أعمال صالحات في العشر المباركات

الحمد لله الذي خلق الخلق وفضَّل بعضهم على بعض، ففضَّل الأنبياء على سائر البشر، وفضَّل أولي العزم على سائر الأنبياء، وفضَّل مكة والمدينة على سائر بقاع الأرض، وفضَّل المسجد الحرام والمسجد النبوي والمسجد الأقصى على سائر المساجد، وفضَّل الأشهر الحُرُم وشهر رمضان على سائر الشُّهور، وفضَّل ليالي العشر الأخير من رمضان على سائر ليالي العام، وفضَّل أيَّام عشر ذي الحجَّة على سائر أيَّام العام، وفضَّل يوم الجمعة على سائر أيَّام الأسبوع، وفضَّل ليلة القدر على سائر اللَّيالي، وفضَّل يوم النَّحر على سائر أيَّام العام، وفضَّل ثلث الليل الأخير على سائر اللَّيل، وفضَّل ساعةً من يوم الجمعة على سائر اليوم.

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ قائدنا وقدوتنا ومخرجنا من الظُّلمات إلى النُّور محمدًا عبدُالله ورسوله، صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وصحبه.

عباد الله، أوصيكم ونفسي بخير ما يُوصى به، بتقوى الله:

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ} [آل عمران:102]، {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً} [النساء:1]، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً ۝  يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً} [الأحزاب:70- 71].

أما بعد:
أيها المسلمون:

إنَّ من نعم الله سبحانه على عباده: تفضيلَ بعض الأزمنة على بعض؛ وذلك لإعلاء الهمم وتقوية العزائم لزيادة عبادته وطاعته والتَّقرب إليه سبحانه، “والسَّعيد من اغتنم مواسم الشُّهور والأيَّام والسَّاعات، وتقرَّب بها إلى مولاه بما فيها من وظائف الطَّاعات، فعسى أن تصيبه نفحةٌ من تلك النَّفَحات، فيسعد بها سعادةً يأمن بعدها من النَّار وما فيها من اللَّفَحات”(1).

وها هي تهلُّ علينا أعظم أيَّام الدُّنيا وأفضل أيَّام السنة، أيَّام العشر الأوائل من ذي الحجَّة، أيَّامٌ العمل الصَّالح فيها أحبُّ إلى الله من أيِّ أيامٍ أُخَرْ.

وفي هذه الأيَّام العظيمة يوم عرفة، يوم إكمال هذا الدين، يوم العتق من النيران، يومٌ يُرجَى فيه إجابة الدعاء، يومٌ صيامه يُكفِّر ذنوب سنتين.

وفي هذه الأيَّام يوم النَّحر، اليوم الذي قال عنه النبي  : «أعظم الأيَّام عند الله يوم النَّحر»(2)؛ لأنه يجتمع في هذا يوم من العبادات والطَّاعات ما لا يجتمع في غيره، ففيه تُرمَى الجمرات، ويُنحَر الهدي، وتُحلق أو تقصَّر الرؤوس، ويُطاف بالبيت، ويُسعَى بين الصَّفا والمروة، ويُصلّى العيد وتُذبَح الأضاحي.

ولفضل هذه الأيَّام وعِظَم مكانتها اختلف العلماء في المفاضلة بينها وبين العشر الأواخر من رمضان، ومما قيل في ذلك عن الإمام ابن تيمية رحمه الله وغيره: أيَّام عشر ذي الحجَّة أفضل من أيَّام العشر من رمضان، والليالي العشر الأواخر من رمضان أفضل من ليالي عشر ذي الحجَّة(3).

إخوة الإيمان والإسلام:

ينبغي لنا أن نستقبل هذه الأيَّام بالتَّوبة الصادقة إلى الله، والعزم على طاعته، والحذر من معصيته، فإذا كانت التَّوبة واجبةً في كلِّ وقتٍ ففي هذه الأوقات أوجب، فهذه الأيَّام فرصةٌ وغنيمةٌ يجب علينا أن نجتهد في عبادة الله فيها، فلا أحد منَّا يضمن أن يعيش إلى مثل هذه الأيَّام العظيمة في العام القادم، بل لا أحد يَضمن أن يعيش إلى اللَّحظة القادمة؛ فالموت أقرب إلينا من شِرَاك نَعْلِنا، فعلينا أن نعمل ليومٍ لا ينفع فيه مالٌ ولا بنونٌ.

عباد الله:

قال نبيُّنا الكريم محمدٌ  : «ما من أيَّامٍ العمل الصالح فيهنَّ أحبُّ إلى الله منه في هذه الأيَّام العشر»، قالوا: ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: «ولا الجهاد في سبيل الله، إلا رجلٌ خرج بنفسه وماله ولم يرجع من ذلك بشيءٍ»(4).

وتفيد الألف واللام في العمل الصَّالح هنا العموم، فأيُّ عملٍ صالحٍ يقع في هذه الأيَّام أحبُّ إلى الله من وقوعه في غيرها، وفي هذا ترغيبٌ لنا في الإكثار من الأعمال الصَّالحة، سواءً كانت واجبةً فنحافظ عليها ونُحْسِن في أدائها، أو مستحبَّةً فنكثر منها؛ لكي ننال أعظم ما في الدنيا من نعيمٍ، ألا وهي محبة الله “فهي قُوت القلوب، وغذاء الأرواح، وقُرَّة العيون، وهي الحياة التي من حُرِمها فهو من جملة الأموات، والنُّور الذي من فقده فهو في بحار الظُّلمات، والشِّفاء الذي من عَدِمه حلَّت بقلبه جميع الأسقام، واللَّذة التي من لم يظفر بها فعيشه كله همومٌ وآلامٌ”(5).

أيُّها الموحِّدون:

الحجُّ والعمرة هما أفضل الأعمال الصالحة في عشر ذي الحجَّة، وفضلهما عظيم معلوم، قال رسول الهدى  : «العمرة إلى العمرة كفَّارةٌ لما بينهما، والحجُّ المبرور ليس له جزاءٌ إلا الجنَّة»(6)، نسأل الله تعالى أن يمنَّ علينا جميعًا بهما.

وللحريصين على الفضل والأجر بشرى عظيمة لمن عجز عن الحج، وهي قول النبي  : «من صلَّى الفجر في جماعةٍ ثم قعد يذكر الله حتى تطلع الشَّمس، ثم صلَّى ركعتين كانت له كأجر حجَّةٍ وعمرةٍ»، وفي رواية: «تامَّةٍ تامَّةٍ تامَّةٍ»(7). وإذا كان المسجد يُغلق بعد صلاة الفجر مع حرصك على هذا الفضل فاجلس في بيتك تذكر الله حتى تطلع الشَّمس، ثم صلِّ ركعتين، ويُرجى لك نفس الأجر إن شاء الله؛ لحرصك عليه لو كان متاحًا.

ومعلومٌ – أيها الفضلاء -أنَّ هذا الأجر الكريم لا يقوم مقام الحجَّ أو يسقطه على من فُرِض عليه، وإنما هذا بيانٌ للفضل والأجر.

ومن الأعمال الصالحة في هذه الأيَّام: الصِّيام، فقد ورد في فضله نصوصٌ كثيرةٌ، ويكفي منها أنَّ الله سبحانه أضافه إلى نفسه، فقال تعالى في الحديث القدسي: «كُلُّ عمل ابنِ آدمَ له إلَّا الصَّوم، فإنَّه لي وأنا أجزي به»(8). وقال الإمام النَّووي -رحمه الله- عن صوم هذه الأيَّام: “هي مستحبَّةٌ استحبابًا شديدًا، لا سيَّما التَّاسع منها، وهو يوم عرفة”(10)، وقد قال النبي   عنه: «صيام يوم عرفة، أحتسب على الله أن يكفِّر السَّنة التي قبله، والسَّنة التي بعده»(11)، وتكفير السَّيئات هنا هو تكفيرٌ للصغائر وليس للكبائر فلابد من التوبة منها.

ومن أهم الأعمال الصالحة التي ينبغي لنا أن نحافظ عليها في هذه الأيَّام: ذكر الله، فقد قال تعالى: {وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ} [الحج:28] وعن ابن عمر -رضي الله عنهما- عن النبي   قال: «ما منْ أيامٍ أعظم عند الله ولا أحَبُّ إليه العمل فيهنَّ منْ هذه الأيَّام العَشْر، فأكثروا فيهنَّ من التهليل والتكبير والتحميد»(12)،

وكان ابن عمر وأبو هريرة -رضي الله عنهما- يخرجان إلى السوق في أيام العشر يكبِّران، ويكبِّر النَّاس بتكبيرهما(13)، وكان عمر -رضي الله عنه- يكبِّر في قبَّته بمنى فيسمعه أهل المسجد، فيُكبِّرون ويُكبِّر أهل الأسواق حتى ترتجَّ منًى تكبيرًا، وكان ابن عمر -رضي الله عنهما- يُكبِّر بمنًى تلك الأيَّام، وخلف الصًّلوات وعلى فراشه وفي فسطاطه ومجلسه وممشاه تلك الأيَّام جميعًا، وكانت ميمونة -رضي الله عنها- تُكبِّر يوم النَّحر(14).

ومن الأعمال الصالحة في يوم النَّحر: صلاة العيد، وفضلها عظيم معلوم؛ وقد نص عليها القرآن في قوله تعالى: {فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ} [الكوثر:2].

ومن أفضل القربات في يوم النَّحر: الأضحية، فهي سنَّة أبينا إبراهيم -عليه السلام- حين فدى الله ولده بذِبْحٍ عظيم، ومن السُّنَّة عدم حلق الشَّعر أو تقليم الأظفار لمن أراد أن يُضحِّي؛ لما روته أمُّ سلمة -رضي الله عنها- أن النبي   قال: «إذا دخلت العشر وأراد أحدكم أن يُضحِّي، فلا يمسَّ من شعره وبَشَرِه شيئًا»(15).

نسأل الله تعالى أن يوفقنا لما يحب ويرضى، وأن يعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته، وأقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.

الخطبة الثانية:

الحمد لله ربِّ العالمين، والعاقبة للمتَّقين، ولا عدوان إلَّا على الظالمين، وأشهد ألَّا إله إلَّا الله، البرُّ الكريم، الرَّؤوف الرحيم، وأشهد أنَّ نبينا محمدًا   خاتم الأنبياء والمرسلين. أما بعد:

إخوة الإيمان والإسلام:

ومن العادات الاجتماعية الجميلة المتعارف عليها يوم العيد التي تصير “عباداتٍ” بإخلاص النية لله فيها: صلةُ الرحم؛ فحافظوا على صلة أرحامكم، واغتنموا ما فيها من فوائد كثيرةٍ في الدنيا والآخرة، منها قول النبي  : «الرَّحمُ معلَّقةٌ بالعرش تقولُ: مَن وصلني وصله اللهُ، ومَن قطعني قطعه الله»(16)، وقوله   أيضًا: «من سرَّه أن يُبسَط له في رزقه، أو يُنسَأ له في أثره؛ فليصل رحمه»(17).

ومن الأعمال الصالحة التي ينبغي للمسلم أن يحرص عليها في عشر ذي الحجَّة، بل وفي كل وقت: الحرص على الصلاة في أوقاتها جماعةً، والإكثار من النوافل، مثل: السنن القبلية والبعدية للصلوات، والضحى، وقيام الليل، والوتر، فالصلاة أفضل الأعمال بعد الشهادتين، ويَحطُّ الله بسببها الخطايا، ويُكفِّر السيئات، ويرفع الدرجات، ويجعل لصاحبها نورًا يوم القيامة.

ومن الأعمال الصالحة التي يتأكّد الحرص عليها في هذه الأيَّام: قراءة القرآن وتدبره، والصدقة، وبر الوالدين، والإصلاح بين الناس، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والإحسان إلى الجيران، وزيارة المرضى، وحفظ اللسان، وغض البصر، والدعاء، والحرص على الكسب الحلال، والمحافظة على الوقت، إلى غيرها من أبواب البر والطاعات.

فشمِّروا – عباد الله – عن سواعد الجد، وسارعوا وسابقوا إلى اغتنام الموسم العظيم بأنواع الذكر والبر والطاعات، {وَفِي ذَٰلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ} [المطففين:26].

اللَّهمَّ وفِّقنا إلى فعل الخيرات وترك المنكرات.

اللهم خذ بأيدينا إلى كلِّ خير، واصرف عنَّا كلَّ شرٍّ.

اللَّهمَّ ارزقنا زيارة بيتك الحرام حجّاجًا ومعتمرين.

اللهم علِّمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علَّمتنا، وزدنا علمًا.

اللَّهمَّ أعنَّا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك، اللهم ارزقنا الإخلاص في القول والعمل.

اللهم أصلح أحوالنا، وتولَّ أمرنا، وألِّف بين قلوبنا، وأصلح ذات بيننا، واجمع كلمتنا، وانصرنا على من عادانا، وأعنَّا على أنفسنا، ولا تجعل للظالمين علينا سبيلًا.

وآخر دعوانا أن الحمد لله ربِّ العالمين، وصلِّ اللهم على نبينا محمدٍ وعلى آله وصحبه وسلِّم.


  1. لطائف المعارف، لابن رجب، ص40، تحقيق ياسين محمد السّواس، دار ابن كثير، دمشق وبيروت، الطبعة الخامسة.
  2. أبو داود (1765) كتاب المناسك، باب في الهدي إذا عطب قبل أن يبلغ. وأحمد (19075), وصححه الألباني في صحيح الجامع 1064، وقال شعيب الأرنؤوط: إسناده صحيح.
  3. مجموع الفتاوى، ابن تيمية (25/ 287).
  4. البخاري (969) أبواب العيدين، باب فضل العمل في أيام التشريق. والترمذي (757)، واللفظ له، أبواب الصوم، باب فضل العمل في أيام التشريق.
  5. مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين، ابن القيم، 3/ 8، دار الكتاب العربي، الطبعة الثالثة.
  6. البخاري (1773)، أبواب العمرة، باب وجوب العمرة وفضلها، ومسلم (1349)، كتاب الحج، باب في فضل الحج والعمرة ويوم عرفة.
  7. رواه الترمذي (586)، أبواب السفر، باب ذكر ما يستحب من الجلوس في المسجد بعد صلاة الصبح حتى تطلع الشمس، وحسنه الألباني.
  8. البخاري واللفظ له (5927) كتاب اللباس، باب ما يُذكر في المسك، ومسلم (1151) كتاب الصيام، باب فضل الصيام.
  9. رواه أبو داود (2437)؛ والنسائي (2417)، وصححه الألباني.
  10. شرح النووي على مسلم (8/ 71).
  11. رواه مسلم (1162) كتاب الصيام، باب استحباب صيام ثلاثة أيام من كل شهر، وصوم يوم عرفة، وعاشوراء، والإثنين والخميس.
  12. رواه أحمد (6154)، وصححه أحمد شاكر.
  13. البخاري، باب فضل العمل في أيام التشريق.
  14. البخاري، باب التكبير أيام منى، وإذا غدا إلى عرفة.
  15. مسلم (1977)، كتاب الأضاحي، باب نهي من دخل عليه عشر ذي الحجة وهو مريد التضحية أن يأخذ من شعره، أو أظفاره شيئا.
  16. مسلم (2555) كتاب البر والصلة والآداب، باب صلة الرحم وتحريم قطيعتها.
  17. البخاري (5985) كتاب الآداب، باب من بُسِط له في الرزق بصلة الرحم، ومسلم (2557) كتاب البر والصلة والآداب، باب صلة الرحم وتحريم قطيعتها.