Share |

الآذان والمؤذن

حياة المؤذن الأول

 

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه إلى يوم الدين، أما بعد:

من حكمة الله - تعالى - في خلقه أن جعلهم مختلفي الطباع والأفكار والتخصصات، لذا فإنك ترى صاحب أي تخصص أو اهتمام معين يحاول أن يحاكي أهل تخصصه، وينظر في سلفه فيأخذ عنهم، ويقتفي أثرهم - وبخاصة الأوائل منهم - حين تذكر جوانب كثيرة من حياتهم، ويحاول أن يأخذ الفوائد والعبر من أفعالهم، فإذا كان الأمر كذلك مع كل التخصصات؛ فكيف يكون الحال حين يكون هذا المذكور من أهل الجنات، وصاحب سيد الثقلان، وأول من رفع على الكرة الأرضية الأذان، ومن أوائل من دخل في دين الرحمن، وصبر على الأذى من أهل الطغيان في سبيل الواحد الديان.

إننا نتحدث عن جبل أشم، وبطل عظيم هو "بلال بن رباح، وأمه حمامة، مولى أبي بكر الصديق - رضي الله عنه -، وهو أول من أذن لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -"1، يرفع الأذان بكلماته القوية، الجذابة الألفاظ؛ بعد أن تعكر جو السماء بما تسمع من استغاثات بغير الله - عز وجل -، ونداءات للتماثيل والأصنام، إذا بداعي الحق يصدح ليسمع كل الدنيا نداء التوحيد، وليلبس العالم لباس الفطرة من جديد.

ولما كان بلال - رضي الله عنه - من أوائل الداخلين في الإسلام، وحيث كان يرى الكفر علانية؛ فقد أراد أن يجاهر بالحق ضد أصحاب الكفر؛ فوفقه الله للجهر بعنوان التوحيد – الأذان -، وقد عانى ما عانى من الشرك وأهله، ولكن العاقبة للإسلام؛ ورد عن عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه – أنه قال: "كان أول من أظهر إسلامه سبعة: رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وأبو بكر، وعمار، وأمه سمية، وصهيب، وبلال، والمقداد، فأما رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فمنعه الله بعمه أبي طالب، وأما أبو بكر فمنعه الله بقومه، وأما سائرهم فأخذهم المشركون وألبسوهم أدراع الحديد، وصهروهم في الشمس، فما منهم من أحد إلا وقد واتاهم على ما أرادوا، إلا بلالاً فإنه هانت عليه نفسه في الله، وهان على قومه، فأخذوه فأعطوه الولدان، فجعلوا يطوفون به في شعاب مكة وهو يقول: أحد أحد"2، يردد التوحيد في وجوه اللئام، فيجعله الله أول من يردده بصوت عالٍ بعد ظهور الإسلام.

ولقد جعلت هذه الحوادث بلالاً - رضي الله عنه - قريباً من النبي - صلى الله عليه وسلم -، يحب النبي - صلى الله عليه وسلم -، والنبي - عليه الصلاة والسلام – يحبه؛ حتى أنه كان يتوكأ عليه وهو يخطب فعن جابر بن عبد الله -رضي الله عنهما - قال: "شهدت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الصلاة يوم العيد، فبدأ بالصلاة قبل الخطبة بغير أذان ولا إقامة، ثم قام متوكئاً على بلال، فأمر بتقوى الله، وحث على طاعته، ووعظ الناس وذكَّرهم، ثم مضى حتى أتى النساء، فوعظهن وذكرهن، فقال: ((تصدقن فإن أكثركن حطب جهنم))، فقامت امرأة من سطة النساء سفعاء الخدين فقالت: لم يا رسول الله؟ قال: ((لأنكن تكثرن الشكاة، وتكفرن العشير))، قال: فجعلن يتصدقن من حليهن؛ يلقين في ثوب بلال من أقرطتهن، وخواتمهن"3.

ولقد كان - رضي الله عنه - حبشياً أسود البشرة، لكن لم يكون ذلك يعني أن يكون مستنقصاً عند الصحابة، بل الميزان الذي يقاس به الناس هو التقوى {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ}، 4وعلى هذا ربى النبي - صلى الله عليه وسلم - أصحابه فعن المعرور بن سويد قال: "لقيت أبا ذر - رضي الله عنه - بالربذة، وعليه حلة، وعلى غلامه حلة، فسألته عن ذلك فقال: إني ساببت رجلاً فعيرته بأمه، فقال لي النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((يا أبـا ذر أعيرته بأمه؟! إنك امرؤ فيك جاهلية، إخوانكم حولكم، جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل، وليلبسه مما يلبس، ولا تكلفوهم ما يغلبهم، فإن كلفتموهم فأعينوهم))"5 ومكمن إيرادنا لهذه القصة أن الرجل المذكور الذي ساببه أبو ذر - رضي الله عنه - في هذه القصة هو بلال.

ويأبى الله - تعالى - إلا أن يقرر أن مبدأ الكرامة عنده ليس باللون أو الشكل والمظهر بل بالتقوى، فيقرر هذا الأمر في قلوب الأمة الإسلامية جميعاً على مرأى ومسمع من الجميع حين صعد بلال - رضي الله عنه - على ظهر الكعبة يوم الفتح ليؤذن، فاستنكر أهل مكة ذلك - إذ لما يدخل الإيمان في قلوبهم بعد -: كيف لهذا المولى الحبشي أن يكون فوق الكعبة، وأشراف مكة لم يفعلوا ذلك، ولنترك ابن كثير - رحمه الله - يقص علينا ما حدث كما أورده في كتابه "البداية والنهاية" إذ يقول: "قال الواقدي: لما قضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نسكه في القضاء؛ دخل البيت، فلم يزل فيه حتى أذن بلال الظهر فوق ظهر الكعبة، وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمره بذلك، فقال عكرمة بن أبي جهل: لقد أكرم الله أبا الحكم؛ حين لم يسمع هذا العبد يقول ما يقول، وقال صفوان بن أمية: الحمد لله الذي أذهب أبي قبل أن يرى هذا، وقال خالد بن أسيد: الحمد لله الذي أمات أبي ولم يشهد هذا اليوم حتى يقوم بلال ينهق فوق البيت، وأما سهيل بن عمرو ورجال معه لما سمعوا بذلك غطوا وجوههم، قال الحافظ البيهقي: قد أكرم الله أكثرهم بالإسلام"6.

ولماذا لا يبلغ بلال هذه المنزلة في الدنيا وقد بلّغه الله - تعالى - جنة عرضها السماوات والأرض حين بشره بذلك النبي - صلى الله عليه وسلم - كما ثبت عن أبي هريرة - رضي الله عنه - "أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لبلال عند صلاة الفجر: ((يا بلال حدثني بأرجى عمل عملته في الإسلام؛ فإني سمعت دف نعليك بين يديَّ في الجنة!))، قال: ما عملت عملاً أرجى عندي أني لم أتطهر طهوراً في ساعة ليلٍ أو نهارٍ إلا صليت بذلك الطهور ما كتب لي أن أصلي، قال أبو عبد الله: دف نعليك: يعني تحريك"7، أفلا يحق لأهل الأذان أن يقتدوا بالمؤذن الأول؟

ولقد كان بلال - رضي الله عنه - شديد المحبة للنبي - صلى الله عليه وسلم - حيث لم يؤذن بعد موت النبي - صلى الله عليه وسلم - إلا لأبي بكر - رضي الله عنه -، ويقال أنه أذن لعمر يوم فتح دمشق، قال ابن عبد البر - رحمه الله تعالى -: "وذكر ابن أبي شيبة عن حسين بن علي عن شيخ يقال له الحفصي عن أبيه عن جده قال: أذن بلال حياة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ثم أذن لأبي بكر - رضي الله عنه - حياته، ولم يؤذن في زمن عمر، فقال له عمر: ما منعك أن تؤذن؟ قال: إني أذنت لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى قبض؛ لأنه كان ولي نعمتي، وقد سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: ((يا بلال ليس عمل أفضل من الجهاد في سبيل الله" فخرج مجاهداً، ويقال: إنه أذن لعمر إذ دخل الشام مرة فبكى عمر وغيره من المسلمين))8.

وهنا يذكِّرنا ابن عبد البر بحادثة أذان بلال في دمشق إذ هيجت مشاعر المحبين، وأعادت الذكريات، فإن أذان بلال له تأثير خاص لدى من كانوا يسمعونه:

وجلجلة الأذان بكل حي           ولكن أين صوت من بلال

ذكر صاحب "سمط النجوم العوالي": "أن عمر - رضي الله عنه - لما قدم الشام حين فتحها أذَّن بلال، فتذكر الناس النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال أسلم - مولى عمر رضي الله عنه -: فلم أر أكثر باكياً من يومئذ"9.

وما زال بلال - رضي الله عنه - يشتاق إلى لقاء أحبته حتى قبض إليهم "قال سعيد بن عبد العزيز: لما احتضر بلال قال: غداً نلقى الأحبة محمداً وحزبه، قال: تقول امرأته: واويلاه، فقال: وافرحاه"10، وحق لمن سيلقى الرسول - عليه الصلاة والسلام - أن يقول هذا القول.

ولقد "توفي بلال سنة سبع عشرة أو عشرين بداريا، ودفن بباب كيسان، وله بضع وستون سنة، وقيل: دفن بحلب وقيل بدمشق"11.

وهذه باختصار قصة المؤذن الأول - رضي الله عنه وأرضاه -، ونسأل الله - تعالى - أن يجعلنا خير خلف لخير سلف، والحمد لله رب العالمين.


 

1 ابن خلكان، وفيات الأعيان (3/70).

2 ابن ماجة (147)، وحسنه الألباني في صحيح ابن ماجة (1/30).

3 مسلم (1467).

4 سورة الحجرات (13).

5 البخاري (29)، مسلم (3140).

6  البداية والنهاية (4/232).

7 البخاري (1081)، ومسلم (4497) بلفظ آخر.

8 الاستيعاب في معرفة الأصحاب (1/55).

9 سمط النجوم العوالي (2/13).

10 سير أعلام النبلاء (1/359).

11ابن الجوزي في المنتظم (4/299).

 

©جميع الحقوق محفوظة لموقع إمام المسجد 2004
ويحق لمن شاء أخذ ما يريد من مواد هذا الموقع بشرطين : الأول : عزو ما يأخذ إلى موقع إمام المسجد www.alimam.ws ، الثاني : الأمانة في النقل وعدم التغيير في النص المنقول ولا حذف شيء منه ، والله الموفق .
0.02028