} (42) سورة هود.

إحذر سبييل الذين لا يؤمنون, وتجنب الفواحش ما ظهر منها وما بطن, واركب سفينة النجاة مع المؤمنين الذين اتقوا والذين هم محسنون, فبذلك تنجو من الهلاك.. واعلم أن النجاة ليست هي مجرد الهروب من الموت ولكن أن تموت وقد قبلك الله, وقد جاء في الحديث الصحيح أن النبي –صلى الله عليه وسلم- قال: (يَغْزُو جَيْشٌ الْكَعْبَةَ, فَإِذَا كَانُوا بِبَيْدَاءَ مِنْ الْأَرْضِ يُخْسَفُ بِأَوَّلِهِمْ وَآخِرِهِمْ). قَالَتْ عائشة: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّه, كَيْفَ يُخْسَفُ بِأَوَّلِهِمْ وَآخِرِهِمْ وَفِيهِمْ أَسْوَاقُهُمْ وَمَنْ لَيْسَ مِنْهُمْ؟ قَالَ: (يُخْسَفُ بِأَوَّلِهِمْ وَآخِرِهِمْ ثُمَّ يُبْعَثُونَ عَلَى نِيَّاتِهِمْ)3. ففي هذا الحديث بيان أن من تمسك بهدي رسول الله –صلى الله عليه وسلم- نجا وإن مات كما مات غيره بالزلازل أو الفيضانات أو غيرها, لكنه في الحقيقة هو راكب السفينة الموصلة إلى رضوان الله, بل إن الله ينجي المؤمنين من نزول عذابه ونقمته إن هم صدقوا الله ما عاهدهم عليه, فهل من عودة صادقة إلى الله -جل وعلا- حتى يرفع عنا هذه الغمة كعودة قوم يونس, كما قال تعالى: {فَلَوْلاَ كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلاَّ قَوْمَ يُونُسَ لَمَّآ آمَنُواْ كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الخِزْيِ فِي الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ} (98) سورة يونس. هل من عودة إلى شريعة الإسلام وأحكامه لتدفع عنا الخزي والعنت؟ هل من مجيب، وهل من مدَّكر4. ونعود نتدبر قول الله على لسان نبيه نوح: {وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَا بُنَيَّ ارْكَب مَّعَنَا وَلاَ تَكُن مَّعَ الْكَافِرِينَ* قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاء قَالَ لاَ عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللّهِ إِلاَّ مَن رَّحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ} (43) سورة هود. اللهم احفظنا من بين أيدينا ومن خلفنا, وعن أيماننا وعن شمائلنا ومن فوقنا,  ونعوذ بك أن نغتال من تحتنا, برحمتك يا أرحم الراحمين, سبحان ربك رب العزة عما يصفون, وسلام على المرسلين, والحمد لله رب العالمين5.


 


1 رواه البخاري -3097- (11/133) ومسلم -5128- (14/48).

2  فتح الباري لابن حجر (20/148).

3 رواه البخاري -1975- (7/314).

4 بتصرف يسير من:  http://www.islamport.com

5 بتصرف يسير من:  http://www.islamport.com