الحج المبرور

الحمد لله الذي هدى أولياءه لدين الإسلام، ووفقهم لزيارة بيته الحرام، وخصَّهم بالشوق إلى تلك المشاعر العظام، وحَطَّ عن وفده الأوزار والآثام.

أحمده سبحانه على جزيل الفضل والإنعام، وأشكره على ما أولاه من التوفيق والإلهام، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، الملك الحق السلام، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله خير معلم وإمام، اللهم صل على عبدك ورسولك محمدٍ وعلى آله وأصحابه البررة الكرام، وسلم تسليمًا كثيرًا.

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ}.

{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا}.

{يأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا}، أما بعد:

أيها الإخوة الموحِّدون

تهلّ علينا أشهر الحج المباركة في ختام العام لتكتمل بها دورة أركان الإسلام، فالصلوات الخمس مع صلاة الجمعة تكتمل دورتها كل أسبوع، والصيام يرتبط بشهر رمضان المبارك ابتداء وانتهاء، والزكاة يخرجها صاحبها بحسب شهرها الذي اكتمل فيه نصابها، وأما الحج فهو في شهر ذي الحجة آخر الشهور؛ ليكون خير ختام للعام ولأركان الإسلام.

ومن المعلوم أن أركان الإسلام هي فرائض وواجبات عينية على كل مسلم ومسلمة، فهي أوْلى العبادات بالاهتمام والعناية؛ لقول المصطفى  حين قال: «إِنَّ اللَّهَ قَالَ: مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالحَرْبِ، وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ»(1).

فالفرائض أحب الأعمال إلى الله تعالى بإطلاق، وتأتي من بعدها سائر القُرُبات والعبادات، فكن -أخي المسلم- مراعيًا لفرائض الله كلها، واجعلها دائمًا أهم أولوياتك؛ تسعد في دنياك وأخراك، بفضل الكريم المنّان.

أيها المسلمون

فرض الله عز وجل الحج وأوجبه بقوله تعالى: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا} [سورة آل عمران:97].

وبقول النبي : «بُنِيَ الإِسْلاَمُ عَلَى خَمْسٍ: شَهَادَةِ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَإِقَامِ الصَّلاَةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَالحَجِّ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ»(2).

فهو أحد أركان الإسلام، وفرائضه العظام، ومع هذا نجد أن من رحمة الله تبارك وتعالى بعباده أنه جعل الحج مرة واحدة في العمر؛ حتى لا يشق على عباده، ولا يقع كثير منهم في حرج، وأما من زاد عن الواحدة فهي له نافلة، كما جاء عن أبي هريرة، قال: خطبنا رسول الله  ، فقال: «أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ فَرَضَ اللهُ عَلَيْكُمُ الْحَجَّ، فَحُجُّوا»، فقال رجلٌ: أكلَّ عامٍ يا رسولَ اللهِ؟ فسكت حتى قالها ثلاثًا، فقال رسولُ اللهِ : «لَوْ قُلْتُ: نَعَمْ لَوَجَبَتْ، وَلَمَا اسْتَطَعْتُمْ»(3).

وصدق رسولُ الهُدى ، وهو الصادق المصدوق، فلو كان الحج كل عام لما استطعنا، ولو كان الحج كل عام لقصَّرنا وهلكنا، فالحمد لله البرِّ الرحيم.

عباد الله

انظروا إلى رحمة الله تبارك وتعالى بنا حينما شرَّع لنا التكاليف والأحكام فلم يشق علينا، وإنما كلّفنا بما نستطيع، وأمرنا بما نطيق، لم يكلّفنا بالمحال بل كلّفنا بالممكن، ولم يتعبّدنا سبحانه بالشاق العسير، بل باليسير المقدور، فهو القائل تبارك ذكره: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [سورة البقرة:286]، وقال أيضًا: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} [سورة الحج:78]، كما قال سبحانه: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} [سورة البقرة:185] فنحمده تعالى على إفضاله وإنعامه، وتيسيره وامتنانه.

وإن من رحمته سبحانه وتعالى أيضًا بعباده: أن جعل الحج واجبًا على المسلم المكلّف المستطيع، أما غير المستطيع فلا يجب الحج عليه.

وقد تكلم علماء الأمة عن حد الاستطاعة: فمنهم من ذكر الزاد والراحلة، وهناك من لم يشترط الراحلة لمن كان قريبًا من مكة أو من سكانها فلا يحتاج للراحلة، أو يستطيع أن يحج ماشيًا فيجب عليه الحج حينئذ.

وفي قول الله تعالى: {وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيق} [سورة الحج:27] قال بعض العلماء: قدَّم {رجالًا} يعني المشاة؛ لئلا يُفهم أن ذلك لا يجب إلا على من يملك الراحلة، فالذي يستطيع أن يحج ماشيًا يجب عليه أن يحج ماشيًا.

وذكر أهل العلم أن الاستطاعة مالية وبدنية:

مالية: تشمل نفقاته ونفقة من يعولهم ممن سيتركهم حتى يرجع.

واستطاعة بدنية: يقدر بها على السفر وأداء المناسك، فالمريض الذي لا يقدر على الذهاب للحج ولا يقوى على القيام بالمناسك لا يلزمه الحج بنفسه، ولكن يحج عنه غيره؛ لما ثبت في الصحيحين عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: جاءت امرأة من خثعم عام حجة الوداع، قالت: يا رسول الله إن فريضة الله على عباده في الحج أدركت أبي شيخًا كبيرًا لا يستطيع أن يستوي على الراحلة فهل يقضي عنه أن أحج عنه؟ قال: «نعم»(4)، فيحج عنه أحد الأبناء أو الأقارب، أو من يوكّله في ذلك.

وهناك أمر خاص يتعلق باستطاعة المرأة، مع القدرة المالية والبدنية: وهو وجود مَحْرَم لها يصحبُها في السفر، وبدون المحرم لا يجب عليها الحج؛ لقول النبي  : «لَا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ إِلَّا وَمَعَهَا ذُو مَحْرَمٍ، وَلَا تُسَافِرِ الْمَرْأَةُ إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ»، فقام رجل، فقال: يا رسول الله، إن امرأتي خرجت حاجة، وإني اكتتبت في غزوة كذا وكذا، قال: «انْطَلِقْ فَحُجَّ مَعَ امْرَأَتِكَ»(5).

وهذا مما يظهر حرص الإسلام الشديد على صَوْن المرأة، والبُعد بها عن الشبهات والأخطار، ولئن كان هذا في أداء فريضة من أعظم فرائض الدين، وأحد أركان الإسلام، فما بالنا بالسفر فيما هو أقل أهمية من ذلك، أو كان السفر للمعصية، أو فيما يضر ولا ينفع؟!

عباد الله

إذا علمنا فرضية الحج ووجوبه لابد أن نعلم أيضًا أن مَن وجب عليه الحج وتوفرت له الاستطاعة: فعليه أن يعجّل بالحج، فلا ينتظر ولا يسوّف، بل عليه أن يسارع وأن يتعجّل، فإن الراجح من أقوال أهل العلم أن الحج واجب على الفور، وليس على التراخي، قال رسول الله : «مَنْ أَرَادَ الْحَجَّ، فَلْيَتَعَجَّلْ، فَإِنَّهُ قَدْ يَمْرَضُ الْمَرِيضُ، وَتَضِلُّ الضَّالَّةُ، وَتَعْرِضُ الْحَاجَةُ»(6)، وهذا ما نراه في الواقع ونشاهده من أحوال كثيرين ممن تكاسلوا وتباطؤوا في أداء فريضة الحج:

فمنهم من بلغ الستين من عمره ومن سكان الحرمين، ولم يحج مرة واحدة، فمتى يحج مثل هذا؟

وآخر قد عاش أكثر من عشرين عامًا يعمل ببلاد الحرمين، وفي كل عام يؤجل للعام التالي، وبعد أن عاد لبلده وتقدّم بأوراقه للحج فوجئ برفض طلبه! بعد أن أضاع أكثر من عشرين فرصة ميسورة بين يديه!

وآخرون في شتى بقاع الأرض من أصحاب القدرة والثراء شغلتهم أموالهم وأعمالهم عن تلبية نداء الفريضة الجليلة، بينما يتمنى الملايين من فقراء المسلمين أو المرضى العاجزين لو يجدون أدنى مقدرة بدنية ومالية للمسارعة إلى بلد الله الحرام حجّاجًا ومعتمرين! ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

فلم التواني؟! ولم التكاسل؟! بل التفريط والتهاون ممن توفرت له فرصة الفريضة، وزيارة بيت الله الحرام، والطواف به، وأن يكون محرِمًا ملبّيًا، يشرب من زمزم، ويسعي بين الصفا والمروة، وأن يكون من أهل عرفات الله، متنعّمًا برحمات الله، متقلّبًا في نعمه، وساعيًا للمغفرة والرحمة والرضوان.

أما يخاف أولئك الذين يؤجّلون الحج ويسوّفونه؟ أما يخشون أن تصرعهم المنايا، أو تخطفهم سهام المنون، وقد تركوا حج البيت العتيق، وقد جاء عن أمير المؤمنين الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه وعيدٌ شديد في حق هؤلاء المفرِّطين بغير عذر في قوله: “لقد هممت أن أبعث رجالًا إلى الأمصار فينظرون من كان له سعة ولم يحج أن يضربوا عليه الجزية، والله ما هم بمسلمين، والله ما هم بمسلمين”!

فيا من وسّع الله عليه، ورزقه من فضله، احذر غضب الجليل والتهاون في فريضته، وإنْ زادك الله من فضله وسعته بعد الفريضة فهو نافلة لك في عبادة عظيمة، فلا تحرم نفسك من الوفود على رب العالمين سبحانه، فقد جاء في الحديث القدسي: «إِنَّ عَبْدًا صَحَّحْتُ لَهُ جِسْمَهُ، وَوَسَّعْتُ عَلَيْهِ فِي الْمَعِيشَةِ يَمْضِي عَلَيْهِ خَمْسَةُ أَعْوَامٍ لَا يَفِدُ إِلَيَّ لَمَحْرُومٌ»(7)، نسأل الله تعالى العافية.

معاشر المؤمنين

ولكي ندرك كيف يكون محرومًا من يمتنع عن فريضة حج بيت الله الحرام مع قدرته؛ فلننصت لكلام رسول الله  حينما بيّن للأمة فضل الله تعالى على عباده في الحج، وما ينتظر الحاج من أجر عظيم وثواب جزيل، فضلًا عن إثم التفريط في الفريضة مع القدرة؛ وذلك في أحاديث عديدة، فقد سُئل رسولنا الكريم : أيُّ العملِ أفضلُ؟ فقال: «إِيمَانٌ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ»، قيل: ثم ماذا؟ قال: «الجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ»، قيل: ثم ماذا؟ قال: «حَجٌّ مَبْرُورٌ»(8)، فجاء الحج في أعلى مستويات الأعمال التي يحبها الله عز وجل.

والحج نوع من الجهاد فعن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها، قالت: قلت: يا رسولَ الله، ألا نغزو ونجاهد معكم؟ فقال: «لَكُنَّ أَحْسَنُ الجِهَادِ وَأَجْمَلُهُ الحَجُّ، حَجٌّ مَبْرُورٌ»، فقالت عائشةُ: “فلا أدعُ الحَجَّ بعد إذ سمعتُ هذا من رسول اللَّه (9).

والحاج موصوف بأنه من وفد الله الذين يكرمهم، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «وَفْدُ اللَّهِ ثَلَاثَةٌ: الْغَازِي، وَالْحَاجُّ، وَالْمُعْتَمِرُ»(10)، وفي رواية: «دَعَاهُمْ فَأَجَابُوهُ، وَسَأَلُوهُ فَأَعْطَاهُمْ»(11).

والحج طهارة للقلوب، ومغفرة للذنوب، فصحيفة الحاج تعود بيضاء نقية، مصداقًا لقول رسولنا : «مَنْ حَجَّ لِلَّهِ فَلَمْ يَرْفُثْ، وَلَمْ يَفْسُقْ، رَجَعَ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ»(12).

والحج المبرور لا يقتصر على تكفير السيئات صغيرها أو كبيرها، بعضها أو كلها، بل جزاؤه الجنة كما أخبر الصادق المصدوق في قوله: «والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة»(13).

كما أن تتابع السفر وإنفاق المال في الحج والعمرة مما يمنع الفقر، ويجلب البركة والغنى، مع مغفرة الذنوب والآثام، فعن عبدالله بن مسعود قال: قال رسول الله : «تَابِعُوا بَيْنَ الحَجِّ وَالعُمْرَةِ، فَإِنَّهُمَا يَنْفِيَانِ الفَقْرَ وَالذُّنُوبَ كَمَا يَنْفِي الكِيرُ خَبَثَ الحَدِيدِ، وَالذَّهَبِ، وَالفِضَّةِ، وَلَيْسَ لِلْحَجَّةِ المَبْرُورَةِ ثَوَابٌ إِلَّا الجَنَّةُ»(14).

والحاجُّ يلبي في حجه فيلبّي معه الكون عن يمينه وعن شماله، كما جاء عن سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه، عن رسول الله  قال: «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُلَبِّي إِلَّا لَبَّى مَنْ عَنْ يَمِينِهِ، أَوْ عَنْ شِمَالِهِ مِنْ حَجَرٍ، أَوْ شَجَرٍ، أَوْ مَدَرٍ، حَتَّى تَنْقَطِعَ الأَرْضُ مِنْ هَاهُنَا وَهَاهُنَا»(15).

أما يوم عرفة الذي هو ركن الحج الأكبر فعطاء الله تعالى فيه لأهل الموقف لا حدَّ له، فهو يوم العتق والمغفرة والمباهاة، فعن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها: أن رسول الله قال: «مَا مِنْ يَوْمٍ أَكْثَرَ مِنْ أَنْ يُعْتِقَ اللهُ فِيهِ عَبْدًا مِنَ النَّارِ، مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ، وَإِنَّهُ لَيَدْنُو، ثُمَّ يُبَاهِي بِهِمِ الْمَلَائِكَةَ، فَيَقُولُ: مَا أَرَادَ هَؤُلَاءِ؟»(16).

وفي رواية: «إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يُبَاهِي مَلَائِكَتَهُ عَشِيَّةَ عَرَفَةَ بِأَهْلِ عَرَفَةَ، فَيَقُولُ: انْظُرُوا إِلَى عِبَادِي أَتَوْنِي شُعْثًا غُبْرًا»(17).

فما أشد حرمان من يغفل عن هذه الفضائل، فضلًا عن التفريط في الفريضة العظيمة لمن استطاع إليها سبيلًا!

نعوذ بالله من الشقاء والحرمان، ونسأله سبحانه أن يقيَنا شُحَّ أنفسنا {وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [سورة الحشر:9].

أيها المسلمون

إنَّ المتأمل في كلام رسول الله  عن الحج وثوابه وما يترتب عليه من جزاء، نجد أنه صلوات ربي وسلامه عليه لم يذكر مجرد أداء أعمال الحج، بل ذكر الحج بصفة مخصوصة يترتب عليها هذا الفضل، فقال: «حج مبرور»، أو «الحج المبرور».

والحج المبرور ليس مجرد سفر وإحرام وطواف وسعي ووقوف وذهاب وإياب، فليست هذه الأعمال مقصودة لذاتها، بل لإقامة ذكر الله وتعظيمه جل وعلا، وإلا لكان كل من ذهب للبيت الحرام يُعدُّ حجُّه مقبولًا:

لا يَقبَلُ اللَّهُ إلَّا كلَّ صَالحَةٍ ** مَا كلُّ مَنْ حجَّ بَيْتَ اللهِ مَبْرُورُ

فدل هذا الوصف “مبرور” على أن هذا الفضل العظيم، والأجر الكبير، إنما يظفر به من حج حجًّا مبرورًا، كما سيأتي بيانه من كلام أهل العلم.

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بالآيات والذكر الحكيم، أقول ما تسمعون، وأستغفر الله لي ولكم من كل ذنب فاستغفروه، قد أفلح المستغفرون.

الخطبة الثانية

الحمد لله على إنعامه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، ولا إله إلا الله تعظيمًا لشأنه، وصلى الله وسلم وبارك على خير خلقه محمد وعلى آله وصحابته وإخوانه، أما بعد:

عباد الله

إن الثمرة المرجوّة من إنفاق الأموال، وتحمل المشاقّ في السفر، وبذل الجهد في المناسك، والتضحية بالوقت والراحة والمال ومتطلبات النفس؛ هي أن يكون الحج مبرورًا.

والحج المبرور عرّفه بعض العلماء بالمقبول.

وقيل: الذي لا يخالطه شيء من الإثم.

وقيل: إنه الحج الذي وفّيت أحكامه وكان موافقًا لما طُلب من المكلّف على الوجه الأكمل.

ويجمع ذلك كله: أن يستوفي الحاج في حجه أحكامَه من أركان وواجبات، وشروط، وآداب، وغيرها، كما يجتنب فيه المحظورات والآثام والسيئات، وأن يكثر فيه من البر والخيرات.

فالسبيل -أخي المسلم- لكي يكون حجك مبرورًا يكون بمراعاة أمور لابد منها قبل الحج وأثنائه وبعده:

فأولها وأهمها: إخلاص النية لله تعالى، فبدون هذا الأصل العظيم لا يقبل الله تعالى العمل، قال تعالى: {فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحًا وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا} [سورة الكهف:110]، وقوله : «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى»(18)، فالنية الخالصة تعني: أن لا يقصد بحجه غير الله عز وجل، لا يقصد رياء ولا سمعة، ولا وجاهة ولا لقبًا، ولا غيرها مما يضر ويفسد العمل.

ومنها، ومن أهمها كذلك: أن يكون الحج موافقًا لهدي النبي -صلى الله عليه وسلم، حتى يكون صوابًا، فيتعين على الحاجِّ أن يتعلم كيفية الحج ويعرف أحكامه وشروطه ومحظوراته، وما يجب عليه فعله، وما لا يجوز؛ عملًا بقوله : «لِتَأْخُذُوا مَنَاسِكَكُمْ»(19)، ومن لم يستطع فعليه أن يسأل؛ عملًا بقوله تعالى: {فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} [سورة النحل:43].

ومنها: إعداد النفس وتهيئتها للحج، وذلك:

 بالتوبة النصوح: فالعبد مقبل على الله تعالى يرجو مغفرته ورحمته، والذنوب والسيئات من أكبر العوارض التي تحول بين العبد وربه، قال تعالى: {وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُون} [سورة النور:31]. وبحُسن اختيار الرفقة الصالحة في رحلتك: فإن كانوا على خير نفعوك بخيرهم، وأعانوك على الخير والطاعة؛ لقول الله عز وجل: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَـئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللّهُ إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيم} [سورة التوبة:71]، وإن كانوا غير ذلك أفسدوك وأفسدوا عليك حجك، وألْـهَـوكَ عن الطاعة والعبادة. ومنها: أن يكون الحج بنفقة حلال؛ لقوله : «أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ اللهَ طَيِّبٌ لَا يَقْبَلُ إِلَّا طَيِّبًا، وَإِنَّ اللهَ أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ الْمُرْسَلِينَ، فَقَالَ: {يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا، إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ} [سورة المؤمنون:51] وَقَالَ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ} [سورة البقرة:172] ثُمَّ ذَكَرَ الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ أَشْعَثَ أَغْبَرَ، يَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ، يَا رَبِّ، يَا رَبِّ، وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ، وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ، وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ، وَغُذِيَ بِالْحَرَامِ، فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ؟»(20).

ومنها: الإكثار من أعمال البر، والبر يطلق على الإحسان إلى الناس، ومنه حسن الخلق، كما قال النبي  عندما سئل عن البر؟ فقال: «الْبِرُّ حُسْنُ الْخُلُقِ»(21)، ومنه قول ابن عمر رضي الله عنهما: “البر شيء هين: وجه طليق وكلام لين”، وهذا يحتاج إليه الحاج كثيرًا؛ لكثرة احتكاكه بالناس مع التعب والتزاحم مما يحتاج إلى حُسن الخلق والرفق والصبر والاحتمال.

كما يُطلق البر على فعل الطاعات كلها، وضده الإثم، ومنه قول الله تعالى: {وَلَـكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواْ وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاء والضَّرَّاء وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَـئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَـئِكَ هُمُ الْمُتَّقُون} [سورة البقرة:177].

ومنها: اجتناب أفعال الإثم فيه من الرفث والفسوق والمعاصي؛ لقول الله تعالى: {فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى} [سورة البقرة:197]، وفي الحديث الصحيح: «مَنْ حَجَّ لِلَّهِ فَلَمْ يَرْفُثْ، وَلَمْ يَفْسُقْ، رَجَعَ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ»(22)، وهذا ما ينبغي أن يكون عليه الحاج، إذ هو سافر من أجل الطهارة من الأوزار، والتخلص من الآثام، فكيف له -وهذا شأنه- أن يقترفها في تلك البقاع المقدسة، والأيام المباركة؟!

وأخيرًا: عليك أخي الحاج إذا منّ الله عليك بتمام رحلة الحج المباركة، بعد أن ترجع إلى بيتك وأهلك، أن تتقي الله تعالى فيما بقي من عمرك، وأن تسعى لتكون على حال أفضل مما كنت عليه قبل الحج، فإن من علامات قبول الطاعة أن تُتبعها بطاعة بعدها، كما قال أهل العلم.

أسأل الله العلي القدير أن يوفقنا جميعًا لما يحبه ويرضاه، وأن يبلغنا جنته، ويعمّنا برحمته، وأن يكتب لنا حج بيته الحرام، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

اللهم ارحم موتانا، واشف مرضانا، وعاف مبتلانا، واجعل آخرتنا خيرًا من دنيانا.

اللهم ارزقنا قبل الموت توبة، وعند الموت شهادة، وبعد الموت جنة ونعيمًا.

اللهم ارزقنا حج بيتك الحرام حجًّا مبرورًا لا رياء فيه ولا سمعة، وارزقنا زيارة حرم نبيك المصطفى ، بفضلك وكرمك يا رب العالمين.

اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك، وأغننا بفضلك عمن سواك.

اللهم ارفع عنا البلاء والوباء والغلاء، اللهم إنا نعوذ بك من البرص والجنون والجذام ومن سيئ الأسقام.

اللهم انصر الحق وأهله، واخذل الباطل وحزبه، اللهم أرنا الحق حقًّا وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلًا وارزقنا اجتنابه.

اللهم الطف بإخواننا المستضعفين في مشارق الأرض ومغاربها، اللهم انصرهم على عدوك وعدوهم، وانصرهم نصرًا مؤزرًا، اللهم داو جرحاهم، واشف مرضاهم، اللهم تقبل شهداءهم.

اللهم عليك بأعداء الملة والدين، اللهم شتّت شملهم، وفرّق جمعهم، واجعل الدائرة عليهم، اللهم أحصهم عددًا، واقتلهم بددًا، ولا تغادر منهم أحدًا.

وصل الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.


 

  1.  رواه البخاري في صحيحه (6502).
  2.  متفق عليه، رواه البخاري (8)، ومسلم 19 – (16).
  3.  رواه مسلم في صحيحه 412 – (1337).
  4.  رواه البخاري (1854) ومسلم 407 – (1334).
  5.  متفق عليه، رواه البخاري (3006)، ومسلم 424 – (1341).
  6.  رواه ابن ماجه في سننه، باب الخروج إلى الحج (2883).
  7.  رواه ابن حبان في صحيحه (3703).
  8.  متفق عليه، رواه البخاري، كتاب الإيمان، باب من قال إن الإيمان هو العمل، (26)، ومسلم، كتاب الإيمان، باب بيان كون الإيمان بالله تعالى أفضل الأعمال، 135 – (83).
  9.  رواه البخاري في صحيحه (1861).
  10. رواه ابن حبان في صحيحه (3692)، وابن خزيمة في صحيحه (2511).
  11. رواه ابن ماجه في سننه (2893).
  12. رواه البخاري في صحيحه (1521) ومسلم في صحيحه 438 – (1350).
  13. متفق عليه، رواه البخاري في صحيحه (1773) ومسلم في صحيحه 437 – (1349).
  14. رواه الترمذي في سننه (810)، والنسائي في سننه (2631).
  15. رواه ابن خزيمة في صحيحه (2634)، والترمذي في سننه (828).
  16. رواه مسلم في صحيحه 436 – (1348).
  17. رواه أحمد في مسنده (7089).
  18. متفق عليه، رواه البخاري: (1)، ورواه مسلم 155 – (1907).
  19. رواه مسلم: 310 – (1297).
  20. رواه مسلم: 65 – (1015).
  21. رواه مسلم: 14 – (2553).
  22. سبق تخريجه.