Share |

حدث وتعليق

خطب / مفاهيم

دروس من الحج

دروس من الحج

إن الحمد لله نحمده - تعالى - ونستعينه، ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين من ربه، فصلوات الله عليه في الأولين، وصلوات الله عليه في الآخرين، وصلوات الله عليه في الملأ الأعلى إلى يوم الدين {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ}1، {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا}2، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا}3، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ}4.

أما بعد: فإن خير الحديث كلام الله، وخير الهدي هدي محمد - صلى الله عليه وسلم -، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، أعاذني الله وإياكم من كل ضلالة تهوي بصاحبها إلى النار.

معاشر المؤمنين: إن الحج إلى بيت الله الحرام،هو ملتقى المسلمين الأكبر، ومؤتمرهم الإسلامي العظيم، وهو الموعد المضروب لاجتماع المؤمنين؛ حيث يذكرون الله، ويدحرون الشيطان، ويجهرون بالعج والثج.

عباد الله: إن في موسم الحج حكما وعظات، ومن أكبرها وأهمها حكمة الأمن والأمان؛ فالناس في شهر حرام، وفي بلد حرام، يلقى فيه السلاح، وتحقن فيه الدماء {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ}5، اقرؤوا قول الله: {وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَأَمْناً}6.

ولهذه القدسية للحرم المقدس فإن مجرد الإرادة في فعل السوء والإلحاد تكون سببا لعذاب الله {وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ}7.

ومما يؤكد لنا عظم هذه القدسية فَهْمُ صحابة النبي - صلى الله عليه وسلم -، وتأكيدهم بأفعالهم على حرمتها، وعظم قدرها؛ كما روى سعيد بن منصور وابن أبي شيبة8 عن مجاهد أنه قال: "كان لعبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - فسطاطان: أحدهما في الحل، والآخر في الحرم، فإذا أراد أن يصلي - رضي الله عنه - صلى في الفسطاط الذي في الحرم، وإذا أراد أن يعاتب أهله عاتبهم في الذي في الحل".

ومن قدسيته أيضاً أن الله حماه من كيد الكائدين، واعتداء المعتدين كما روى الحاكم وصححه من حديث ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: "أقبل تُبَّع يريد الكعبة، حتى إذا كان بكراع الغميم، بعث الله عليه ريحاً لا يقوم القاعد منها، فإذا قام سقط وصرع، فدعا تُبَّع أحباره، فقال: لهم ما هذا الذي بعث عليَّ؟ فقالوا: له تؤمننا ونحن نجيبك! قال: نعم، قالوا: إنك تريد بيتاً منعه الله ممن أراده، قال: فما الذي يذهب هذه الريح؟ قالوا: تتجرد في ثوبيك ثم تقول: "لبيك اللهم لبيك، لبيك لاشريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك"، ثم تدخل فتطوف، ولا تهيج أحداً من أهل الحرم، فتجرد في ثوبيه لله - تعالى - ثم لبى؛ فأدبرت الريح كقطع الليل المظلم"9.

الله أكبر! الله أكبر! الله أكبر! كيف حال الله بين حرمه وأعداءه، اقرؤوا في هذا قول العزيز الجبار: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ * أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ * وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ* تَرْمِيهِم بِحِجَارَةٍ مِّن سِجِّيلٍ * فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَّأْكُولٍ}10.

معاشر المؤمنين: لقد كان الحج في الجاهلية مزيجاً من الأضداد والمتناقضات، وفيه خلط بين الشرك والتوحيد، ومن ذلك ما ذكره شيخ المفسرين ابن جرير الطبري11 - رحمه الله -: "أن قبيلة من أهل اليمن كانوا يطوفون بالبيت عراة، فإذا قيل: لم تفعلون ذلك؟ قالوا: {وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءنَا وَاللّهُ أَمَرَنَا بِهَا}12، وكان أحدهم إذا قدم حاجاً أو معتمراً يقول: "لا ينبغي أن أطوف في ثوب قد دنست فيه" فيقول: من يعيرني مئزراً فإن قدر على ذلك، وإلا طاف عرياناً، فأنزل الله فيه ما تسمعون: {خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ}"13.

وقال ابن عباس - رضي الله عنهما -: "كان أهل الجاهلية يقفون في الموسم فيقول الرجل منهم: كان أبي يتحمل الحمالات، ويتحمل الديات، ويفعل ويفعل، ولم يكن لهم إلا ذكر فعل آبائهم وأجدادهم، فأنزل الله {فَاذْكُرُواْ اللّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا}14.

هكذا كان الحج عند أهل الجاهلية، بل كانوا يقفون بالمزدلفة وسائر الناس يقفون على صعيد عرفات، فأنزل الله آيات تعلن المساواة بين الجميع: {ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}15.

معاشر المؤمنين: إنه الحج الذي يهوي إليه الناس من كل مكان، في بقاع شريفة، وفي بطاح منيفة، في المشاعر المقدسة، والأودية الطاهرة، حيث تتنزل الرحمات، وتسكب العبرات، وتغفر الزلات، وترفع المنازل والدرجات.

إنها أيام مباركة: يرفع فيها الحجيج أصواتهم بالتلبية والتهليل، والتوحيد والتكبير، والتسبيح والتحميد، إنهم يعلنون على أفواههم التوحيد الخالص من خلال التلبية "لبيك اللهم لبيك، لبيك لاشريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك لاشريك لك"، ويرجمون مقام الشيطان إعلاناً لمعاداته، وبراءة من موالاته.

فلا إله إلا الله: ما أعظمها من لحظات، وما أجملها من وقفات، في تلك المشاهد في عرفات.

عباد الله: هل رأيتم قط عراة أحسن من المحرمين، وهل شاهدتم ماءً صافياً أصفى من دموع المتأسفين، وهل ارتفعت أكف، وانبسطت أيدٍ؛ فضاهت أكف الراغبين، وهل لصقت بالأرض جباه أفضل من جباه العابدين.

ألا فهنيئاً لحجاج بيت الله الحرام وهم يندفعون إلى مركز الأمة، وقبلتها الخالدة إلى قيام الساعة، الإسلام دينهم، والإيمان شعارهم، والشوق حاديهم، والأمل حافزهم، روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما، والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة))16، ولهما عنه - رضي الله عنه -: ((من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه))17.

معاشر المؤمنين: إن هذا الدين هو الذي يجمع تلك الجموع الغفيرة، ويسوقها من كل مكان، لقد قدموا راغبين في رحمة الله إلى حرم الله الآمن، مهابط الوحي، ومنابع الرسالة؛ تشرف بهم، وبطاح مكة ورباها وسهولها تزدان بهم، وكيف لا يحق لها ذلك؟

سماء مكة تدوي بجلجلة تلبيتهم، وتضج بدعائهم عبر حناجرهم المؤمنة، وألسنتهم الصادقة، وأفئدتهم المتشوقة، وقلوبهم المطمئنة، كيف لا يتم هذا؟

قد قطعوا الفيافي والقفار، وأتوا عبر القارات والأمصار، يبتغون رحمة العزيز الغفار، ربهم واحد، ودينهم واحد، وهدفهم واحد، وزيهم واحد، وقبلتهم واحدة، لا حرمهم الله ثواب ذلك الموسم.

عباد الله: إن الله يقول: وبقوله يهتدي المهتدون {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنصِتُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ}18، وقال عز من قائل عليم: {فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ}19، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم {الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللّهُ وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ}20.

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني الله وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول قولي هذا، فادعوا الله واستغفروه فيا فوز المستغفرين.

الخطبة الثانية:

الحمد لله العزيز الغفار، القوي الجبار، عدد ما صلى له المصلون الأخيار، ثم الصلاة والسلام على النبي المختار، خير من ركع وسجد واستغفر بالأسحار، وعلى آله وصحبه الطيبين الأطهار، وعلى كل من تبعهم بإحسان إلى يوم يبرز فيه العباد لله الواحد القهار، أما بعد:

معاشر المؤمنين: إن المتأمل في الحج إلى بيت الله الحرام، يرى أن له مقاصد عظيمة، وفوائد كثيرة، ومنافع عدة منها: إعلان التوحيد لله وحده، فلا أنداد ولا شركاء، ولا وسائط ولا شفعاء.

ومنها: تجلي وحدة العقيدة والقصد والهدف، ووحدة الشعائر والمشاعر، ووحدة القلوب والقوالب، وباستشعار هذه الوحدة الإسلامية يتبين لكل مسلم أن الخلاف والمنازعات، والفرقة والخصام الذي أصاب أمتنا اليوم إنما هو من عند أنفسها {قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}21.

ألا فجدير بأمة الإسلام التي تمثل في هذا الاجتماع الإسلامي الكبير أعلى صور الوحدة والتضامن أن تستمر على ذلك دوماً وأبداً؛ حتى تنتصر على أعدائها {وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ اللّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ}22.

ومن الغايات في هذا التجمع الإسلامي الكبير: إشعار المسلم بدوره في الأمة، وإدراكه لمسئوليته في الصلاح والبناء، فهو لبنة من لبنات المجتمع المسلم، يشاطره آلامه وآماله، ويعايشه أفراحه وأتراحه.

اللهم بلغنا حج بيتك الحرام، وزيارة نبيك - صلى الله عليه وسلم -، وألحقنا بالصالحين، واغفر لنا ولهم يا رب العالمين!

عباد الله: صلو ا وسلموا على من أمرتم بالسلام عليه حيث أمركم ربكم فقال ولم يزل قائلاً عليماً {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا}23.

بلغ العلى بكمالـه      كشف الدجى بجماله

عظمت جميع خصاله     صلوا عليه وآلــه

عباد الله: {إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ }24، فاذكروا الله يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، {وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ}25، وأقم الصلاة.


 

1 سورة آل عمران (102).

2 سورة النساء (1).

3 سورة الأحزاب (70-71).

4 سورة الحشر (18).

5 سورة العنكبوت (67).

6 سورة البقرة (125).

7 سورة الحـج (25).

8 المصنف برقم (14069) ولم أجد من حكم عليه.

9 رواه الحاكم في المستدرك برقم (3463)، وقال الذهبي على شرط الشيخين، ولم أجد من حكم عليه غير الذهبي.

10 سورة الفيل (1-5).

11 في تفسيره (ج5ص 463).

12 سورة الأعراف (28).

13 سورة الأعراف (31).

14 سورة البقرة (200).

15 سورة البقرة (199).

16 رواه البخاري برقم (1650)، ومسلم برقم (2403).

17 رواه البخاري برقم (1424)، ومسلم برقم (2404).

18 سورة الأعراف (204).

19 سورة النحل (98).

20 سورة البقرة (197).

21 سورة آل عمران (165).

22 سورة آل عمران (126).

23 سورة الأحزاب (56).

24 سورة النحل (90).

25 سورة العنكبوت (45).

©جميع الحقوق محفوظة لموقع إمام المسجد 2004
ويحق لمن شاء أخذ ما يريد من مواد هذا الموقع بشرطين : الأول : عزو ما يأخذ إلى موقع إمام المسجد www.alimam.ws ، الثاني : الأمانة في النقل وعدم التغيير في النص المنقول ولا حذف شيء منه ، والله الموفق .
0.06776