Share |

الإمام والمأموم / الإمام

إمامة المرأةِ بالرجال

إمامة المرأةِ بالرجال

 

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله - صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين - أما بعد:

فقد ظهرت بادرة خطيرة في زماننا هذا أفرزتها تلك المحاولات البئيسة من أعداء الملة في محاولاتهم الآثمة لطمس هوية المسلمين، وتغيير دينهم؛ حتى تفاجئنا ودهشنا بآخرها حين ظهرت بعض النسوة من أبناء جلدتنا، يتكلمن بلغتنا، وينسبن أنفسهن إلى ديننا؛ ممن يُردن مساواتهن بالرجال في كل صغيرة وكبيرة بما في ذلك الإمامة في الصلاة، فتقدمت إحداهن - في بلاد أمريكا - لتؤذِّن للناس بالصلاة، وتقدمت أخرى للصلاة بهم؛ فلما أُنكِر عليهن قلن: إن هذا الفعل بهذه الطريقة جائز شرعاً، وأن هذا من ديننا وليس محرماً، فكان هذا البحث لبيان الحق في هذه المسألة حتى لا يكون هؤلاء وأمثالهم المخذولين مرجعية للأمة في بيان الأحكام الشريعة؛ وإنما يتبين الحكم ببيان أهل العلم، والله يقول: {فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ}1.

قبل البداية:

لابد أن نعلم أن فقهاء المذاهب الإسلامية المشهورة المتبوعة في سائر بلاد المسلمين؛ قد نصوا على حرمة أن تؤم المرأة الرجالَ، وعلى بطلان الصلاة إذا كانت الحالة هذه، وإليك أقوالهم:

فأما الحنفية فقد ذكر السرخسي في المبسوط أن مذهبهم في هذه المسألة هو أن المرأة لا تصلح لإمامة الرجال2، وذكر في فقه العبادات أن الذكورة المحققة شرط من شروط صحة صلاة الجماعة، ثم قال: "فخرج بذلك الخنثى - لأن ذكورتها غير محققة - والمرأة فلا تصح إمامة النساء للرجال مطلقاً لا في فرض ولا في نفل"3.

وأما المالكية فقد ذكر ابن رشد الحفيد في بداية المجتهد أن مذهبهم كمذهب الشافعية والحنابلة والحنفية والمالكية وهو: أنه لا يجوز أن تؤم المرأةُ الرجالَ4، ونص في الفواكه الدواني على بطلان صلاة الرجل خلفها.

وأما الشافعية فقال القفال الشاشي: ولا تصح إمامة المرأة للرجال5، ونقل النووي اتفاق الشافعية على ذلك، وسواء في المنع عندهم إمامة المرأة للرجال في صلاة الفرض أو التراويح أو سائر النوافل، قالوا: فإن صلى خلفها ولم يعلم ثم علم لزمه الإعادة - بلا خلاف -؛ لأن عليها أمارة تدل على أنها امرأة، فلم يعذر في صلاته خلفه6.

وأما الحنابلة فقد قال ابن قدامة: لا يصح أن يأتم رجل بامرأة في الصحيح من المذهب وهو قول عامتهم، قال البيهقي: وعليه الفقهاء السبعة والتابعون7، ونص المرداوي على عدم جواز إمامتها فقال: ولا تصح إمامة المرأة للرجل هذا هو المذهب مطلقاً، وعلى هذا يجب على من صلى خلفها من الرجال الإعادة، وعن أحمد رواية أخرى وهي: صحة إمامتها في النفل، وعنه أيضاً: تصح في التراويح نص عليه، وهو الأشهر عند المتقدمين من أصحابه8، وخصّ بعض الحنابلة الجواز بذي الرحم، وخصه بعضهم بكونها عجوزاً، وخصه آخرون: بأن تكون أقرأ من الرجال9، ومن قال بالصحة منهم قال: تقف خلفهم، ويقتدون بها في جميع أفعال الصلاة؛ لأنه أستر لها، ويقتدون بها.

والقول بالحرمة وعدم صحة الصلاة خلفها وجواز إتمامها مذهب أئمة الزيدية والظاهرية، وهو ما درجت عليه اللجنة الدائمة في فتاواه10، فجمهور أهل العلم إن لم يكونوا كلهم على القول بالمنع.

القائلين بالجواز:

حُكي عن أبي ثور وابن جرير الطبري أنهما يجيزان إمامة المرأة بالرجال في صلاة التراويح إذا لم يكن هناك قارئ غيرها، وتقف خلف الرجال11، ونقل ابن رشد والنووي عنهما - أبي ثور والطبري - جواز إمامتها على الإطلاق12.

استعراض أدلة كل من الفريقين:

أدلة الجمهور على المنع:

وإنما اتفق الجمهور على منعها أن تؤم الرجال لأدلة منها:

1- أنه قد ورد ما يدل على أنهن لا يصلحن لتولي شيء من الأمور العامة، وهذا من جملة الأمور، بل هو أعلاها وأشرفها، فعموم قوله - صلى الله عليه وسلم -: ((لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة))13 يفيد منعهن من أن يكون لهن منصب الإمامة في الصلاة للرجال14.

2- ولحديث جابر بن عبد الله - رضي الله عنهما - قال: خطبنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: ((لا تؤمن امرأةٌ رجلاً))15.

3- ولأنه لم يثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في جواز إمامة المرأة بالرجل أو الرجال شيء، ولا وقع ذلك في عصره، ولا في عصر الصحابة والتابعين من ذلك شيء16.

4- ولأنه لو كانت إمامتهن جائزة لنقل ذلك عن الصدر الأول لاسيما والصلاة من مسائل العبادات، والأمر فيها مبني على التوقف17.

5- ولأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد جعل صفوفهن بعد صفوف الرجال وذلك؛ لأنهن عورات، وائتمام الرجل بالمرأة خلاف ما يفيده هذا 18، وحيث كانت سنتهن في الصلاة التأخير عن الرجال؛ عُلِم من ذلك أنه لا يجوز لهن التقدم على الرجال.

6- ولأن الإمامة مكانة شريفة في الدين، ومن شرائع المسلمين، ولا يُعرف طريقها إلا عن المشرِّع وحده، والمشرِّع ذكر لنا إمامة الرجال فقط.

أدلة المجيزين لإمامتها:

استدلا بما رواه أبو داود والدارقطني والبيهقي وغيرهم عن أم ورقة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان ))يزورها في بيتها، وجعل لها مؤذناً يؤذن لها، وأمرها أن تؤم أهل دارها))19.

والحديث في طرقه كلها أنها كانت تؤم أهل دارها في بيتها، إلا أن رواية الدارقطني فيها زيادة تبيين ففيها أنه: ((أذِن لها أن يؤذن لها، ويقام وتؤم نساءها))، قال الدارقطني: "إنما أذن لها أن تؤم نساء أهل دارها"20، وعلى ذلك فإن إطلاق الروايات الأخرى مقيَّد بهذه الرواية؛ وعليه فلا يجوز للمرأة أن تكون إماماً في الصلاة إلا على بني جنسها من النساء فقط، والله أعلم.

ولكن هنا أمر ينبغي التنبه له وهو أن الإجماع قد انعقد على حرمة إمامتها بالرجال، وبطلان صلاة من صلى خلفها قبل أن يخالف أبو ثور أو الطبري أو غيرهما، فالإجماع منعقد على هذا في العصور المتقدمة قبل أن يأتي عصر المخالفين، كما انعقد الإجماع أيضاً بعد عصر المخالفين.

والخلاصة في المسألة:

1- أن اتفاق المذاهب الإسلامية المتبوعة في أن إمامة المرأة بالرجال غير جائزة، وأن من صلى خلفها من الرجال فصلاته باطلة؛ حجة داحضة ومسكتة على كل مخالف في هذه المسألة.

2- أنه قد جاء في الدارقطني ما يقيِّد إطلاق بعض الروايات أنها كانت ((تؤم أهل دارها))، بأنها كانت تؤم النساء منهن، وهذا لا إشكال فيه، ومع هذا كله لم يقل أحد ممن أجاز إمامتها أنها تتقدم على الرجال.

3- ينبغي على المرء أن يبتعد عن الشبهات حتى يستبرئ لدينه وعرضه، وعليه بالمحجَّة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك.

4- الرجوع في مسائل الشريعة والدين لأهل الاختصاص والفتوى من العلماء العاملين المتقين، والأصل في المسلم أن ينقاد ويذل لأمر الله وأمر رسوله حتى وإن كان في ذلك مخالفة لهواه، ولا يجوز له بأي حال أن يتبرم من الشرع، ثم ينطلق للبحث عن الأقوال الشاذة التي توافق هواهن والله - تعالى - يقول: {أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ }21.

والحمد لله رب العالمين، وهو الهادي إلى سواء السبيل، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

  


 

1 النحل (43).

2 المبسوط 1/179.

3 فقه العبادات 1/109.

4 بداية المجتهد 1/227، وانظر الفواكه الدواني 1/205.

5 حلية العلماء 2/170، وانظر المجموع 4/223.

6 المجموع 4/223.

7 المبدع 2/72.

8 الإنصاف للمرداوي 2/263-264.

9 المبدع 2/72.

10 فتاوى اللجنة الدائمة 7/391.

11 نيل الأوطار 3/199، حلية العلماء 2/170.

12 بداية المجتهد 1/227، المجموع 4/223.

13 رواه البخاري برقم (4073).

14 السيل الجرار 1/250.

15 رواه ابن ماجه برقم (1071) وضعفه الألباني في الجامع الصغير.

16 السيل الجرار 1/250.

17 بداية المجتهد 1/227.

18 السيل الجرار 1/250.

19 رواه أبو داود برقم (500)، وأحمد برقم ( 26023) وأورده البيهقي وغيره بألفاظ متقاربة وحسنه الألباني في مختصر أرواء الغليل.

20 نيل الأوطار 3/199.

21 الجاثية:(23).

©جميع الحقوق محفوظة لموقع إمام المسجد 2004
ويحق لمن شاء أخذ ما يريد من مواد هذا الموقع بشرطين : الأول : عزو ما يأخذ إلى موقع إمام المسجد www.alimam.ws ، الثاني : الأمانة في النقل وعدم التغيير في النص المنقول ولا حذف شيء منه ، والله الموفق .
0.02088