إمامة الفاضل للمفضول

إمامة الفاضل للمفضول

الحمد لله رب العالمين، وبه نستعين على أمور الدنيا والدين، ونشهد أن لاإله إلا الله وحده لاشريك له، ونشهد أن محمداً عبده ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده؛ حتى أتاه اليقين من ربه، فصلوات الله وسلامه عليه، تركنا على مثل البيضاء؛ ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك، ولايتبعها إلا كل منيب سالك أما بعد:

فإن من المسائل المهمة التي يجب على العبد معرفتها مسألة إمامة المفضول للفاضل، وحكمها في ميزان الشرع الحنيف، والمتأمل في النصوص يرى أن في المسألة مذهبين:

1- ذهب قوم إلى الكراهة: قال الدكتور وهبة الزحيلي1: “وتكره إمامة المفضول مع وجود الأفضل لقوله : إذا أمَّ الرجل القوم وفيهم من هو خير منه؛ لم يزالوا في سَفال2.

وعمدتهم: ما روى البخاري ومسلم3 عن سهل بن سعد  أن رسول الله  ذهب إلى بنى عمرو بن عوف ليصلح بينهم؛ فحانت الصلاة؛ فجاء المؤذن إلى أبى بكر  فقال: أتصلى بالناس فأقيم؟ قال: نعم، قال: فصلى أبو بكر، فجاء رسول الله  والناس فى الصلاة، فتخلص حتى وقف فى الصف، فصفق الناس، وكان أبو بكر  لا يلتفت فى الصلاة، فلما أكثر الناس التصفيق التفت فرأى رسول الله ، فأشار إليه رسول الله  أن امكث مكانك، فرفع أبو بكر يديه فحمد الله على ما أمره به رسول الله  من ذلك، ثم استأخر أبو بكر   حتى استوى فى الصف، وتقدم النبى  فصلى، ثم انصرف فقال: يا أبا بكر ما منعك أن تثبت إذ أمرتك فقال أبو بكر: “ما كان لابن أبى قحافة أن يصلَّى بين يدى رسول الله !! فقال رسول الله : ما لي رأيتكم أكثرتم التصفيق؟ من نابه شىء فى صلاته فليسبح، فإنه إذا سبح التفت إليه، وإنما التصفيق للنساء.

2- وذهب قوم إلى الجواز وهو الراجح: وعمدتهم: ما روى ابن خزيمة بسنده إلى  المغيرة بن شعبة  قال: “خصلتان لا أسأل عنهما أحد بعدما قد شهدت من رسول الله  إنا كنا معه في سفر، فبرز لحاجته، ثم جاء فتوضأ، ومسح بناصيته، وجانبي عمامته، ومسح على خفيه قال: وصلاة الإمام خلف الرجل مع رعيته، وشهدت من رسول الله  أنه كان في سفر فحضرت الصلاة، فاحتبس عليهم النبي  فأقاموا الصلاة، وقدموا ابن عوف فصلى بهم بعض الصلاة، وجاء النبي  فصلى خلف ابن عوف ما بقي من الصلاة، فلما سلم ابن عوف قام النبي  فقضى ما سبق به” قال أبو بكر – أي ابن خزيمة -: إن صح هذا الخبر يعني قوله حدثني عمرو بن وهب فإن حماد بن زيد رواه عن أيوب عن ابن سيرين قال: حدثني رجل يكنى أبا عبد الله عن عمرو بن وهب، قال الألباني: رجاله ثقات، لولا الخلاف الذي أشار إليه المصنف4، وقال ابن حجر – رحمه الله – عند ذكره الفوائد من حديث عبد الرحمن بن عوف: “وَفِيهِ جَوَاز إِمَامَة الْمَفْضُول لِلْفَاضِلِ”5، وقال ابن قدامة – رحمه الله -: “وإمام المسجد الراتب أولى من غيره؛ لأنه في معنى صاحب البيت، والسلطان، وقد روي عن ابن عمر  أنه أتى أرضاً له وعندها مسجد يصلي فيه مولى لابن عمر، فصلى معهم، فسألوه أن يصلي بهم فأبى، وقال: صاحب المسجد أحق؛ ولأنه داخل في قوله: من زار قوماً فلا يؤمهم، وليؤمهم رجل منهم6“، وقال الشوكاني – رحمه الله -: “ومن فوائد حديث ابن عوف جواز إمامة المفضول للفاضل، وجواز العمل القليل فى الصلاة، وغير ذلك من الفوائد”7. وقال ابن عبد البر8 – رحمه الله – عند حديث صلاة النبي  خلف عبد الرحمن بن عوف  : “وفيه صلاة الفاضل خلف المفضول”، وقال: “وفيه أن الرجل العالم الخير الفاضل جائز له أن يأتم في صلاته بمن هو دونه، وأن إمامة المفضول جائزة بحضرة الفاضل إذا كان المفضول أهلاً لذلك، ولا أعلم أن رسول الله  صلى خلف أحد من أمته إلا خلف عبد الرحمن بن عوف، واختلف في صلاته خلف أبي بكر”9.

وقد سئل فضيلة الشيخ محمد بن إسماعيل العمراني عن صحة الصلاة بعد المفضول، وهل الأولى أن تكون  خلف الفاضل فقال السائل: إذا صليت خلف إمام لا يطبق تعاليم الإسلام كلها، ويأكل الحرام، وأنا أكره هذا الرجل؛ فهل أصلي مرتين؟

فأجاب – رحمه الله – قائلاً: الأولى أن يؤم المصلين الرجل الفاضل، ولكن لا يجوز أن يصلي المرء الفرض مرتين في يوم واحد، وكونه يأكل أموال الناس شيء ثان، والصلاة خلف المفضول تصح، والأولى أن يحتاط الإنسان فلا يصلي إلا خلف الرجل الفاضل.

وأفتى بذلك فضيلة الشيخ عطية محمد سالم – رحمه الله – فقال: “وصلاة الفاضل خلف المفضول صحيحة بإجماع المسلمين، فقد صلى النبي  خلف عبد الرحمن بن عوف  ، واختلف في أنه صلى خلف أبي بكر  أو لم يصل خلفه، ويكفينا أنه صلى خلف ابن عوف، فصلاة الفاضل خلف المفضول صحيحة”. وسئل فضيلة الشيخ ابن حبرين – حفظه الله – إذا صلى شخص بمن هو أحفظ منه لكتاب الله مع إنه ليس إماماً راتباً فما الحكم؟

فأجاب: “هذه صلاة عابرة لا بأس بها، كثيراً ما يتقدم المفضول وخلفه من هو أفضل منه؛ إذا كان الإمام الراتب الرسمي لا يحفظ القرآن كله صليت خلفه وأنت تحفظه فلا حرج في ذلك، لأنه عُين في ذلك، كذلك أيضاً إذا كان أكبر منك مثلاً وتقدم فلا حرج في ذلك، إذا كان يحسن الصلاة، ويحسن أو يعرف أحكامها”.

وفي الأخير نكون قد أطلعنا على الحكم الشرعي في المسألة، مستندين في ذلك إلى كتاب ربنا، وسنة نبينا ، وأقوال سلف الأمة، وفتاوى علمائنا الأجلاء المعاصرين.

اللهم فقهنا في الدين، وعلمنا التأويل، والحمد لله رب العالمين.


1– الفقه الإسلامي وأدلته ص 149.

2– ذكره أحمد في رسالته، والسفال: ضد العلو، قال الشيخ الألباني : ضعيف انظر حديث رقم : 5487 في ضعيف الجامع.

3– رواه البخاري برقم (684) ومسلم برقم (421).

4– صحيح ابن خزيمة (ج3 ص72) بتحقيق د. الا عظمي، وحكم الألباني على الأحاديث.

5– فتح الباري (ج3 ص17).

6– رواه أبو داود في سننه (ج1ص141)، و أحمد في المسند (ج3ص436)، وقال الألباني في صحيح سنن أبي داود (صحيح) برقم (596).

7– نيل الأوطار (ج4 ص 158).

8– التمهيد (ج11 ص93).

9– التمهيد (ج11 ص 118).