Share |

بحوث ومقالات / بحوث

مشروعك الذي يلائمك

    محمد صالح المنجد

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد ..

فإن ربنا -سبحانه وتعالى-  لم يخلق السماوات والأرض باطلا، إنما خلقهم بالحق، {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً}(المؤمنون: من الآية115)، تأكلون وتشربون وتمرحون سدى، تتمتعون بلذات الدنيا ثم نترككم ولا نأمركم ولا ننهاكم ولا نثيبكم ولا نعاقبكم ولا نكلفكم، وإنكم إلينا لا ترجعون، فتعالى الله عن هذا الظن الباطل

قد هيئوك لأمرٍ لو فطنتَ له     فاربأ بنفسِكَ أن ترعى مع الهَمَلِ

المسلم في الدنيا له هدف وغاية، يسعى بتحقيق ما أمره الله به، حياته لله، وهي عبادة، لا تقتصر على الشعائر فقط كالصلاة والصوم والزكاة والحج، بل تشمل كل قول وعمل صالح ونافع، وسواء كان هذا العمل من أمور الآخرة أو أمور الدنيا فإن المسلم لا يتوقف عن القيام به إذا كان نافعا، لأن نبيه -عليه الصلاة والسلام- علمه فقال : ((احرص على ما ينفعك)) .

كان السلف الصالح رحمهم الله، يذمون الرجل يمضي حياته سَبَهْللاً بلا هدف ولا غاية ولا عمل، وقد روى الطبراني في المعجم الكبير عن ابن مسعود قال: ( إِنِّي لأَمْقُتُ أَنْ أَرَى الرَّجُلَ فَارِغًا، لا فِي عَمِلِ دُنْيَا، وَلا آخِرَةٍ). وقد ورد هذا الأثر مشهور عن عمر بلفظ: "إني لأكْرَه أن أَرى أحدَكم سبَهْلَلا، لاَ في عَمَل دُنيا، ولا في عَمل آخره"، ولكن قال الزيلعي: " لم أجده إلا من قول ابن مسعود.

ومعنى سبهللاً : أَيْ غَيْرَ مُكْتَرِثٍ بِذَهَابِهِ لَا فِي عَمَلِ دُنْيَا وَلَا آخِرَةٍ، قَالَ فِي الْقَامُوسِ: وَيَمْشِي سَبَهْلَلًا إذَا جَاءَ وَذَهَبَ فِي غَيْرِ شَيْءٍ". يروح ويجي، بلا طائل ولا نتيجة، لا هدف ولا غاية .

الرجل السبهلل الذي لا يتقن شيئاً، ولا يعمل شيئاً، وهكذا يدعو أموره هملاً، وتذهب أوقاته سدى، يضيع العمر والفرص، ولذلك كان لكل مسلم لا بد أن يكون له مشروع، لا بد أن يكون هنالك لكل مسلم عمل، يقوم به في حياته، بل أعمال كثيرة، والإنسان مسؤول عن شبابه فيما أبلاه وعن عمره فيما أفناه، والأفراد يقاسون بالمنجزات لا بالأعمار، {وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ}(يّـس: من الآية12)، ما قدموا من الأعمال التي عملوها، وباشروها في حياتهم من خير أو شر، وآثارهم، آثار الخير وآثار الشر، خطوات هؤلاء في عمل الخير وفي عمل الشر، هذه الأعمال التي نشأت بأقوالهم وأفعالهم وأحوالهم تكتب،

نسبُ ابنِ آدمَ فعلُه

 

 

فانظرْ لنفسكَ في النسبْ 

 

ماذا أضفت في هذه الدنيا؟، ماذا فعلت فيها؟ ماذا قدمت؟ ماذا تنوي أن تفعل، لا بد أن تترك أثراً، عمر الإنسان لا يقاس بالسنين فقط، بل بالأعمال، بعض الناس عاشوا قليلاً، وتركوا كثيراً، كم عاش الإمام الشافعي رحمه الله وماذا ترك؟ كم عاش النووي رحمه الله وماذا ترك؟ كم عاش شيخ الإسلام رحمه الله وماذا ترك؟ كم عاش الشيخ حافظ حكمي وماذا ترك؟

لا بد أن يكون لكل شاب لكل فتاة لكل إنسان صغير أو كبير، لا بد أن يكون له أعمال ومنجزات وأهداف وغايات وخطط.

السير بلا هدف إهدار للحياة، وإذا لم تكن تعرف أين تتجه لن تصل، والذي لا توجد عنده أهداف يسعى إليها يعيش عيشة عشوائية، ويتخبط، وقيمة كل امرئ ما يحسنه، وقيمة كل امرئ ما يطلب، و أصدق الأسماء كما قال -عليه الصلاة والسلام- : ((الحارث وهمام )).

الهمام : من الهم، والحارث : يعمل ويحرث يكدح يشتغل .

 ما هو الشيء الذي تود أن تحققه ؟

قال أبو الزناد رحمه الله : اجتمع في الحِجْر عبد الله، ومصعب، وعروة - بنو الزبير بن العوام- وابن عمر، فقال: تمنوا، فقال ابن الزبير: أتمنى الخلافة، وقال عروة: أتمنى أن يؤخذ عني العلم، وقال مصعب: أتمنى إمرة العراق، والجمع بين عائشة بنت طلحة، وسكينة بنت الحسين. ( أن أتزوجهما )

فقال ابن عمر: أما أنا فأتمنى المغفرة.

قال أبو الزناد: " فنالوا ما تمنَّوا، ولعل ابن عمر قد غفر له". سير أعلام النبلاء.

وإذا النفوس كُنَّ كباراً       تعبت في مرادها الأجسامُ

لا بد أن يكون لك يا أخي المسلم نفس تواقة للمعالي  .

قال عمر بن عبد العزيز: "إِنَّ نَفْسِي تَوَّاقَةٌ، وَإِنَّهَا لَمْ تُعْطَ مِنَ الدُّنْيَا شَيْئاً إِلاَّ تَاقَتْ إِلَى مَا هُوَ أَفْضَلُ مِنْهُ، فَلَمَّا أُعْطِيَتْ مَا لاَ أَفْضَلَ مِنْهُ فِي الدُّنْيَا [ الخلافة]، تَاقَتْ إِلَى مَا هُوَ أَفْضَلُ مِنْهُ [يَعْنِي: الجَنَّةَ]".

وقال: يا رجاء إن لي نفساً تواقة، تاقت إلى فاطمة بنت عبد الملك فتزوجتها، وتاقت إلى الإمارة فوليتها، وتاقت إلى الخلافة فأدركتها، وقد تاقت إلى الجنة، فأرجو أن أدركها إن شاء الله عز وجل. وفيات الأعيان (2 / 301)

هذه النفوس الطامحة .

قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ مَعَالِيَ الأُمُورِ وأَشْرَافَهَا، وَيَكْرَهُ سَفَاسِفَهَا)). رواه الطبراني (3/214) وصححه الألباني.

التقى شقيق بن إبراهيم البلخي الزاهد [أحد شيوخ التصوف] بإبراهيم بن أدهم بمكة، فقال له إبراهيم بن أدهم: ما بدء أمرك الذي بلغك إلى هذا؟ - ما هو الحدث ما هي القصة التي جعلتك تمنعك عن التكسب، بلغ بك الأمر أن أنت الآن ما عندك أي عمل،ومعرض عن الدنيا،وتارك الدنيا وتارك كل الأعمال، ما الذي جرى -؟

فذكر أنه رأى في بعض الفلوات طيراً مكسور الجناحين أتاه طائر صحيح الجناح بجرادة في منقاره.

فتركت التكسب –كأنه يقول رزقي سيأتيني، كما أتى هذا الطائر رزقه، فأنا لا أريد أن اعمل شيئاً إلا العبادة، يعني الشعائر إلا بالعبادة- .

فقال إبراهيم: " ولم لا تكون أنت الطائر الصحيح الذي أطعم العليل حتى تكون أفضل منه؟ أما سمعت عن النبي صلى الله عليه وسلم: ((اليد العليا خير من اليد السفلى))، ومن علامة المؤمن: أن يطلب أعلى الدرجتين في أموره كلها حتى يبلغ منازل الأبرار".

فأخذ شقيق يد إبراهيم فقبلها وقال: أنت أستاذنا يا أبا إسحاق. "الوافي بالوفيات" .

المسلم لا يقنع حتى يبلغ من أعماله غايتها وأعلاها: فإن كان طالباً لم يقنع إلا بالتفوق، وإن كان أباً لم يقصر في أن يبلغ أبنائه وبناته، أن يكونوا قدوات في الخير،{وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً}(الفرقان: من الآية74)، انظر الطموح ((إِذَا سَأَلْتُمُ اللَّهَ فَاسْأَلُوهُ الْفِرْدَوْسَ فإنه أوسط الجنة وأعلى الجنة أراه فوقه عرش الرحمن ومنه تفجر أنهار الجنة )) البخاري .

المسلم لو كان صانعاً لا يرضى بمنزلة دون الإتقان، فلا قيمة لمن اتكل على غيره ونظر إلى الأسفل على الدوام لا يستشرف علواً، ولا يتطلع إلى ما يسمو ويرتفع،  الذي لا يرجو رقياً سينزل ، شباب ضيعوا أعمارهم، فكانوا وبالاً

شبابٌ خُنَّعٌ لا خَيرَ فيهمْ *** وبُورِكَ في الشَّبابِ الطامحينَ

أنظر أين أنت، ومن أي نوع، الناس خمسة فأين تكون منهم

الناسُ خمسةٌ إذا حسَبتَهم

 

 

ففارسٌ يوم الوغى ذو دَرَقَه

 

يجولُ في ميدانها مبارزاً

 

 

إذا رأى صفَّ القتالِ خَرَقه

 

ومُحسنٌ ينفـقُ جوداً مالَهُ

 

 

جميعَهُ ذهبَه وَوَرِقَه

 

وعالمٌ يدرسُ في كتابِهِ

 

 

يَسْرُدُه ورقةً فورقَه

 

وحاكمٌ أقام فينا عدلَهُ

 

 

في قلبه للعالمين شفقَه

 

وعابـدٌ يقوم في جُنْحِ الــدُّجَى

 

يشكو الجَـوى من النَّوى وحُرَقَـه

فهؤلاء خيرُهم وغيرُهم

 

 

لا لحمَ فيهُمو وليسوا مَرَقَه

 

بل هَمَجٌ من هَمَجٍ متى مشوا

 

 

يُضيِّقوا علـى التقي طُرُقَه

 

درقه: الترس، والجوى:  شدة الوجد، والنوى: البعد. والورِق : الفضة .

قال عليه الصلاة والسلام : ((تَجِدُونَ النَّاسَ كَإِبِلٍ مِائَةٍ، لَا تَكَادُ تَجِدُ فِيهَا رَاحِلَةً)). متفق عليه.

الرَّاحِلَة في الإبل هي النَّجِيبَة الْمُخْتَارَة مِنْ الْإِبِل الصالحة لِلرُّكُوبِ وَغَيْره, فَهِيَ كَامِلَة الْأَوْصَاف، ليست بمعيبة، تتحمل وتسير .

فالمرضي الأحوال من الناس كامل الأوصاف قليل، كما أن الراحلة في الإبل قليل .

لَوْلا المشقةُ سَادَ النَّاسُ كلُّهمُ

 

 

الجُودُ يُفقِرُ والإِقْدامُ قَتَّالُ

 

يعني لولا المشاق كان كل الناس سادة، لكن من أراد أن يسلك سبيل الجود والإكرام سيذهب ماله في الإكرام، ومن أراد أن يقتحم الوغى والمعارك ويكون مقداماً ربما يقتل، الجود يفقر والإقدام قتال، لكن بهذه المآثر ساد هؤلاء، ولولا المشقة كان كل الناس سادة.

 مما ينشّط النفس أن تكون ذات أعمال ولها مشروعٌ ومشاريع، النظر في أحوال كبار السن الذين انتهت حياتهم دون أن يكون لهم تأثير يذكر، وربما لم يعملوا في الدنيا إلا بقية أبناء أو بنات تركوهم قبل أن يرحلوا .

الشاب الذي يتأمل بنظرٍ حكيمٍ لهذا يعلم أنه لا بد أن يجعل له مشروعاً طموحاً في الدنيا يقوده إلى خيرها وكذلك ينفعه في الآخرة، لا جدوى من البقاء بدون عمل .

إذا كنتَ لا تُرْجَى لدفعِ مُلِمَّةٍ
 

 

ولا كان للمعروفِ عندكَ مطمعُ

 

ولا كنتَ ذا جاهٍ يعاش بجاهِه
 

 

ولا أنت يومَ الحشْرِ فِيمنْ يَشْفَعُ

 

فعَيْشُكَ في الدُنيا وموتُكَ واحِدٌ
  

 

وعُوْدُ خِلالٍ عَن وِصَالِكَ أنْفَعُ

 

المشاريع التي يمكن أن يقوم بها الشباب والكبار والصغار كثيرة، والله تعالى قسم المواهب والقدرات بين الخلق كما قسم الأموال، هذه أرزاق، قسم ربنا بين الناس الطبائع والأحوال والأموال والأخلاق، وفاوت بين عقولهم وأفهاهم، كما فاوت بين ألسنتهم وألوانهم، {وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ}(الروم: من الآية22).

{نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ}(الزخرف: من الآية32) .

هذا الاختلاف يؤدي إلى وجود الطبقات عند الله، المراتب في الجنة، والآخرة، وكذلك وجود التفاوت في الدنيا، في الثروات التي للناس، والحال الاقتصادية، والاجتماعية والأخلاقية، من الناس من هو من أهل الصلاة ومنهم من هو أهل الجهاد، ومنهم من هو أهل الصدقة، ومنهم من أهل العلم، ومنهم من أهل القرآن، من أهل أعمال متعددة، كما هو أبو بكر الصديق، ضرب في كل باب بسهم وافر،

ومنهم من يُفتح له في مساعدةِ المحتاجين وإغاثةِ الملهوفين، فهو في عملٍ متواصِل في تفريجِ الكروب وتقديم الشفاعات وسدِّ الديون وإعانة الضعفاء وإغاثة الملهوفين، وكفالةِ الأيتام ومواساة الأرامل، وتعليم الجاهل، وإطعام الجائع، وكسوة العاري .

{َفكُّ رَقَبَةٍ * أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ* يَتِيماً ذَا مَقْرَبَةٍ* أَوْ مِسْكِيناً ذَا مَتْرَبَةٍ}  (البلد:13-16) .

  

هكذا تقتحم العقبة، في الآخرة عقبة شديدة كئود، {فَلا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ *وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ } (البلد:11-12) .

ومنهم من يفك أسيراً، ويحقن دماً، يدفع مكروهاً، يحق حقاً، ينصر مظلوماً، يمنع باطلاً، ينكر منكراً، ويقيم معروفاً، وهكذا نجد حتى في الأمور الدنيوية من الناس من فُتح له في باب الطب، ومنهم من فُتح له في باب الهندسة، ومنهم من فُتح له في باب التقنية، ومنهم من فُتح له في باب التجارة والتسويق، منهم من فُتح له في باب الإدارة، ومنهم من فُتح له في المهن والحرف والصنائع، وقد جعل الله هذا الاختلاف بين الناس رحمة، { نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيّاً وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ} (الزخرف: من الآية32) .

ولولا هذا التفاوت، ما استخدم أحدٌ أحداً، ما وجدت من تستخدمه، وإذا وجدنا الناس يتفاوتون في المهن الدنيوية، عالم، تاجر، حارس، جندي، بيطري، مدير، مدرب، رياضي، طبيب، وزير، هذا عنده مشروع الزواج وهذا عنده مشروع شهادة عليا، وهذا عنده مشروع بناء بيت، وهذا عنده مشروع شراء سيارة، وهذا عنده مشروع إقامة مؤسسة أو شركة، كذلك من الناس من عندهم مشروع خيري، موقع دعوي، تعلم لغة، هنالك مشاريع كثيرة، قد تكون يومية : قراءة جزء من القرآن ، أسبوعية : صيام الاثنين والخميس، شهرية : أيام البيض، سنوية : الحج ، عمرية : إرضاء الله تعالى .

المشروعات منها ما هو طويل، لا يتحقق إلا في سنوات، دراسات عليا، تكوين أسرة وأولاد، عمل مؤسسي دعوي، هذا يأخذ سنوات، وهناك مشروعات قصيرة، قد يحفظ القرآن في سنة أو سنتين، تعلّم لغة كذلك، يشارك في أعمال تطوعية، أنشطة دعوية، قد يستغرق منه أحياناً دقيقة، يعلق إعلان لمحاضرة، يوزع كتباً، أو مسموعات، قد تكون تحتاج إلى أيام وأسابيع، يقيم الملتقيات، يساعد الجمعيات الخيرية، يقوم بمشاريع تفطير الصائمين، توزيع الطعام على المحتاجين والأسر الفقيرة، هنالك من المشاريع ما هو رئيسي يحتاج إلى تركيز وقت، ومنها ما هو فرعي، وهنالك مشاريع مستغرقة، تأخذ وقته كاملاً، وهنالك مشروعات يمكن الجمع بينها، هنالك مشروعات فردية يمكن أن يقوم بها شخص واحد، وأخرى جماعية لا يمكن إلا أن تحصل بمجموعة أشخاص، المشروعات المتنوعة، دعوية علمية اجتماعية تجارية إعلامية، دنيوية وأخروية، هذا أقام موقعاً للأسرة العائلة عموماً، بفروعها، فهو يتابع أخبارهم ويتواصل معهم، ويتواصلون معه، صلة رحم عبر الشبكة، وآخر عنده مشروع توعية في مستشفيات، مراكز صحية، مصانع، سكن عمال، شركات، هذا اهتم بلوحة الفتاوى في المساجد، توجيهات الإرشادية في المدارس، المواقع التي فيها تجمعات، هذا يهتم برسائل البريد الإلكتروني ورسائل الجوال الدعوية، هذا يهتم بالنشر عبر الشبكة، ووضع الموضوعات النافعة في المنتديات، وهذا يقوم بأعمال ترجمة للمقالات، سواء ما كان منها مقالات العلم الشرعي، أو ما يتعلق بالأمور النافعة في قضايا إدارية طبية نفسية اجتماعية اقتصادية، الأشياء التعبدية على رأس المشروعات، لأنها تحيي القلب، علاقة بين الإنسان وربه، كان بعض السلف يختم كل القرآن في ثلاث ، عروة ابن الزبير كان يقرأ في كل يوم ربعاً، يعني ربع القرآن ، يقرأه من المصحف نهاراً ويقوم به ليلاً، فما تركه إلا ليلة قطعة رجله،

أحمد ابن حنبل كان يقرأ كل يوم سُبعاً، فيختم في كل سبع ليال، وهذا مشهور عن الصحابة، تقسيم القرآن إلى سبعة أجزاء، وليس إلى ثلاثين .

هنالك مشروعات اجتماعية، زواج أو إعانة عليه، أو دلالة، كفالة الأسر الفقيرة، ومساعدة المرضى وزيارتهم .

هنالك مشروعات دينوية تجارية : رجل افتتح متجرا صغيرا لقطع غيار وزينة السيارات، أصبح فيما بعد المشروع سلةً تضم 31 شركة أخرى، في أقل من 20 عاما، حجم المالي مئات الملايين من الدولارات .

كثير من الأعمال الضخمة والشركات الكبيرة كانت يوماً ما مشروعاً صغيراً، ماذا كان ((google جوجل قبل أن يكبر، محل صرافة يتحول إلى مصرف بنك، فوال يتحول إلى سلسلة مطاعم، أن قد تقوم بالمشروع وتضع خطته، أو تدل غيرك عليه، أو تهيئ له، هنالك مشروعات تطويرية، فيها تعلم مهنة، حرفة صنعة، هنالك أشياء تكون فيها صيانة وإصلاح، لكن المشاريع الإعلامية إذا وجِهت توجيهاً جيداً وانضبطت بالشرع، وهذا من أصعب الأشياء الالتزام بالإسلام في وسائل الإعلام، وقليلاً ما يحدث، قليلاً ما يتم الالتزام في الإسلام في وسائل الإعلام، نادراً ما تجد قناة منضبطة شرعاً، وكذلك الصحف والإذاعات ونحو ذلك .

لا يخلو مسلم من وجود نقطة تميزه وإبداع؛ هو متفوق فيه على غيره، لماذا لا تخرج هذه الإبداعات، لماذا لا ينتفع المسلمون بك، لماذا تبقى صغيراً وتموت كذلك، لماذا لا تعيش لأمتك، لماذا لا تعمل لنفسك وللآخرين، أين خصال التميز نقاط القوة؛ فليعمل على تلمسها، وصقلها، وتنميتها، وأن تستخرج الموهبة وتنمى، وأن لا تدفن المواهب والطاقات .

أسامة بن زيد: يقود جيشاً عرمرماً، وفيه كبار الصحابة، وكان لا يتجاوز عمره حينها العشرين عاماً.

وابنا عفراء: يتصديان لقتل فرعون هذه الأمة أبي جهل.. وحصل لهم ذلك .

وابن عباس ترجمان القرآن: كان مرجعية علمية وآية في الفهم على صغر سنه.

قال الشافعي رحمه الله: حفظت القران وأنا ابن سبع سنين، وحفظت الموطأ وأنا ابن عشر سنين.

وجدت طفلاً عمره خمس سنين، قد أتم حفظ القرآن، فاختبرته، فإذا هو يعرف مواضع الآيات في المصحف، فسألت أباه كيف حفظه؟  هذا الأب وضع في ذهنه هدف، تحفيظ ابنه القرآن، لما صار عمر الولد بلغ السنتين هيئ له غرفة صغيرة، فيها كل الألعاب يمكن أن يلهو بها ولد في هذا العمر، وجعل فيها مسجلاً يذيع القرآن باستمرار، ثم بعد مدة الولد يلعب ويسمع، كل القرآن، كم مرة ؟ أعاده عليه، الولد يلعب ويسمع، فلما تخطى الثلاث بدأ في تحفيظه، ما جاء خمس إلا وهو قد أنهى القرآن،

لا شك أن الناس قدرات، وأن هذا الطفل عنده ذاكرة قوية أصلاً، ولكن بدون التربية والتخطيط والمتابعة ووضع الخطة لن يحفظ، حتى لو كان نابغة في الحفظ، ولو أن شخصاً إذا دُعي إلى الحفظ يقول أنا ذاكرتي ضعيفة وأنا إمكانيتي العقلية محدودة، وأنا لا أستطيع، فإنه لن يستطيع، لا بد من نقطة البداية، وبعض الناس عندهم أفكار لتأسيس مشروعات، لكن يضع عقبات أو يتصور ويتوهم وجود عقبات غير موجودة، وأحياناً تكون صغيرة وهو يضخمها، وأحياناً تكون موجودة لكن لا يريد أن يتخطاها، لو كان عندك مشروع انقله لغيرك إذا كنت لا تستطيعه، ألم يقل النبي -صلى الله عليه وسلم- في الأعمال الفاضلة : ((تُعِينُ صَانِعًا أَوْ تَصْنَعُ لِأَخْرَقَ))، تعين صانعاً يستطيع العمل فتساعده، أو تصنع لأخرق لا يحسن وهو عاجز، فتصنع له .

 

كيفية اكتشاف المواهب وتوجيها :

يمكن اكتشاف موهبة الطفل وقدراته من خلال ميولاته من ناحية الألعاب، وهناك العاب ميكانيكية، وألعب رسمية، وألعاب فيها فك وتركيب، الألعاب فيها توجهات مختلفة

وقال ابن القيم رحمه الله : ومما ينبغي أن يُعتمد حالُ الصبي وما هو مستعد له من الأعمال ومهيأ له منها... فلا يحمله على غيره.. فإنه إن حمله على غير ما هو مستعد له لم يفلح فيه، وفاته ما هو مهيأ له.

فإذا رآه حسن الفهم، صحيح الإدراك، جيد الحفظ، واعياً، فهذه من علامات قبوله وتهيئه للعلم، فلينقشه في لوح قلبه ما دام خالياً، فإنه يتمكن فيه ويستقر ويزكو معه.

وإن رآه بخلاف ذلك من كل وجه، وهو مستعد للفروسية وأسبابها من الركوب والرمي واللعب بالرمح، وأنه لا نفاذ له في العلم، ولم يخلق له، مكنه من أسباب الفروسية والتمرن عليها فإنه أنفع له وللمسلمين.

وإن رآه بخلاف ذلك وأنه لم يخلق لذلك، ورأى عينه مفتوحة إلى صنعة من الصنائع مستعداً لها قابلاً لها، وهي صناعة مباحة نافعة للناس فليمكنه منها. "تحفة المودود" .

وعلماء المسلمين كانوا يقومون باكتشاف المواهب والطاقات:

والنبي -صلى الله عليه وسلم -كان إذا لفت نظره شخص بقدرة معينة وظفها مباشرة، فسمع صوت أبي مَحْذُورَةَ –وكان هذا في جاهليته قبل أن يسلم مغنياً- فقال له: ((اذْهَبْ فَأَذِّنْ عِنْدَ الْبَيْتِ الْحَرَامِ)) رواه النسائي وصححه الألباني.

ونظر سفيان الثوري إلى عيني وكيع بن الجراح وقال: ترون هذا الرؤاسي لا يموت حتى يكون له شأن. تفرس الإمام أبو حنيفة في أبي يوسف.

ومالك تفرس في الشافعي .

قال الشافعي: فلما أن سمع كلامي نظر إلي ساعة، وكان لمالك فراسة، فقال لي: ما اسمك.

فقلت: محمد.

فقال لي: يا محمد اتق الله واجتنب المعاصي، فإنه سيكون لك شأن من الشأن. "تاريخ دمشق" .

ما هي الأسس التي يقوم عليها أي مشروع:

أولاً : تحديد المشروع، اختيار المناسب، وهذه عملية دقيقة، ما هو الأفضل؟ ما هو الممكن، ما هو الذي تحتاج إليه الأمة، لا بد من سؤال أهل الخبرة والمربين .

ثانياً : الإعداد والتخطيط للمشروع، هذه المرحلة التي يتم فيها الإطار العام، والخطوات، ملخص المشروع، هدف المشروع، أهمية المشروع، الإنتاج المتوقع، خطة العمل، الإمكانات اللازمة . 

الثالث : تنفيذ المشروع، وعند الإنتهاء من التخطيط ورصد ما يحتاجه المشروع لا بد من الابتداء، وهذه من أهم المراحل .

رابعاً : تقييمه أثناء التنفيذ، لأنه قد يتعرض لمؤثرات خارجية، وقد يحصل عليه تطويرات مهمة أثناء التنفيذ، وبعد التنفيذ مقارنة النتائج النهائية بما كان قبل ذلك،حتى نعرف هل نجح ذلك أو لا .

كيف تبدأ المشاريع

 المشاريع عادة تبدأ بفكرة، والفكرة تأتي عن طريق التأمل أحياناً، أو اقتراح من شخص آخر أحياناً،

قال الإمام البخاري رحمه الله: " كُنْتُ عندَ إِسْحَاقَ بنِ رَاهْوَيْه، فَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: لَوْ جمعتُم كِتَاباً مختصِراً لسُنَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَوَقَعَ ذَلِكَ فِي قَلبِي، فَأَخذتُ فِي جمعِ هَذَا الكِتَابِ .

"الرسالة" للشافعي أول كتب أصول الفقه في الإسلام المعروفة صنفها بناءً على طلب من عبد الرحمن بن مهدي.

نيل الأوطار للشوكاني شرح منتقى الأخبار للمجد ابن تيمية ألفه بسبب مشورة من أحد شيوخه.

أحياناً المشروع يبدأ من كلمة تلتقطها أذن: الذهبي يقول عن شيخه علم الدين البرزالي:  "وهو الذي حبب إلي طلب الحديث، فإنه رأى خطي، فقال: خطك يشبه خط المحدثين،

فأثَّرَ قولُهُ فيَّ ". فصار من شيوخة المزّي،وسلك سبيل الجماعة، وأخذ عنه تلك البضاعة حديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم-  .

 محمد بن عوف يقول: كُنْتُ أَلعب بِالكرَة وَأَنَا حَدَث، فوقعت الكرَة في المسجد بالقرب من المعافى بن عمران –من العلماء المحدثين تجده في رجال الأسانيد، علم وعبادة- فدخلت لأَخذهَا.

فَقَالَ: ابْنُ مَنْ أَنْتَ؟

قُلْتُ: ابْن عَوْف بن سُفْيَان.

قَالَ: أَمَا إِنَّ أَبَاك كَانَ مِنْ إِخْوَاننَا، فَكَانَ مِمَّنْ يَكْتُب مَعَنَا الحَدِيْث وَالعِلْم، وَالَّذِي كَانَ يشبهك أَنْ تتبع مَا كَانَ عَلَيْهِ وَالِدك.

فَصِرْتُ إِلَى أُمِّي، فَأَخبرتهَا، فَقَالَتْ: صدق، هُوَ صَدِيْق لأَبيك.

فَأَلبستَنِي ثوبَا وَإِزَاراً، ثُمَّ جِئْت إِلَى المعَافَى، وَمَعِي محبرَة وَورق.

فَقَالَ لِي: اكتب: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيْلُ بنُ عَيَّاشٍ، عَنْ عبد رَبّهُ بنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: كتبت لِي أُمّ الدَّرْدَاء فِي لَوْحِي: اطلبُوا العِلْم صِغَاراً، تَعْمَلُوا بِهِ كِبَاراً، فَإِنَّ لِكُلِّ حَاصد مَا زرع.

فكان أول حديث سمعته.

فماذا كانت نتيجة هذا المشروع؟

المعافى قام بتوجيه إلى طفل، نتيجة العملية هذه، أنه هذا الرجل الذي كان طفلاً وكبر، وأخذ عن المعافى ابن عمران يقول عنه الذهبي : الإِمَامُ، الحَافِظُ، المُجَوِّدُ، مُحدثُ حِمْصَ، أَبُو جَعْفَرٍ الطَّائِيُّ، الحِمْصِيُّ .سير أعلام النبلاء .

يقول عنه أحمدَ بنِ حنبل: " مَا كَانَ بِالشَّامِ مُنْذُ أَرْبَعِيْنَ سَنَةً مِثْل مُحَمَّد بن عَوْف".

 وربما تأتي الفكرة ممَّن هو أقل منك شأنا، فلا تحقرن ذلك،

فهذا سليمان عليه السلام استفاد من خبر الهدهد في إقامة مشروع دعوي كبير نتج عنه إسلام ملكة سبأ: {رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}(النمل: من الآية44). وأخضع سليمان عليه السلام أمة في اليمن .

الكسائي من أئمة علم النحو المشهورين ذكر في كتابه :  أنه بدأ في طلب علم النحو ثم صَعُب عليه فهمّ بتركه، فاضطجع يوما فرأى نملة تتسلق على حائط، ومعها طعام تحمله، كلما صعدت سقطت، فتصعد وتسقط وتصعد وتسقط، حتى بلغت مرادها، قال : فأخذت من ذلك درساً، فكابدت فاستمر حتى صار إمامًا في النحو.

أحياناً مشروع عالم يبدأ من طريق مواقف محيرة تدفع إلى طلب العلم  

 شهد ابن حزم جنازة يوماً،  وهو شاب لم يطلب العلم، 26 سنة عمره ليس صغيراً

فدخل المسجد، فجلس ولم يركع.

فقال له رجل: قم فصلّ تحية المسجد .

 قال: فقمت وركعت.

فلما رجعنا من الصلاة على الجنازة دخلت المسجد – بعد العصر – فأردت أن أصلي تحية المسجد .

فقيل لي: اجلس ، اجلس ، ليس ذا وقت صلاة .

قال: فانصرفت وأنا حزين، وقلت للأستاذ الذي رباني: دلني على دار الفقيه أبي عبد الله بن دحُّون.

قال : فقصدته ، فأعلمته بما جرى، فدلني على موطأ مالك ، فبدأت به عليه ، وتتابعت قراءتي عليه وعلى غيره نحواً من ثلاثة أعوام ، وبدأت بالمناظرة  .

سيبويه إمام النحو كان في أول أمره يستملى على حماد بن سلمة، فلحن يوماً في المجلس، فرد عليه قوله.

فقال : لأطلبن علماً لا تلحنني فيه أبداً!

فطلب النحو ولزم الخليل بن أحمد حتى برع في النحو، وصار من أكبر أئمة النحو في العالم سيبويه، قيل أنه مات وعمره 32 سنة .

ما هو المشروع ؟

قد يكون إكمال لمشروع الغير، ربما لا تكون أنت بدأته من الصفر، لكنك أكملت مشروع غيرك، وهذا جيد وجميل، وفيه إحسان إلى الغير .

أبو بكر رضي الله عنه جمع القرآن، في ألواح وجلود وسعف، فجاء عثمان رضي الله عنه فجعلها في مصحف واحد، فكتب الخط العثماني .

كتاب "المجموع" للنووي رحمه الله بدأ في تأليفه في "شرح المهذب"، وسكب فيه علمه، حتى قال ابن كثير: لو قدر الله له إتمامه لكان كتاباً في الأحكام لم يؤلف مثله.

لكن النووي رحمه الله توفي في الأربعينات، كل هل الكتب هذه في الأربعينات، لما توفي ما أكمل كتاب المجموع،وصل إلى باب الربا.

فجاء تقي الدين السبكي وأكمل كتاب المجموع للنووي من باب الربا إلى التفليس، ومات ولم يتمه، فجاء الشيخ محمد نجيب المطيعي فأكمل الكتاب إلى آخره .

تفسير الجلالين لماذا سمي بتفسير الجلالين :  جلال الدين المحلي ابتدأ تفسيره من أول سورة الكهف، إلى آخر القرآن، ثم ابتدأ بتفسير سورة الفاتحة فمات بعد أن أتمها .

ثم جاء جلال الدين السيوطي فكمل تفسيره فابتدأ بتفسير سورة البقرة على نهج المحلي، وانتهى عند آخر سورة الإسراء وأتم التفسير، وسمي بتفسير الجلالين .

أضواء البيان العلامة محمد الأمين الشنقيطي بدأه، وانتهى إلى آخر سورة المجادلة  فأتمه أحد تلاميذه .

أبو جعفر المنصور كان له اهتمام ببناء الحصون على الثغور.

قال ابن العديم : " اهتم بعد بني أمية بأمر الثغور أمير المؤمنين أبو جعفر المنصور فعمرها وحصّنها وقواها بالجند وشحنها، وتمم المهدي ما شرع فيه أبو جعفر، وفعل مثله هارون الرشيد وأكثر ". بغية الطلب في تاريخ حلب .

كان الملك نور الدين زنكي رحمه الله يرجو أن يكون استنقاذ بيت المقدس من أيدي النصارى الصليبيين، و أعد منبراً عظيما للمسجد الأقصى تمهيده لإدخاله إليه إذا استولى المسلمون على القدس، وبدأ رحلة الجهاد متفائلاً بوضع هذا المنبر في ذلك المكان، مع بعد المسافة، والجهد الكبير الذي يتطلبه هذا المشروع، حتى يضع هذا المنبر في ذلك المسجد، ولكن مات نور الدين رحمه الله الشهيد قبل تمام هذه الغاية ، فكتب الله تعالى استعادة القدس على يدي رجل من أتباعه وهو القائد صلاح الدين الأيوبي رحمه الله، وأوتي بمنبر نور الدين من حلب إلى القدس ووضع في بيت المقدس في المسجد الأقصى .

الأمير سودي بن عبد الله الناصري شرع في وصول نهر الساجور إلى حلب، واجتهد في ذلك وحفر غدرانه، وفتح له أخدوداً طوله أربعون ذراعاً، وصرف عليه نحو الثلاثمائة ألف درهم، من ماله الخاص أكثرها، فأدركته المنية، ومات قبل فراغه في سنة (714) هـ،. فجاء بعده الأمير أرغون الكاملي وأتمه، وجرى الماء في ذلك المجرى.

قد يشترك أكثر من شخص في عملاً واحد

 فتاوى ابن تيمية هذا المجموع الذي بين أيدينا الآن، عمل عليه الشيخ عبد الرحمن بن قاسم وابنه محمد، حتى تم مجموع فتاوى شيخ الإسلام .

وسافر الشيخ عبد الرحمن بن قاسم إلى بلدان ( من نجد إلى مكة، العراق، سوريا، لبنان، مصر، باريس ) لجمع مخطوطات شيخ الإسلام ابن تيمية، حتى أخرجا لنا هذا السفر العظيم .

كيف تختار المشروع المناسب

1-قف مع نفسك وخذ بعض الوقت للتفكير.

2- لا بد من مراجعة وتركيز، في إحصاء الخبرات والقدرات والمواهب اللازمة، ماذا لديك منها؟ لغة ثانية، علاقات عامة، خبرة في مواقع .

3-اسأل نفسك: لو أُعطيتَ المال الذي تحتاجه بحيث لم يعد المال عائقاً، وكذلك الوقت، فماذا ستفعل؟

4- ما هو النشاط أو العمل الذي تجد سعادة فائقة وأنت تؤديه، ولو أعطيت الفرصة ليصبح مشروعك ستعمل بدون ملل .

5- حاول أن تتميز بشيئاً يفيد نفسك والآخرين، ثم ابحث وأسأل واقرأ ولا تعتمد على حماسك فقط، ثم أبدا مع صاحب مشروع قائم وخبرة وإمكانات جاهزة، لتعلم أسرار المهنة، واربط نشاطك وأهدافك بالدين، واصدر عنه ولا تتحرج من طلب مساعدة الآخرين وتذكر دائماً ((إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى)) .

وكل إنسان يتميز بأشياء، فتحسس ماذا يمكن أن تتميز فيه، وقارن ووازن بين الفرص والخيارات الممكنة، وفي كل مشكلة فرصة، بل قالوا : الأزمات تصنع الثروات .

أبحث عن الحلول والبدائل، في أي عقبة تواجهه، ولا تيأس، وانظر إلى الحياة على أنها سلسلة من الفرص واستثمرها، هناك أمور ثلاثة في غاية الأهمية، الوضوح والتركيز والانضباط، وهذا معناه : الاستمرار في العمل، الوضوح والتركيز، والانضباط .

إذا أردنا أن نتعرف على بعض الضوابط والتنبيهات المهمة في اختيار المشروعات، أولاً يجب عدم إغفال الجانب التعبدي، هذا هو المحمس للمسلم، أنه يستشعر طيلة عمله في تنفيذ المشروع أن هذه عبادة، ويتوكل على الله في ذلك، ويرجو منه الأجر، وهذا المحمس الأكثر، وعندما تعرف أن هذا المشروع يقربك إلى الله أكثر، ستزداد حماسة له، ولذلك لا بد أن تعرف مشروعية المشروع، هل هذا المشروع مشروع شرعاً، وكما نضع دراسات جدوى اقتصادية وجدوى فنية، ودراسة جدوى اجتماعية، فلا بد أن نعرف ما هي الجدوى الأخروية، لا يمكن لعاقل أن يبدأ مشروعاً وهو لا يقربه من الله ولا يفيده في الآخرة، ولو كان مشروعاً دنيوياً إذا حسنت فيه النية، استفدت منه في الآخرة .

لو أراد شاب أن يقدم على مشروع نكاح، فلا بد أن يعرف المعايير في الاختيار، فقد قال -عليه الصلاة والسلام- : ((تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ لِأَرْبَعٍ: لِمَالِهَا، وَلِحَسَبِهَا، وَجَمَالِهَا، وَلِدِينِهَا، فَاظْفَرْ بِذَاتِ الدِّينِ تَرِبَتْ يَدَاكَ)) رواه البخاري ومسلم .

البعد التعبدي في المشاريع في غاية الأهمية، وحتى لو كان المشروع ظاهره دنيوياً، كمشروع الزواج، لكنه ينطوي على فوائد عديدة شرعياً، إعفاف النفس، وإعفاف الزوجة، وابتغاء الولد، وأجر الإنفاق عليه وعلى أمه، وابتغاء الأجر بعقد الروابط في علاقة الصهر التي ستنشأ بينك وبين الأسرة الأخرى، وما يتفرع عن ذلك من الإفادة، {وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ}(البقرة: من الآية187). في الولد، ليكون من بعدك صالحاً يدعو لك، ثم حتى الشهوة في الوطء ((وفي بضع أحدكم صدقة)) .

الذي يفكر في مشروع اقتصادي، كتأسيس مؤسسة، شركة، تُدِر ربحاً، الذي عنده مشروع إعلاني، كإنشاء صحفية، أو قناة، أو موقع، لا بد أن يكون له جانب تعبدي في الموضوع .

ماذا سأعمل من خلال هذا في خدمة الدين والشريعة والتقرب إلى الله، هل سأنشر علماً، أو أُنكر منكراً، أو سأقيم معروفاً، سأحارب رذيلة، أو أتعاون على البر والتقوى مع الآخرين، ماذا سأحقق في هذا الموضوع، تعريف أناس بالإسلام، تثبيت مسلمين على الإسلام، رد وصد أعداء الدين، هذا الجهاد بالقلم، والجهاد الإعلامي، أحدامكنلبايختانيلبمكاتنباني

ماذا سنفعل، ما هو البعد الأخروي في المشاريع الاجتماعية، كثير، يمكن أن يكون هنالك في نشاطات الأسرة وجمعيات النفع العامة المختلفة الاجتماعية، سواء كانت للأيتام، أو صالة أفراح خيرية، ونحو ذلك، يمكن أن يكون فيها أبعاد من الأجر والثواب، ورجاء ما عند الله في الآخرة .

ثانياً: قضية مراعاة الإمكانات المتاحة هو أمر مهم، حتى لا تصبح قضية مجرد أحلام، ماذا يوجد لديك من الوسائل اللازمة، لتحقيق الغاية، لو كان المشروع تجارياً، ما هو رأس المال الذي لديك، لو أردت أن تبحث عن وظيفة، ما هي الشهادة والخبرة التي لديك، وهكذا يمكن أن تصل من خلال معرفة ما بيدك، أو ما تستطيع أن تطور فيه نفسك وترتقي بها، لتحصل على موارد لهذا المشروع، ويجب الحذر من إهدار المواهب وتجميده، لأن بعض الناس يضع أشياء على الرف، وكان بالإمكان أن يستغل هو وغيره، ونعرف قصص مؤلمة، بعض الناس أراد أن ينشئ قناة إسلامية، وجمع لها أموال، ثم توقف المشروع، لا هو أكمله، ولا أعطاه لغيره ليكمله، ولا زال المال محبوساً، وربما تغري النفس صاحبها في استثماره في صفقات أسهم تنتهي بخسارة كبيرة في الدين والدنيا .

المشروع الملائم هو الذي يستخرج الطاقة الكاملة من الإنسان، يعني يشغله، والله جعل في الإنسان مواهب، أشياء كثيرة تستخرج بهذه الأعمال، وقد قال -عليه الصلاة والسلام- : ((اكْلَفُوا مِنْ الْأَعْمَالِ مَا تُطِيقُونَ)) . وهذه قضية مهمة في المشاريع، تحملوا ما تطيقون على الدوام والثبات، ادرسوا القضية على المدى البعيد، بحيث لا تضطر للتوقف، لا تعمل أحياناً وتترك أحياناً، لا بد أن يكون عملك ديمةً، وإذا اكتشف الإنسان أنه لا يستطيع، يمكن أن يتعاون مع غيره أو يوكل المشروع إلى غيره .

يُحكَى عن الخليل بن أحمد الفراهيدي رحمه الله – وهو من أهل بحور الشعر -  قال: كان يتردُّدُ إليَّ شخص يتعلَّم العَروض وهو بعيد الفهم، فأقام مدة ولم يَعلَق على خاطره شيءٌ منه.- ما تعلم ولا شيء من العلم، ما أمكنه .

فقلت له يوماً: قَطِّع هذا البيت: - هات مفاعل وفعول  -.

إِذا لَم تَستَطِع شَيئاً فَدَعهُ
     

 

وَجاوِزهُ إِلى ما تَستَطيعُ

 

فشرع معي في تقطيع البيت على قدر معرفته، ثم نهض ولم يَعُد يجيء إليّ، فعجبتُ من فطنته لِمَا قصدتُهُ في البيت مع بُعد فهمه.  يعني فهم المقصود مع أنه لم يكن ذا فهم عميق .

ثالثاً : أعرف ما يناسبك من المشاريع، المشاريع متنوعة وكثيرة، {قد عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ}(البقرة: من الآية60) {وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا}(البقرة: من الآية148).

المشروع الملائم، الملائم للإنسان، الملائم لوضعه، هل هو أعزب أو متزوج، هذا يؤثر كثيراً في اختيار المشروع، هل أموره المالية متيسرة أم أنها متعسرة، طبيعة النظام في المكان الذي يعيش فيه، معرفة الشخص ما يصلح له، يساعد كثيراً على إنجاح المهمة، لما علم يوسف عليه السلام من نفسه القدرة على القيام بالولاية طلبها، {اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ}(يوسف: من الآية55)

بينما منعها الرسول عليه الصلاة والسلام أبا ذر من التولي، ولا يتأمر على اثنين، ولا يتولين مال يتيم. مع أن أبا ذر رضي الله عنه كان عنده أعمال ومجهودات كثيرة .

سياسة الناس، وقيادة الناس مهارة، قد يكون آية في العبادة، قد يكون آية في العلم، لكن لا يصلح في قيادة الأشخاص .

 صحابة رسول -عليه الصلاة والسلام-  يتميزون بعضهم عن بعض، هذا يتميز في العلم، وهذا يتميز في الجهاد، وهذا يتميز في بعض فنون العلم، هذا في القضاء، هذا في المواريث، هذا في قراءة القرآن، منهم من تميز في العطاء والصدقات والأعطيات المالية، ومنهم من تميز بالقدرة على جمع المال وتفريقه، منهم من تميز بالولاية والإمارة، منهم من تميز في القضاء، منهم من تميز حتى في بناء المسجد، طريقة البنيان، منهم من  تميز بصوته في الأذان، ومنهم من تميز بإقراء القرآن، ومنهم من تميز بالحفظ، ومنهم من تميز بأذكار تفيد المسلمين في جهادهم،منهم من كان حسن الرأي، يشير، والصدقة بالآراء من أعظم الصدقات .

رابعاً : يجب أن يكون المشروع الذي تسعى لتحقيقه مناسباً للزمن الذي قدّرته لإنجازه، لأن من أخطر مقاتل المشاريع الجيدة عدم توفر الوقت الكافي لتحقيقها، كمن يريد الحصول على شهادة جامعية في الطب خلال عام واحد، وهناك من يسرف ويبذر في المقابل، فالجامعة 5 سنوات يأخذها في 8 . لماذا ؟

تسألني أم الوليد جملا   يمشي رويداً ويأتي أولا

إذا ما اجتهد لن يصل بسرعة، وهناك خسارات عظيمة في الوقت، لا تقدر بقيمة، وهي أعظم من خسائر الدراهم والدنانير .

خامساً : مر معنا أن المشروع يجب أن يكون مشروعاً شرعاً، ولا تضيق الحياة إلا على العاجزين، لم يعدم يونس عمل في بطن الحوت، حتى وهو بطن الحوت، فكان من المسبحين، من قبل ومن المسبحين في بطن الحوت .

من المشاريع ما يجوز أن يتصدى الإنسان لتحقيقه وإنجازه، ومنهم ما لا يجوز أن حتى أن يفكر فيه، فهناك مشاريع سرقات وإجرام ومخدرات وعصابات، والسعي لكسب المال، يجب أن يكون من وجوه مشروعه، تجارة زراعة صناعة، يجب البعد عن الغش والرشوة والاحتيال والربا، والبيع الحرام، وبعض الناس عندهم مشاريع مالية يدخلون فيها لكن فيها كثير من المحرمات، وبعضهم يريد أن يغش في الدراسة، ليأخذ الشهادة، ومنهم من عنده شهادة مزورة أصلاً، ومنهم من  يخطط ليكون فناناً موسيقياً، مطرباً، أو ممثلاً، ويقول أحدهم لا أريد من الدنيا سوى أن أنال جائزة أفضل موسيقار ثم أرحل .

هذا هو الهدف؟ بعض الناس سبحان الله ما فيه هدف أو فيه هدف محرم، قد يكون بعض الناس لديهم هدف لكن تافه، زوجته طلبت منه الطلاق في النهاية، لأن تخصصه الدقيق كان في علم الصراصير، وكان مصراً على فتح الموضوع بتفاصيله في كل زيارة عائلية يقومان بها . فما عادت تطيق ذلك .

ومن طريف ما يروى أن رجلاً جاء إلى أبي عبيد القاسم بن سلاَّم رحمه الله – هذا من كبار أئمة الحديث واللغة، وهذا رجل جاء من بعيد وضرب مشوار لأبي عبيد، قطع النهر، استأجر القارب -  فسأله عن الرَّباب فقال: هو الذي يتدلى دون السحاب. - هو الغيم الذي يتعلق بالسحاب من تحته يضرب إلى لون السواد هذا يسمى في اللغة العربية بالرباب -

وأنشده بيتاً من الشعر شاهداً على هذا المعنى :

كأن الرَّبابَ دُويْنَ السحابِ ... نَعامٌ تعلَّقُ بالأرجل

فقال: لم أُرِدْ هذا.

فقال: الرباب اسم امرأة – وفيه من الصحابيات- وأنشده شاهداً من الشرع على أن الرباب يستعمل كاسم امرأة :

إن الذي قسم الملاحةَ بيننا ... وكسا وجوه الغانياتِ جمالا

وهبَ الملاحةَ للرباب وزادها ... في الوجه من بعد الملاحةِ خالا

فقال  الرجل: لم أُرِدْ هذا أيضاً.

ففكر أبو عبيد، ماذا يريد هذا ؟ فقال: عساك أردت قول الشاعر:

رباب ربة البيت ... تصب الخل في الزيت

لها سبع دجاجات ... وديك حسن الصوت

فقال: هذا أردت.

هذا أردت، هذا نشيد أطفال.

فقال: من أين أنت؟.

قال: من البصرة.

قال: على أي شيء جئت، على الظهر أو في الماء؟

قال: في الماء.

قال: كم أعطيت الملاح؟

قال: أربعة دراهم.

قال: اذهب استرجع منه مالك وقل له: لم تحمل معك شيئاً، فلما تأخذ مني الأجرة ؟ .

سادساً : يجب أن يكون المشروع محدداً وواضحاً، لا غموض فيه ولا لبس، لأن عدم تحديد الهدف أو عدم وضوحه يجعل الإنسان غير قادر على الوصول إلى يريد .

يقول أحد الغربيين (ريدير كلينج): "عندي ستة من الخدام الأوفياء عنهم أخذت، كل ما أعلم من العلوم وهذه أسماؤهم : ماذا ؟ لماذا ؟ متى ؟ كيف ؟ أين ؟ من ؟ ". 

ماذا تريد من هذا العمل؟

لماذا تريده؟

لماذا : يحدد لك الهدف

ماذا : تعريف المشروع

متى : المدة ووقت البداية

كيف : الآليات ووسائل التحقيق

أين : مكان المشروع

من : الذين ستحتاجهم لتستعين بهم .

وهكذا تكون هذه الأسئلة، لماذا وماذا ومتى وكيف، وأين ومن؛ من الأدوات المهمة جداً في الوصول إلى النتيجة .

فالذي يريد أن إيجاد بديل لعمله الوظيفي، يحتاج أن يخطط كثيراً وبإتقان، وقد تحتاج المسألة، إلى قراءة، وإلى اطلاع، وإلى بحث، وإلى استشارة، حتى يصل إلى تحديد واضح لما يريد .

سابعاً : يجب أن يكون المشروع الذي تسعى لتحقيقه محتاجاً إليه، وأولى بالعمل من غيره، وهذه قضية مهمة، حتى لا يكون للشيطان مدخل في الخداع بتحويل الإنسان من الفاضل إلى المفضول، ومن الأعلى إلى الأدنى، وبعض الناس حتى على مستوى البنيان عندهم عجائب، فيمكن أن يسعى في بناء استراحة، وينفق عليها أموال طائلة، وهو ما عنده بعد بيت يسكن فيه، فتترك منزلاً تستعمله 6 أيام في الأسبوع لتبني استراحة تقضي فيها يوماً أو بعض يوم  .

هواية جمع الطوابع، ما هي الفائدة منها، محدودة جداً .

والأوليات قضية مهمة، تحديدها مهم جداً، الاختلال فيها يؤدي إلى إخفاقات،

إِذا غامرتَ في شرفٍ مرومِ

 

 

فلا تقنعْ بما دونَ النجومِ

 

الوقت سيذهب، العمر هذا ما يجيء إلا مرة واحدة، الحياة فرصة واحدة، ولذلك لا بد أن تسعى لتحقيق ما يمكن تحقيقه في هذه المدة .

الثامن : من عوامل النجاح في المشاريع الكتمان، والمحافظة على إنجاح هذه الحاجة، وقضاءها بذلك، ومن عجز عن حفظ سره، فلا يلوم غيره إذا أفشاه .

وكم من المشاريع ضاعت فشلت سرقت، بسبب عدم الكتمان، قد تكون الفكرة في الخير فلا يضرك إذا أخذها غيرك .

تاسعاً: المبادرة، إن هممت فبادر، وإن عزمت فثابر، وأعلم أنه لا يدرك المفاخر من رضي بالصف الآخر،

إذا كنت ذا رأي فكن ذا عزيمة

 

 

فإن فساد الرأي أن تترددا

 

وإن كنت ذا عزم فأنفذه عاجلاً

 

 

فإن فساد العزم أن يتقيدا

 

يقول ابن القيم رحمه الله :

فَبَادِرْ إذًا مَا دَامَ فِي العُمْرِ فُسْحَةٌ

 

 


وَعَدْلُكَ مَقْبُوْلٌ وَصَرْفُكَ قَيِّمُ

 

وَجُدَّ وَسَارِعْ وَاغْتَنِمْ زَمَنَ الصِّبَا

 

 

فَفِي زَمْن الإمْكَانِ تَسْعَى وَتَغْنَمُ

 

عاشراً : وضع الخطة كما تقدم، وهذا مفترق الطريق بين الجادين والهازلين،  أي واحد يأتي إليك يدعي أنه سيفعل كذا قل له : هات خطة العمل، يتبين لك الجاد من المدعي كذباً.

من أراد أن يتوظف في وظيفة يقال له : أعرض لنا ما هي نظرتك في القيام بعملك في هذه الوظيفة، يتبين أهل الجد والعزائم، بقضية وضوح الخطة في العمل،

التي تبين تصورهم الحقيقي للعمل، أو التصور لحقيقة للعمل، والتخطيط إذا كان يحتاج لوقت في البداية فإنه يوفر وقت كثيراً بعد ذلك، وكل دقيقة تنفق في التخطيط، توفر ثلاث أو أربع دقائق في التنفيذ، ومن أمثلة ذلك المخططات المعمارية، كلما كانت دقيقة وأنفق عليها وقت أطول، كلما كانت مريحة أكثر وتوفر وقت ومالاً أكثر في التنفيذ، ومن جرب عرف .

وإنفاق سبع ساعات في التخطيط الجيد والذي ينجم عنه وضوح الأهداف وترتيب الأولويات قد يكون أفضل من إنفاق سبع أيام في العمل دون تحديد الأهداف ودون ترتيب الأولويات .

مشكلة التسويف والبطالة، هي من الأمراض المستعصية، وكثيراً ما هدمت المشاريع، وما أكثر الذين يقعون تحت طائلتها

إذَا تَمَنَّيْتُ بِتُّ اللّيْلَ مُغْتَبْطَاً

 

 

إنَّ المُنَى رَأْسُ أَمْوَالِ المَفَالِيسِ

 

فمن يضع له مشروعاً فلا بد أن يكون جاداً في البداية ، لا بد أن يكون جاداً في العمل، ومن أراد أن يألف كتاباً، لا بد أن يحدد الموضوع، يطلع على المصادر، يضع المخطط، كما هو معلوم في كل بحث، في المدرسة، في الجامعة، إذا كان المشروع تجارياًَ، فلا بد من وضع الجدوى الاقتصادية، هذا في التخطيط مهم جداً، هذه المعلومات في غاية الأهمية، تحليل المعلومات ودراسة مخاطر المشروع، أيضاً قضية مهمة للغاية .

مدى النجاح، ما هي الأرباح المتوقعة والخسارة، ما هي قابلية السوق المحلي لهذا لمنتج ونحو ذلك .

مشاريع الدنيا والدين، لا بد فيها من الدراسة والتخطيط وتحديد الأهداف والوسائل، الناس ينقسمون في هذه القضية إلى طرفين ووسط، في قضية التخطيط، فأهل الغلو الإفراط يغرقون في التنظير والتخطيط، حتى تمر الأيام والشهور والسنوات، وما زالوا في تخطيطهم، ولذلك بعضهم يقول لك، إذا قلت ما بنيت البيت؟ يقول : المخططات شغال فيها عشر سنين، هل هذا يعقل، هل هذا عقل ؟

في المقابل، أهل الإفراط والإضاعة ما عندهم تخطيط أبداً، اقتحم وستتضح لك الأمور، كيف ستتضح لك الأمور، في الوقت المناسب؟ فذلك يكثر عندهم الفوضى والتخبط .

1.    توفير المعلومات اللازمة.

2.    كيفية إدارة المشروع.

3.    تمويل المشروع.

4.    تقويم وتحسين مستمر.

5.    عناصر القوة والضعف ودراسة المخاطرة.

6.    الحاجة لهذا المشروع.

7.    فرص النجاح والإخفاق في المخاطر .

أحياناً يحتاج إلى اختيار اسم، حتى لو كان كتاب، هو يحتاج إلى مؤلف، المؤلف يحتاج إلى عنوان، ثم عدم الإصرار على المشاريع إذا فشلت، أو تبين بوادر الفشل، وأن لا يثق الإنسان بنفسه بل يثق بالله -عز وجل- ، وبعض الناس يريدون أن يكرروا تجارب غيرهم الناجحة فيسيؤون إليهم وإلى أنفسهم .

جاني مرة رجل، قال : أنا كنت في تجارة، وأنعم الله بها علي، ومشت أموري جيداً، في قطع غيار السيارات، ومحل يدر علي شهرياً فوق مصاريفي ومصاريف أهلي وأولادي وعائلتي بمراحل، لما رأى الآخرون نجاح المشروع، كل الجيران والشارع تحول إلى محلات قطع غيار سيارات، ففشل المشروع وتعثر، وخسر وفقدت أكثر رأس مالي، وصرت الآن في مرحلة الفقر، لماذا ؟ بعض الناس حسداً، وبعض الناس غباء، وبعض الناس مجرد مقلد، وفي الحقيقة أن جهات الحسبة ينبغي أن تنظم مثل هذا الأمر، ولا تسمح بفتح محلات تضر بأشخاص سبقوا في العمل، لأن النبي -عليه الصلاة والسلام- قال : ((لا ضرر ولا ضرار))، فأما إذا صارت المحسوبية والواسطة هي التي تقرر هل يفتح هنا أو لا يفتح فهذه كارثة .

ليس بالضرورة أن ينجح معك المشروع الذي نجح مع غيرك، وأحياناً تجد صف من الباعة، مطاعم في شارع واحد، واحد عليه زحمة والثاني ما عنده أحد .

{إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ} (الذريات:58) .

الحادي عشر : لا بد أن يكون هناك مرونة، وحدود دنيا وحدود عليا، إمكانية التراجع، المشروع ممكن يكن مقسم لعدة مراحل، ممكن المشروع هذا يبنى جزئياً، يعني يبنى جزء ويستفاد منه، ثم يبنى جزء ثالث ويستفاد منه، وهذه المرونة مهمة، حتى إذا ما استطاع أن يكمل المرحلة الثانية فهو مستفيد من المرحلة الأولى، لأن بعض الإجراءات التي تعمل في المشاريع، لا يمكن الاستفادة من المشروع في مرحلتة الأولى، أما أن تتم المرحلة الثالثة وإلا لن يستفاد من الأولى والثانية، فتفضّل المشاريع التي يمكن أن يستفاد منها في المرحلة الأولى ثم الثانية فتزداد الاستفادة، ثم الثالثة فيكتمل المشروع.

 لا بد أن يكون هنالك إصرار على إكمال المشروع، وهذه قضية تحتاج إلى عزم، إصرار، صلابة، استمرار

وإذا ألحَّ عليك خَطبٌ لا تَهُن    واضرب على الإلحاح بالإلحاح

العلماء أنفقوا أشياء طائلة لأجل الوصول إلى مبتغاهم 

شعبة بن الحجاج قال: بعت طستَ أمي بسبعة دنانير... وذلك لتحقيق مشروعه في طلب الحديث.

معين والد يحي بن معين المحدث الكبير خلَّف لابنه ألف ألف درهم –مليون-، فأنفقه كله على الحديث، حتى لم يبقَ له نعلُ يلبسُهُ.

* الحافظ محمد بن سَلاَم البِيكَندِي رحمه الله تعالى أنَّه قال: أنفقتُ في طلب العلم أربعين ألفا، وأنفقتُ في نشره أربعين ألفا.

فلابد من الاستمرار.

وَمَا كُلّ هَاوٍ للجَميلِ بفاعِلٍ

 

 

وَلا كُلّ فَعّالٍ لَهُ بِمُتَمِّمِ

 

 

 

لإتمام المشروع فرحة خاصة، الحافظ ابن حجر العسقلاني ابتدأ في تأليف كتاب يشرح فيه صحيح البخاري، وابتدأ في سنة 817 هـ وانتهى منه 842 هـ . كم سنة؟ 25 سنة .

لما أتم الكتاب "فتح الباري" بعد خمس وعشرين سنة، رحلة مضنية في جمعه وتنقيحه، وتصنيفه، يعني لا شك أنها كانت فرحة خاصة،  وعُملت وليمة عظيمة.

قال تلميذه السخاوي: "وكان يوماً مشهوداً، لم يعهد أهل العصر مثله، بمحضر من العلماء والقضاة والرؤساء والفضلاء، وأُنفقت فيه أموال لوجوه الخير .

أسباب فشل المشاريع

أولاً : اليأس والاستسلام، النبي -عليه الصلاة والسلام- قال : ((إِنْ قَامَتْ السَّاعَةُ وَبِيَدِ أَحَدِكُمْ فَسِيلَةٌ -النخلة الصغيرة- فَإِنْ اسْتَطَاعَ أَنْ لَا يَقُومَ حَتَّى يَغْرِسَهَا فَلْيَفْعَلْ)).  رواه أحمد وهو حديث صحيح .

لا تيأس، لا تنهزم، لا تتوقف .

قيل أن نابليون سُئل: كيف استطعت أن تولد الثقة في نفوس أفراد جيشك.؟!.

فأجاب: كنت أرد على ثلاث بثلاث..

من قال: لا أقدر. قلت له: حاول.

من قال: لا أعرف، قلت له: تعلَّم.

من قال: مستحيل، قلت له: جرب.

ثانياً : التشتت، كثير من الناس يبدؤون في مشاريع ويتوقفون ولا يتمون، يفتح مشروع ثاني ولا يتمه، وينتهي بمشروع ثالث،

ومُشتَّتِ العَزَماتِ يقضي عُمْره

 

 

حيرانَ لا ظفرٌ ولا إخفاقُ

 

وبعض المصنفين، بدأ في عدة مشاريع ومات رحمه الله قبل أن يكمل أي واحدة منها أو أكثرها .

ثالثاً : العجز والكسل، العجز عن القدرة أصلاً، الكسل : عنده قدرة بس ما فيه همة للفعل تبعث على العمل . ولذلك كان -عليه الصلاة والسلام- يستعيذ منهما : ((اللهم إني أعوذ بك من العجز والكسل)).ولما قال ((احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ، وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ، وَلَا تَعْجَزْ، وَإِنْ أَصَابَكَ شَيْءٌ فَلَا تَقُلْ: لَوْ)) رواه مسلم .

الذُّلُ في دعةِ النفوسِ ولا أرى

 

 

عزَّ المعيشةِ دون أن يُشْقى لها

 

لا بد من تعب ، وقالوا من تعطل تبطل.  

إياك والكسل والضجر ، فإنك إن كسلت لم تؤد حقاً، وإن ضجرت لم تصبر على الحق.

فيه زواج حصل معنوي:

إن التواني أنكح العجزَ بنتَهُ

 

 

وساق إليها حين أنكحها مهراً

 

فراشاً وطيئاً ثم قال لها: اتكي

 

 

فغايتكما لا شك أن تلدا الفقرا

 

يعني لا بد من بذل أشياء، صحيح النفس تسعى للراحة، لكن لا بد من الإنسان أن يكابد

 

دَبَبْتَ للمجدِ والسَّاعُونَ قَدْ بَلَغُوا

 

 

جُهْدَ النُّفُوسِ وَألْقَوْا دُونَهُ الأُزُرَا

 

فكابَرُوا المَجْدَ حتَّى مَلَّ أَكثَرُه

 

 

وعَانَقَ المَجْدَ مَنْ أَوْفَى وَمَنْ صَبَرا

 

 

لا تَحْسَبِ المَجْدَ تَمْراً أَنْتَ آكِلُهُ

 

 

لَنْ تَبْلُغَ المَجْدَ حَتَّى تَلْعَقَ الصَّبِرَا

 

رابعاً : التأجيل والتسويف، وهذا أيضاً يؤخر ، قال بعض السلف: أنذرتكم " سوف "، جند إبليس منهم سوف .

وقالوا إن يومَ العاجزينَ غَــدُ .

يقول أن أحد العلماء سأل طالباً جاءه من السفر، قال متى قدمت البلد؟ فبدل أن يقول قدمت البارحة، قال قدمت غداً، قال : أنت لا تزال في الطريق .

واترك منى النفس لا تحسبه يُشبِعُهَا     إنَّ المُنى رأسُ أموال المفاليسِ

فبعض الناس يعيش على أماني، وهو عاجز كسول، في رقدة الغفلة .

خامساً : إساءة التعامل مع الأوقات، وهذه نبهّ إليها النبي -صلى الله عليه وسلم- بقوله : ((نِعْمَتَانِ مَغْبُونٌ فِيهِمَا كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ)).

فلا يجوز للإنسان الذي يعرف شرف زمانه وقدر وقته أن يضيعه .

 سابعاً : الفوضوية في العمل والتخطيط، وهذه تمت الإشارة إليها

وَعاجِزُ الرَأيِ مِضياعٌ لِفُرصَتِهِ       حَتّى إِذا فاتَ أَمرٌ عاتَبَ القَدَرا

الارتجالية، لا تأتي بالنتيجة .

ثامناً: ضعف الحافز، والحافز منه داخلي، ارتجاء أجر من الله، ثواب في الآخرة، ما يكون له عند ربه، وما يكون أيضاً في الدنيا من المنفعة للناس وله هو، وأحياناً يكون حافز مادي لكن لأجل شيء أخروي.

قال علي بن عاصم حافظ العراق : دفع إليّ أبي مائة ألف درهم، وقال: اذهب، فلا أرى لك وجهاً إلا بمائة ألف حديث.

حافزٌ قوي .

{وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا}(آل عمران: من الآية145).

تاسعاً : عدم احتقار النفس، مهم، لأن بعض الناس يستهين بالقدرات، وذلك لما بدأ ابن العباس رضي الله عنه يطلب العلم جاء واحد مثبط، فَقَالَ: وَا عَجَبًا لَكَ يَا ابْنَ عَبَّاسٍ، أَتَرَى النَّاسَ يَحْتَاجُونَ إِلَيْكَ، وَفِي النَّاسِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ تَرَى.

فَتَرَكَ ذَلِكَ، وَأَقْبَلْتُ عَلَى الْمَسْأَلَةِ .

فَإِنْ كَانَ لَيَبْلُغُنِي الْحَدِيثُ عَنْ الرَّجُلِ فَآتِيهِ وَهُوَ قَائِلٌ، فَأَتَوَسَّدُ رِدَائِي عَلَى بَابِهِ، فَتَسْفِي الرِّيحُ عَلَى وَجْهِي التُّرَابَ، فَيَخْرُجُ فَيَرَانِي، فَيَقُولُ: يَا ابْنَ عَمِّ رَسُولِ اللَّهِ مَا جَاءَ بِكَ، أَلَا أَرْسَلْتَ إِلَيَّ فَآتِيَكَ.

فَأَقُولُ: لَا أَنَا أَحَقُّ أَنْ آتِيَكَ، فَأَسْأَلُهُ عَنْ الْحَدِيثِ.

قَالَ: فَبَقِيَ الرَّجُلُ حَتَّى رَآنِي وَقَدْ اجْتَمَعَ النَّاسُ عَلَيَّ، فَقَالَ- هذا المثبط الأول - : كَانَ هَذَا الْفَتَى أَعْقَلَ مِنِّي. رواه الدارمي .

وبعض الناس ملول، ولا بد أن يكون معه من يتابعه، ومن يقويه، ويشحذ همته،

عاشراً: الاستعجال قبل التمام .

ومن قل فيما يتقيه اصطباره          فقد قل مما يرتجيه نصيبه

: ((وَاللَّهِ لَيُتِمَّنَّ الله هَذَا الْأَمْرَ حَتَّى يَسِيرَ الرَّاكِبُ مِنْ صَنْعَاءَ إِلَى حَضْرَمَوْتَ لَا يَخَافُ إِلَّا اللَّهَ، أَوْ الذِّئْبَ عَلَى غَنَمِهِ، وَلَكِنَّكُمْ تَسْتَعْجِلُونَ)) .  ومن استعجل شيء قبل أوانه ، عوقب بحرمانه.

ومستعجلُ الشيء قبل الأوا            نِ يصيبُ الخسارَ ويجني النَّصَب

فلذلك لا بد من الصبر .

الحادي عشر : ضعف المراقبة والمتابعة، ثم ضعف الاستشارة من مفشلات الأعمال، ثم الإحباط الذي ينتج عن وجود عوائق، والعوائق متوقعة، ثم الانشغال ببنيات الطريق، دعها، قد يعرض لك وأنت في طلب العلم شبهات، قد لا تعرف الإجابة عن شبهة معينة، أتركها تجاوز وأكمل، أنت تعرف في الجملة أن هذا حق، فلماذا تقعد بك الشبهات عن الإكمال .

أصحاب الهمم العالية يعملون إنجازات ضخمة،

ذو القرنين رحمه الله كان عنده مشروع كبير {إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً*فَأَتْبَعَ سَبَباً} (الكهف:84-85) .

 عمل بالأسباب، فبذل جهداً عظيما وأعد جيشاً، وعتاداً وعدة، ومالاً وقوة، وسار بالأرض، طاقته وجهده لم يقف عند حد، بلغ مغرب الشمس ثم سار بجنوده حتى بلغ مشرقها، ، ثم أتبع سببا حتى بلغ بين السدين، ومر على مناطق، وبلدان، وأراضي، وأمم .

قال القاسمي في تفسيره : "ومن فوائد نبأ ذي القرنين: تنشيط الهمم لرفع العوائق، وأنه ما تيسرت الأسباب، فلا  بد من العمل بها .

النشاط، وأن الواحد لا يرتاح إلا بعد بلوغ الغاية، كم كان للنووي رحمه الله 12 درس في اليوم، رحل جابر في طلب الحديث شهراً، وأبو أيوب خرج إلى عقبة بن عامر بمصر يسأله عن حديث، وسعيد بن المسيب قال: إن كنت لأسير الأيام والليالي في طلب الحديث الواحد، وسعيد بن جبير رحمه الله تعالى رحل في تفسير آية واحدة من الكوفة إلى المدينة، و ابن الديلمي عبد الله بن فيروز رحمه الله تعالى قال: بلغني حديث عن عبد الله بن عمرو بن العاص فركبت إليه الطائف أسأل عنه،  ابن الديلمي كان  في فلسطين.

الطبري كان يرجو أن يألف كتاب التاريخ في ثلاثين ألف ورقة، لكن لما رأى ضعف الطلاب في الهمة، اختصره في ثلاثة الآف ورقة .

هؤلاء الكفرة، أحياناً نجد عندهم من المثابرة والعمل والجهد والمتابعة، أشياء نقول : إذا كان هؤلاء في الدنيا، فأين حماسنا نحن للآخرة .

أُرسلت اليابان ضمن البعثة لألمانيا يابانيٌّ ضمن بعثة لألمانيا لدراسة المحركات، لأنها التي كانت تنقص النهضة الصناعية في اليابان .

وكان حلم هذا الياباني أن يصنع محركًا.

فقرأ حتى عرف نظريات الميكانيكا ولكن ظل عاجزًا عن صنع المحرك .  

فاشترى محركًا إيطالياً الصنع براتبه كله، وجعل ينظر إليه كأنه تاج من الجوهر. وقال : هذا هو سر قوة أوروبا، إن صنعت محركًا مثله غيرت مجرى الحياة في اليابان، ثم قال لنفسه : لو استطعتُ أن أفكك قطع هذا المحرك وأعيد تركيبها ثم شغلتُه فاشتغل لكانت هذه خطوة عظيمة في صناعة الموديل .

فأتيت برسوم المحرك التي عندي وأخذت ورقًا كثيرا وأدوات العمل ومضيت أعمل، فرسمت أجزاء المحرك قطعة قطعة ، يفك ويرسم، وترتيب القطع كلها، ثم أعدت تركيبه وشغلته فاشتغل! فكاد قلبي أن يقف من الفرح! ظللت أعمل ثلاثة أيام آكل في اليوم وجبة واحدة، وأنام قليلا .

وعلم رئيس البعثة (إذاً عملية التكامل في الموضوع) أتى بمحرك معطل وقال: فكه واكتشف موضع الخطأ، فشغلته في عشرة أيام وعرفت مواضع الخلل، بعد التفكيك كانت ثلاثة من القطع متآكلة، صنعت بيدي بالمطرقة والمبرد وركبتها واشتغل .

فطلب رئيس البعثة أن أركب محركًا، أنا آتي بقطعه، فالتحقت بمصانع صهر الحديد والنحاس والألمونيوم بدلا من أن إعداد رسالة دكتوراه التي أرادها مني أساتذتي الألمان.يعني يمكن أن يشغلوه .

أصبحت عاملًا وأقف صاغرًا إلى جانب عامل صهر المعادن أطيع أوامره كأنه سيد عظيم وأخدمه وقت الأكل، لمدة ثماني سنوات، أعمل ما بين عشر وخمس عشرة ساعة في اليوم، ثم آخذ نوبة حراسة ليلة وأراجع قواعد الصناعة.

وعلم "الميكادو" حاكم اليابان بأمري وأرسل لي من ماله الخاص خمسة آلاف جنيه إنجليزي ذهب، فاشتريت بها أدوات مصنع محركات وشحنته بكل مدخراتي إلى اليابان، وبمجرد وصولي لنجازكي طلب الميكادو رؤيتي، فقلت: لا أستحقها إلا بعد أن إنشاء المصنع .

وبعد مدة حملت مع مساعدي عشرة محركات "صنع في اليابان" إلى قصر الميكادو، فلما سمع صوت المحركات قال : هذه أعذب موسيقى سمعتها في حياتي صوت محركات يابانية خالصة.

هؤلاء أناس يعملون للدنيا، وبهذه الدقة والمثابرة والمواصلة، فأين نحن وماذا فعلنا، لا تعجب من عجز بعض أهل الخير لكن تعجب من جلد أهل الفجور والكفر .

في كتاب محكمة التاريخ يقول المؤلف : ترددت كثيرًا جدا على مركز من مراكز إعداد المبشرين في مدريد وفي فناء المبنى الواسع وضعوا لوحة كبيرة كتبوا عليها: أيها المبشر الشاب نحن لا نعدُك بوظيفة أو عمل أو سكن أو فراش وثير إننا ننذرك بأنك لن تجد في عملك التبشيري إلا التعب والمرض كل ما نقدمه إليك هو الإنجيل والخبز وفراش خشن في كوخ صغير أجرك كله ستجده عند الله إذا أدركك الموت وأنت في طريق المسيح وستكون من السعداء، هذه الكلمات حركت كثير من حملة الشهادات في الطب والجراحة والصيدلة وغيرها من التخصصات للذهاب إلى الصحاري القاحلة التي لا توجد فيها إلا الخيام، والمستنقعات المليئة بالنتن والميكروبات، والمكوث هناك السنين الطوال دون راتب، ودون منصب، ولو أراد أحدهم العمل بمؤهله لربح مئات الآلاف من الدولارات، ولكنه ضحى بكل ذلك لأجل الباطل الذي يعتقد صحته.

فيا عجباً من مواصلة ومثابرة هؤلاء على باطلهم، واجتماعهم عليه، وتفرقنا نحن على الحق .

اللهم إنسا نسألك أن ترزقنا العمل بدينك يا رب العالمين، نسألك صلاح النية، وحسن العمل، اللهم إنا نسألك أن تهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب، هيئ لنا من أمرنا رشدا، وأصلح لنا شأننا كله، اللهم وفقنا للخير ودلنا عليه، وباعد بيننا وبين الشر يا رب العالمين، سبحان ربك رب العزة عما يصفون، والسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين .

©جميع الحقوق محفوظة لموقع إمام المسجد 2004
ويحق لمن شاء أخذ ما يريد من مواد هذا الموقع بشرطين : الأول : عزو ما يأخذ إلى موقع إمام المسجد www.alimam.ws ، الثاني : الأمانة في النقل وعدم التغيير في النص المنقول ولا حذف شيء منه ، والله الموفق .
0.05889