تخول الناس بالموعظة

 

 

 

 

تخول الناس بالموعظة

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه إلى يوم الدين .. أما بعد:

إن المواعظ تحيي القلوب، وتردها إلى بارئها، خاصة مع كثرة المشاغل، وضجيج الحياة المزعج، وتزيُّن الدنيا لأهلها، وجزع النفوس وهلعها، تدخل فئات الناس إلى بيت ربها تريد السكينة والوقار، تفر من وطأة الذنوب وقد تيسرت سبلها في كل مكان، المنكر معروفاً، والمعروف منكراً، هنا نريد أن نقف مع إمام المسجد فلقد ظن الناس بك كل الظن الحسن فماذا أنت قائل لهم؟ أتوك لتقربهم إلى مولاهم فهل كنت كما شاءوا؟

الحديث عن الموعظة وتخول الناس بها.

كم حرص النبي   على وعظ أصحابه، وتذكيرهم بالله ​​​​​​​ ، فقد وعظهم حتى سالت دموع قلوبهم قبل عيونهم فعن العرباض بن سارية   قال: “صلى بنا رسول الله   ذات يوم ثم أقبل علينا فوعظنا موعظةً بليغةً ذرفت منها العيون، ووجلت منها القلوب، فقال قائل: يا رسول الله كأن هذه موعظة مودع فماذا تعهد إلينا؟ فقال: ((أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة، وإن عبداً حبشياً، فإنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافاً كثيراً، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء المهديين الراشدين تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ،وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة))1.

وإن للموعظة أثر كبير في القرب من الله، والامتثال بأمره، والانتهاء لنهيه، ولقد اهتم السلف الصالح بالموعظة، وتذكر الموت والقبر والآخرة وما في ذلك من الأهوال والخطوب الجسام “فقد كان الربيع بن خثيم – رحمه الله تعالى – قد حفر قبراً في داره، فكان ينام فيه كل يوم مراتٍ يستديم بذلك ذكر الموت، وكان يقول: “لو فارق ذكر الموت قلبي ساعة واحدة لفسد”، وكان عمر بن عبد العزيز – رحمه الله تعالى –  يجمع كل ليلة الفقهاء فيتذاكرون الموت والقيامة والآخرة، ثم يبكون حتى كأن بين أيديهم جنازة”2، وقد حث النبي   أمته على تذكر الموت حتى يصلح بذلك كثيرٌ من أحوالها فعن أبي هريرة   قال: قال رسول الله  : ((أكثروا ذكر هاذم اللذات – يعني الموت -))3، وقد اهتم النبي   بوعظ النساء، وكان لهن نصيب وافر من ذلك فعن أبي سعيد الخدري   خرج رسول الله   في أضحى أو فطر إلى المصلى، ثم انصرف فوعظ الناس وأمرهم بالصدقة فقال: أيها الناس تصدقوا، فمر على النساء فقال: ((يا معشر النساء تصدقن فإني رأيتكن أكثر أهل النار، فقلن: وبم ذلك يا رسول الله؟ قال: تكثرن اللعن وتكفرن العشير، ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب للب الرجل الحازم من إحداكن يا معشر النساء!))4،

فاحرص أيها الإمام على استغلال الفرص المناسبة لوعظ الناس فعظهم بقولك المؤثر فقد قال – تعالى -: وَعِظْهُمْ وَقُل لَّهُمْ فِي أَنفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغًا5، ويقول الله – تعالى -: ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ6،”

والمواعظ سياط تضرب القلوب فتؤثر في القلوب كتأثير السياط في البدن، والضرب لا يؤثر بعد انقضائه كتأثره في حال وجوده، لكن يبقى أثر التأليم بحسب قوته وضعفه، فكلما قوي الضرب كانت مدة بقاء الألم أكثر، وقد كان كثير من السلف إذا خرجوا من مجلس سماع الذكر خرجوا عليهم السكينة والوقار”7،

واعلم أن تخول الناس بالموعظة هو هدي النبي   فعن ابن مسعود   قال: “كان النبي   يتخولنا بالموعظة في الأيام؛ كراهة السآمة علينا”8، فليس بعد كل فرض موعظة، ولكن بحسب المناسب، والنظر في أحوال المستمعين هل الزمان مناسب للموعظة؟ فقد يكونون في عرس أو ما شابه ذلك، فلا بد أن يكون الفقه عند الإمام فهم أحوال المخاطبين، وهنا لفتة لطيفة يحسن الإشارة إليها وهي أن الإمام يعظ الناس بأفعاله وسلوكه، ويعظهم بالموعظة التي جاءت من عند ربهم، يعظهم بالكتاب الكريم يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاء لِّمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ9، فاقرأ في صلاتك ما تلين به قلوبهم، وتقشعر به جلودهم.

أسأل الله أن يصلح أحوالنا، ويغفر ذنوبنا، ويسدد على الخير خطانا.

 


1 أبو داود (3991)، وصححه الألباني في مشكاة المصابيح (165).

2 إحياء علوم الدين (4/451).

3 الترمذي (2229)، وصححه الألباني في الجامع الصغير وزياداته (2090).

4 البخاري (1369).

5 سورة النساء (63).

6 سورة النحل (125).

7 لطائف المعارف (1/17).

8 البخاري (66).

9 سورة يونس (57).