القرآن يا أمة القرآن

 القرآن يا أمة القرآن

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبيه الكريم، وآله وصحبه أجمعين .. أما بعد:

فلقد أرسل الله – تعالى – نبينا محمد  ليخرج الناس من غياهب الظلمات، وأيده – سبحانه – بالآيات البينات، والمعجزات الباهرات، وكان القرآن الكريم أعظمها قدراً، وأعلاها مكانة وفضلاً قال : ما من الأنبياء نبي إلا أعطي من الآيات ما مثله أومن أو آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحياً أوحاه الله إليَّ، فأرجو أني أكثرهم تابعاً يوم القيامة أخرجه البخاري برقم 4696.

إنه القرآن؛ كتاب الله، ووحيه المبارك كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ (هود:1)، القرآن كلام الله المنزل غير مخلوق، منه بدأ وإليه يعود وَإِنَّهُ لَتَنزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ۝ نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ۝ عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ۝ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ (الشعراء:192-195).

أحسن الكتب نظاماً، وأبلغها بياناً، وأفصحها كلاماً، وأبينها حلالاً وحراماً لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (فصلت:42)، فيه نبأ ما قبلنا، وخبر ما بعدنا، وحكم ما بيننا، هو الجد ليس بالهزل، من تركه من جبار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى من غيره أضله الله، وهو حبل الله المتين، وهو الذكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم، هو الذي لا تزيغ به الأهواء، ولا تلتبس به الألسنة، ولا يشبع منه العلماء، ولا يخلَق على كثرة الرد، لا تنقضي عجائبه، من قال به صدق، ومن عمل به أجر، ومن حكم به عدل، ومن دعا إليه هدي إلى صراط مستقيم لَّـكِنِ اللّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنزَلَ إِلَيْكَ أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ والملائكة يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللّهِ شَهِيداً (النساء:166).

أنزله الله رحمةً للعالمين، ومحجةً للسالكين، وحجةً على الخلق أجمعين، ومعجزةً باقية لسيد الأولين والآخرين، أعز الله مكانه، ورفع سلطانه، ووزن الناس بميزانه، من رفعه رفعه الله، ومن وضعه وضعه الله قال : إن الله يرفع بهذا الكتاب أقواماً، ويضع به آخرين رواه مسلم برقم 817، إنها كرامة، وأي كرامة أن يكون بين أيدينا كتاب ربنا الذي أحاط بكل شيء علماً، وأحصى كل شيء عدداً.

حالنا مع القرآن:

من تأمل حالنا مع هذا الكتاب العظيم يجد الفرق الشاسع، والبون الواسع؛ بين ما نحن فيه، وما كان سلفنا الصالح عليه، إهمالاً في الترتيل والتلاوة، وتكاسلاً عن الحفظ والقراءة، وغفلة عن التدبر والعمل، والأعجب من ذلك أن ترى كثيراً من المسلمين ضيعوا أوقاتهم في مطالعة الصحف والمجلات، ومشاهدة البرامج والمسلسلات، وسماع الأغاني والملهيات، ولا تجد لكتاب الله – تعالى – في أوقاتهم نصيباً!، ولا لروعة خطابه منهم مجيباً، فأي الأمرين إليهم أحب؟! وأيهما إليهم أقرب؟!، ورسول الهدى  يقول: المرء مع من أحب يوم القيامة أخرجه البخاري برقم 5816.

إن الكثير من الناس اليوم إذا قرؤوا القرآن لم يحسنوا النطق بألفاظه، ولم يتدبروا معانيه ويفهموا مراده، يمرون على الآيات التي طالما بكى منها الباكون، وخشع لها الخاشعون، والتي لو أنزلت على جبل لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعاً مُّتَصَدِّعاً مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ (الحشر:21)، فلا ترق قلوبهم، ولا تخشع نفوسهم، ولا تدمع عيونهم، وصدق الله إذ يقول: ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً (البقرة:74).

إننا – ولا حول ولا قوة إلا بالله – نمر على الآيات تلو الآيات، والعظات تلو العظات، ولا نفهم معانيها، ولا ندرك مراميها، وكأن أمرها لا يعنينا، وخطابها لا يناجينا، فقل لي بربك ما معنى  الصَّمَدُ ؟ وما المراد بـ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ؟، وما هو  الْخَنَّاسِ؟.. والواحد منا يتلو هذه الآيات في يومه وليلته أكثر من مرة؟!

أي هجران بعد هذا الهجران، وأي خسران أعظم من هذا الخسران؟! والرسول  يقول: والقرآن حجة لك أو عليك رواه مسلم برقم 223.

وقال عثمان : “لو طهرت قلوبكم ما شبعت من كلام ربكم”. من هم أهل القرآن؟

اسمع – رعاك الله – إلى شيء من خبر أهل القرآن وفضلهم، فلعل في ذكرهم إحياء للعزائم والهمم، وترغيباً فيما نالوه من عظيم النعم.

فأهل القرآن هم الذين جعلوا القرآن منهج حياتهم، وقيام أخلاقهم، ومصدر عزتهم واطمئنانهم، هم الذين أعطوا كتاب الله – تعالى – حقه في التلاوة والحفظ، وحقه في التدبر والفهم، وحقه في الامتثال والعمل، وصفهم الله – تعالى – بقوله: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (الأنفال:2)، أنزلوا القرآن منزلته؛ فأعلى الله – تعالى – منزلتهم، فعن أنس بن مالك   قال: قال رسول الله : إن لله تعالى أهلين من الناس، أهل القرآن هم أهل الله وخاصته رواه أحمد في مسنده وصححه الألباني في صحيح الجامع برقم 2165.

رفعوا القرآن، وأعطوه قدره؛ فرفع الله قدرهم، وأكرمهم فعن أنس بن مالك  قال: قال رسول الله : إنّ من إجلال الله تعالى إكرام ذي الشيبة المسلم، وحامل القرآن غير الغالي فيه والجافي عنه… الحديث رواه أبو داود برقم 4843، وحسنه الألباني في صحيح الجامع برقم 2199، ففضلهم ليس كفضل أحد، وعزهم ليس كعز أحد، فهم أطيب الناس كلاماً، وأحسنهم مجلساً ومقاماً .. تغشى مجالسهم الرحمة، وتتنزل عليهم السكينة قال رسول الله : وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم؛ إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده رواه مسلم برقم 2699، وهم أولى الناس بالإمامة والإمارة قال رسول الله : يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله، وأقدمهم قراءة رواه مسلم برقم 673، ولما جاءت الواهبة نفسها للنبي  فجلست، قام رجل من أصحابه  فقال: يا رسول الله إن لم تكن لك بها حاجة فزوجنيها، وفيه .. قال: ماذا معك من القرآن؟ قال: معي سورة كذا وكذا، فقال: تقرأهن عن ظهر قلبك؟ قال: نعم، فقال: اذهب فقد ملكتها لما معك من القرآن أخرجه البخاري برقم 1956.

بل وحتى عند الدفن فلصاحب القرآن فيه شأن فعن جابر بن عبد الله – رضي الله عنهما – أن النبي   كان يجمع بين الرجلين من قتلى أحد، ثم يقول: أيهما أكثر أخذاً للقرآن؟ أخرجه أبو داود برقم 213 وصححه الألباني، فإذا أشير إلى أحدهما قدّمه في اللحد، وهم مع ذلك في حرز من الشيطان وكيده قال رسول الله : إن الشيطان ينفر من البيت الذي تقرأ فيه سورة البقرة رواه مسلم برقم 870، وهم كذلك في مأمن من الدجال وفتنته فعن أبي الدرداء  أن رسول الله  قال: من حفظ عشر آيات من أول سورة الكهف عُصِمَ من الدجال.

هذا شيء من منزلتهم في دار الفناء، أما في دار البقاء فهم من أعظم الناس كرامة، وأرفعهم درجة، وأعلاهم مكانة فعن عبد الله بن عمرو بن العاص – رضي الله عنهما – قال: قال رسول الله : يقال لصاحب القرآن: اقرأ، وارتق، ورتل كما كنت ترتل في الدنيا، فإن منزلتك عند آخر آية تقرؤها رواه أبو داود برقم 1464، وصححه الألباني في صحيح أبي دواد برقم 1300، وعن أبي هريرة  قال: قال رسول الله : يجيء القرآن يوم القيامة فيقول: يا رب حَلّهِ، فيلبس تاج الكرامة، ثم يقول: يا رب زده، فيلبس حُلة الكرامة، ثم يقول: يا رب ارض عنه، فيرضى عنه، فيقال: اقرأ وارق، ويزداد بكل آية حسنة رواه الترمذي برقم 2915 وحسنه الألباني في صحيح الجامع برقم 8030، وهم مع هذا في موقف القيامة آمنين إذا فزع الناس، مطمئنين إذا خاف الناس، شفيعهم القرآن، وقائدهم هنالك سوره الكرام فعن أبي أمامة  قال: قال رسول الله : اقرأوا القرآن، فإنه يأتي يوم القيامة شفيعاً لأصحابه رواه مسلم برقم 804، وعن النواس بن سمعان الكلابي قال: سمعت النبي  يقول: يؤتى بالقرآن يوم القيامة وأهله الذين كانوا يعملون به تقدمه سورة البقرة، وآل عمران – وضرب لهما رسول الله  ثلاثة أمثال ما نسيتهن بعد – قال: كأنهما غمامتان أو ظلتان1 سوداوان بينهما شرق2 أو كأنهما حزقان3 من طير صواف تحاجان عن صاحبهما رواه مسلم برقم 805.

فهل يا ترى يضيرهم بعد ذلك شيء؟!

اللهم اجعل القرآن العظيم ربيع قلوبنا، وجلاء أحزاننا، وذهاب همومنا وغمومنا، اللهم علمنا منه ما جهلنا، وذكرنا منه ما نسينا، وارزقنا تلاوته آناء الليل، وأطراف النهار؛ على الوجه الذي يرضيك عنا، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.


1الظلة: كل ما يستظل به.

2ضياء ونور.

3جماعتان.