Share |

دروس / السيرة

من أشهر المعارك الإسلامية

 

الحمد لله القائل: {وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ اللّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ}1، والقائل: {وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ}2، والقائل: {إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ}3، وأصلي وأسلم على القائل: ((ليبلغن هذا الدين ما بلغ الليل والنهار بعز عزيز، أو بذل ذليل))4، أما بعد:

فما أجمل الكلمات، وما أروع العبارات؛ عندما تتوج بالتعبير عن معارك أهل الاسلام، وتتشرف بنسج أخبار أولئك الشجعان؛ سهم ورمح، ودرع وسيف، وخيل وصهيل، وفر وكر، وإقدام نحو الموت، وتضحيةُ وفداء، وغنائم وأسرى، ومسجون ومأسور، ورايات وشعارات، وتكبير ونصر، وأعظمها شهادة واستشهاد، ولقاء النبي - صلى الله عليه وسلم-: {فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ}5.

تسموا النفوس، وتطمئن القلوب، وتنشرح الصدور؛ وهي تلمح جيوش الإسلام منتصرةً، وخيول المؤمنين صاهلةً، وسهام المجاهدين صائبةً؛ لأن مقصدها تحقيق كلمة التوحيد، وتوحيد كلمة المؤمنين، ونشر العدل، وبث روح المودة والمحبة والإخاء، والغرض الأكبر تحرير البشرية من رق العبودية إلى سماء الحرية، الله المقصد، والنبي المتبع، والقرآن الدستور، والسنة الهادية، والسيف الناصر، والشرع الحاكم، كل هذا لن يتحقق إلا بحكم العدول من أهل الإسلام، الذين بذلوا في سبيل نشره دمائهم وأموالهم، فبلغوا به ما بلغ الليل والنهار؛ كل هذا سطروه عبر مواقفهم السامية، وكلمتهم الصادقة، ومعاركهم المشهورة.

ولعل من أشهر المعارك في تاريخ أهل الإسلام معركة "ملاذ كرد" التي يقول عنها ابن كثير في كتابه البداية والنهاية: "وفيها أقبل ملك الروم أرمانوس في جحافل أمثال الجبال من الروم والكرخ والفرنج وعدد عظيم، ومعه خمسة وثلاثون ألفاً من البطارقة، مع كل بطريق مائتا ألف فارس، ومعه من الفرنج خمسة وثلاثون ألفاً، ومن الغزاة الذين يسكنون القسطنطينية خمسة عشر ألفاً، ومعه مائة ألف نقاب وحفار، وألف روز جاري، ومعه أربعمائة عجلة تحمل النعال والمسامير، وألفا عجلة تحمل السلاح والسروج، والغردات والمجانيق، منها منجنيق عدة ألف ومائتا رجل وأهله، ومن عزمه أن يبيد الإسلام، وقد أقطع بطارقته البلاد حتى بغداد، واستوصى نائبها بالخليفة خيراً، فقال له: أرفق بذلك الشيخ فإنه صاحبنا، فإذا استوثقت من ممالك العراق وخراسان ميلوا على الشام وأهله ميلة واحدة فاستعيدوه من أيدي المسلمين، ولكن القدر يقول: "لعمرك إنهم في سكرتهم يعمهون"6.

وهنا التقى الصفان، وتقابل الجيشان، وتواجه الجمعان: جمع الرحمن، وجمع الشيطان، ونظرت العيون شزراً، وبدأت ساعة الصفر، واقترب الوعد الحق، لتطير الرؤوس على الكؤوس، وترقص الخيل على صهيل السيوف، وتترنم الألحان على ضربات الرماح، فيا الله ما أشدها من لحظات! وما روعها من وقفات!

الموت على بوابة الانتظار، ومفارقة الأهل والولدان والصحب والخلان أمام العينان، الكل يتأمل، والكل يفكر، والكل يسأل، والكل يجيب، ولكن أنى يكون الرجوع؟

تقدم أرمانوس بجنوده وحشوده، آلاف مؤلفة، وجنود مجندة، بعدة وعتاد، وزاد وزناد؛ ليقتل المسلمين شر قتله، ويسبي النساء والذرية، ويخرب ويدمر ويعيث في الأرض الفساد، ليطفئ نور الله من أرضه: {وَيَأْبَى اللّهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ}7، فلما تقدم التقاه أسد من أسود الإسلام، وفارس من فرسان الحرب، الله غايته، والجنة مقصده، شعاره: {كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللّهِ وَاللّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ}8، هل علمتم من هو هذا القائد؟ إنه قائد من أتباع محمد، شجاع لا يخاف في الله لومة لائم، يحسن القيادة والريادة، إنه السلطان" ألب أرسلان"، التقى مع أرمانوس في عدد قريب من عشرين ألفاً، يحملون الإيمان، ويحفظون القرآن، ويوحدون الديان، ويعشقون الحور الحسان، المقصورات في أوساط الخيام.

مكان اللقاء:

التقى الجيشان كما قال ابن كثير - رحمه الله -: "بمكان يقال له الزهوة في يوم الأربعاء لخمس بقين من ذي القعدة، وخاف السلطان من كثرة جند ملك الروم، فأشار عليه الفقيه أبو نصر محمد بن عبد الملك البخاري بأن يكون وقت الوقعة يوم الجمعة بعد الزوال حين يكون الخطباء يدعون للمجاهدين، فلما كان ذلك الوقت، وتواقف الفريقان، والتقى الجيشان؛ صلى بهم، وبكى السلطان، فبكى الناس لبكائه، ودعا فأمنوا، فقال لهم: "من أراد الانصراف فلينصرف، فما هاهنا سلطان يأمر ولا ينهي، وألقى القوس والنشاب، وأخذ السيف، وعقد ذنب فرسه بيده، وفعل عسكره مثله، ولبس البياض، وتحنط، وقال: إن قتلت فهذا كفني.

وزحف إلى الروم، وزحفوا إليه، فلما قاربهم ترجل وعفر وجهه بالتراب، وبكى، وأكثر الدعاء، ثم ركب وحمل الجيش معه، فحمل المسلمون في وسطهم، فقتلوا في الروم كيف شاءوا، وأنزل الله نصره، وانهزمت الروم، وقتل منهم ما لا يحصى، حتى امتلأت الأرض بالقتلى، وأسر ملك الروم أرمانوس، أسره غلام رومي، فلما أوقف بين يدي الملك ألب أرسلان ضربه بيده ثلاث مقارع، وقال: لو كنت أنا الأسير بين يديك ما كنت تفعل، قال: كل قبيح، قال: فما ظنك بي؟ فقال: إما أن تقتل وتشهرني في بلادك، وإما أن تعفو وتأخذ الفداء وتعيدني، قال: ما عزمت على غير العفو والفداء، فافتدى نفسه منه بألف ألف دينار، وخمسمائة ألف دينار، فقام بين يدي الملك، وسقاه شربة من ماء، وقبَّل الأرض بين يديه، وقبَّل الأرض إلى جهة الخليفة إجلالاً وإكراماً، وأطلق له الملك عشرة آلاف دينار ليتجهز بها، وأطلق معه جماعة من البطارقة، وشيعه فرسخاً، وأرسل معه جيشاً يحفظونه إلى بلاده، ومعهم راية مكتوب عليها "لا إله إلا الله محمد رسول الله"، فلما انتهى إلى بلاده، وجد الروم قد ملكوا عليهم غيره، فأرسل إلى السلطان يعتذر إليه، وبعث من الذهب والجواهر ما يقارب ثلاثمائة ألف دينار، وتزهد ولبس الصوف، ثم استغاث بملك الأرمن فأخذه وكحله، وأرسله إلى السلطان يتقرب إليه بذلك"أ.ه9.

وحقق الله وعده لعباده المؤمنين: {وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ}10، وفرح المؤمنون بنصر الله، ورجعوا إلى أهليهم سالمين غانمين، ومكن الله لهم في الأرض مصداقاً لقوله، وتحقيقاً لوعده: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ}11.

وهذه سنة الله في عباده: {سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا}12، ولن: {تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا }13.

لأنهم قد باعوا أنفسهم لما علموا أن الله اشترى، وخرجوا يطلبون النصر أو الشهادة، ولا يفكرون في الرجوع أبداً، بل المقصد لقاء الله، وقتال أعداء الله، ونشر دين الإسلام، فلما حسنت في ذلك نيتهم، وعظمت فيه حسبتهم؛ حازوا على النصر والغنيمة والفوز بما عند الله - سبحانه وتعالى - من ثواب وأجر ورفعه، وهذا شأن من وهب نفسه لله، ولله در القائل إذ يقول: "اطلبوا الموت توهب لكم الحياة"، وما وصلت الأمة إلى ما وصلت إليه هذه الأيام من ضعف وهوان، وذل وتبعية؛ إلا نتيجة حب الدنيا وكراهية الموت، وترك ذروة سنام الإسلام على الوجه الذي يرضي الله.

والله أعلم.


 

1 سورة آل عمران (126).

2 سورة الحج (40).

3 سورة محمد (7).

4 رواه أحمد برقم (16509)، وصححه الألباني في الصحيحة برقم (3).

5 سورة القمر (55).

6  البداية والنهاية (ج12/ص100).

7 سورة التوبة (32).

8 سورة البقرة (249).

9  البداية والنهاية (ج12، ص100).

10 سورة الحج (40).

11 سورة النور (55).

12 سورة الأحزاب (62).

13 سورة فاطر (43).

©جميع الحقوق محفوظة لموقع إمام المسجد 2004
ويحق لمن شاء أخذ ما يريد من مواد هذا الموقع بشرطين : الأول : عزو ما يأخذ إلى موقع إمام المسجد www.alimam.ws ، الثاني : الأمانة في النقل وعدم التغيير في النص المنقول ولا حذف شيء منه ، والله الموفق .
0.07542