نحو حي مميز

نحو حي مميز

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين، أما بعد:

حين أرسى النبي الكريم – صلى الله عليه وآله وسلم – قواعد الدين بدأ بإيجاد مكان له، ولما تمَّ إيجاد المكان وهو المدينة النبوية كان أول عمل قام به هو إيجاد المحرك الأساس لأفراد هذا الدين، والمحضن الذي سيخرج منه قادة هذه الأمة وهو المسجد، فأسس المسجد، ثم قام بالمؤاخاة بين المهاجرين والأنصار، ثم تتابعت الأعمال بعد ذلك. 

ومن هنا يتضح أن المسجد هو كيان هذه الأمة الذي يوجه السلوك، فهو أول المؤسسات التي انطلق منها شعاع العلم والمعرفة في الإسلام، وهو المكان الذي يحمل خاصية أساسية بالنسبة للمجتمع المسلم؛ لأنه هو مصدر الانطلاقة الأولى لدعوة الإسلام، ونبع الهداية الربانية، ومركز الإشعاع في حياة الناس. 

إن للمساجد مكانة عظيمة في نفوس المسلمين فهي بيوت الله في الأرض، وأحب الأماكن إليه – تعالى – كما أخبرنا بذلك النبي – صلى الله عليه وسلم- حين قال: ((أَحَبّ الْبِلاَدِ إِلَىَ الله مَسَاجِدُهَا، وَأَبْغَضُ الْبِلاَدِ إِلَى الله أَسْوَاقُهَا))1، ولهذا كله فإن المسجد هو المكان الذي يوجد التكافل الاجتماعي بين المسلمين؛ لأنه وسيلة التعارف اليومية؛ حيث يتعارف أبناء الحي الواحد، ومع مرور الأيام يألف بعضهم بعضاً، وتتكون بينهم المحبة في الله، ثم تتقوى بينهم أواصر الأخوة الإسلامية؛ فتظهر آثار هذا التعارف وهذه الأخوة في الله في ترابط أفراد المجتمع، وانسجامهم جميعاً فيما يشبه الأسرة الواحدة، وبهذا نعلم أن المسجد هو الذي يشعر الفرد بأنه ليس مقطوعاً، وإن لم يكن له أسرة في بيته فهو فرد من أسرة كبيرة، فإذا فُقد من المسجد سأل عنه إخوانه على الفور، فإن كان مريضاً عادوه، وإن كان مسافراً تفقدوا أسرته ورعوها كما لو كان موجوداً.

كما أن المسجد في المفهوم الإسلامي الخالص هو مقرُّ إعلان العبودية الخالصة لله – عز وجل -، ولذا نجد أن الله – عز وجل – أعلى من شأن المساجد في قوله: {وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً}2، وأضافها إليه أي أن “المساجد مختصة بالله”3، وحث النبي – صلى الله عليه وآله وسلم – على بناء وتشييد المساجد فعن عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ – رضي الله عنه – قال: سَمِعْتُ النَّبِيَّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – يَقُولُ: ((مَنْ بَنَى مَسْجِداً يَبْتَغِي بِهِ وَجْهَ اللَّهِ بَنَى اللَّهُ لَهُ مِثْلَهُ فِي الْجَنَّةِ))4.

ولعل ما ميَّز المساجد عن غيرها كونها تشتمل على أعمال صالحة من أبرزها الصلاة، وما للصلاة من أثر عظيم في تربية أفراد المجتمع على الاستقامة، وإصلاح ما يطرأ على حياتهم من الانحراف والجنوح نحو الفساد.

ولم يقف دور المسجد عند أداء العبادات فقط، بل كان للمسجد دور عظيم، فكما أنه لأداء العبادة، فهو مركز اجتماعي، وسياسي، وثقافي…الخ، ولقد حرص النبي – عليه الصلاة والسلام – على المساجد وتعظيمها، ونَهَجَ من اتبعه هذا النهج، فسخرت الأموال الطائلة لبنائها، والمحافظة عليها، ومما يدل على ذلك أن أمر الشارع بعدم زخرفته، وعدم نشد الضالة فيه، أو رفع الصوت …إلى آخر ما نهى عنه الشارع الحكيم أن يؤتى في المسجد، وكل ذلك لتتوحد القلوب، وتبتهل إلى خالقها بدون صوارف أو شواغل تعيق تهيئها للقيام بدورها تجاه المسجد ورسالته.

ومن هنا ينبغي على إمام المسجد أن يستثمر إقبال المصلين بكل ما يملك من مقومات من خلال تنمية دور المسجد الفعال في رقي الوعي الديني لدى المسلم؛ إذ قد أنيط بالمسجد دور كبير في تعضيد الروابط الاجتماعية بين الجيران والأصحاب وأهل الحي، والالتزام بالقيم الاجتماعية والإنسانية؛ لأن المسجد يختلف عن بقية المؤسسات؛ فهو ينمي فكر قاصده بما يسمعه من محاضرات وندوات، وعلوم ومعارف؛ دون أن يُشترط لذلك سناً معينة، أو مرحلة دراسية محددة، وهو لا يخلو من معرفة متجددة، وتعليم مستمر، وهذا ما ينادي به اليوم كثير من رجال التربية والتعليم، ويعتبرونه أمراً لازماً ومهماً في تطوير المجتمعات، ورقيها وازدهارها، وكل هذا ينمي علاقة المسلم بالمسجد ويوثقها. 

ولو نظرنا إلى الرعيل الأول لوجدنا أن المسجد هو قاعدة اجتماعية كما هو قاعدة دينية، فالمسلم منذ نعومة أظفاره يتربى على الارتباط بالمساجد، فقد كان المسجد في السابق مرتبطاً أشد الارتباط بنفوس المسلمين ليس في الصلوات الخمس فحسب بل في كل أمورهم، فترى عند قدوم المسلم من السفر يبدأ بالمسجد، وعند الاجتماع لعلاج مشكلة ينادى إلى المسجد “الصلاة جامعة”، وغير ذلك كثير.

والمسجد له أثر في التفقه وغرس الإيمان وتقويته، والتزكية العبادية والسلوكية لا تبلغه في الغالب مؤسسة أخرى.

وعلى عاتق الأئمة والخطباء تقع مسؤولية تفعيل ذلك؛ من حيث اختيار الموضوعات المتوافقة مع المناسبات الزمانية والمكانية، والتعاون مع روّاد المساجد والمصلين لإيجاد جو من الألفة الاجتماعية، والتعارف الدائم الكريم، وربط الناس بالمنهج الرباني الإلهي؛ كي ترقى المجتمعات وتنمو وتزدهر.

نسأل الله أن يعيد للمساجد مكانتها، وأن يهدينا سواء السبيل إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والحمد لله رب العالمين.


1 مسلم (1076).

2 سورة الجن (18).

3 فتح القدير للشوكاني (5/433).

4 البخاري (431)، ومسلم (828).