من أسرار مناسك الحج وحكمه

الحمد لله الذي جعل مواسم الخيرات مربحًا ومغنمًا، وأيام البركات إلى جناته طريقًا وسُلَّمًا، والصلاة والسلام على المبعوث للناس رحمةً ومعلمًا، بعثه الله -عز وجل- في أمةٍ جعلت الكعبة قبلتها، والحج والعمرة سياحتها، والمسجد الحرام ملتقاها، يأتون إليه من كل فج عميق، حيث يذكرون الله بكل لسان، ويؤدون عبادة عظيمة بالأموال والأبدان والوجدان، أما بعد:

أيها المسلمون

إن للحج أسرارًا بديعة، وحكمًا عظيمةً، وبركاتٍ متعددة، ومنافع مشهودة، سواء على مستوى الأفراد، أو على مستوى الأمة، قال تعالى: {وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ ۝ لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ ۝ ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ}.

أيها المؤمنون

لقد وردت في فضل الحج أحاديث كثيرة وصحيحة، ومنها قوله -عليه الصلاة والسلام-: «من حج هذا البيت، فلم يرفث، ولم يفسق، رجع كما ولدته أمه»(1).

وظاهر هذا الحديث وغيره من الأحاديث يدل على أن الحج يسقط الذنوب صغيرها وكبيرها، ولكن عند النظر والتأمل والجمع بين النصوص المختلفة يتبيّن أن الحج إنما يكفّر ذنوب العبد التائب إلى ربه، الراجع إليه، الراجي رحمته وعفوه، المقلع عن ذنوبه الكبار، عازمًا ألا يعود إليها.

فكما أن الإنسان إذا خرج من بطن أمه فإنه لا ذنب عليه؛ فكذلك الحاج يكون نقيًّا من ذنوبه إذا تاب من كل الذنوب والمعاصي، وتحلَّى بالأخلاق الفاضلة، وأدى مناسك الحج على وجهها المشروع، قال تعالى: {الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ}.

ومما يدل على ذلك قول الله -عز وجل- في نهاية آيات الحج من سورة البقرة: {وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ} [البقرة: 203] فقوله -سبحانه وتعالى-: {لِمَنِ اتَّقَى} يدل على أن المتقي لله، الخائف منه، هو الذي تُغفر له ذنوبه بعد تمام الحج؛ فليس المقيم على الذنب كمن اتقى الله وخافه!

ومن الأدلة: قوله عليه الصلاة والسلام: «الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة» ولا يكون الحج مبرورًا إلا إذا كان صاحبه تائبًا إلى الله من معاصيه، راجعًا إليه، أما من كان مصرًّا على المعاصي، مقيماً عليها، أو ناويًا أن يعود إليها بعد حجه؛ فإن حجه لا يكون مبرورًا.

ومن الأدلة: ما جاء عن ابن مسعود -رضي الله عنه- قال: قال رجل: يا رسول الله، أنؤاخذ بما عملنا في الجاهلية؟ قال: «من أحسن في الإسلام لم يؤاخذ بما عمل في الجاهلية، ومن أساء في الإسلام أخذ بالأول والآخر»(2) وفي الحديث الآخر: «أما علمت أن الإسلام يهدم ما كان قبله؟ وأن الهجرة تهدم ما كان قبلها؟ وأن الحج يهدم ما كان قبله»(3).

فمن كانت له معاصٍ قبل الحج؛ فإن الحج يهدم ما كان من هذه المعاصي، إلا إذا كان الحاج مقيمًا على معاصيه، مستمرًّا فيها؛ فإن الحـج لا يهدم ما كان قبله في هذه الحالة.

أيها الأحباب الكرام

حقـوق العباد مبنية على المشاحّة، فمن كان عليه دين لم يؤده، أو في ذمته عهد، أو مال، أو أمانة لغيره؛ فإن الحـج شأنه شأن كل الطاعات التي يكفّر الله بها السيئات، ولا يكفّر الله بها حقوق الآدميين، ويؤيد ذلك أن الشهادة في سبيل الله لا تكفِّر حقوق العباد؛ لقوله -عليه الصلاة والسلام-: «يغفر للشهيد كل ذنب إلا الدَّيْن»(4) فإذا كانت الشهادة لا تكفّر حقوق الآدميين، فكذلك الحج، بل لابد من ردّها، أو المقاضاة فيها يوم القيامة.

أيها المسلمون

لقد خُصت فريضة الحج بخصائص من بين سائر الطاعات، فالشهادتان عبادة قولية، والصلاة عبادة قولية وفعلية، والزكاة عبادة مالية، بينما الحج قد اجتمع فيه ما لا يجتمع في غيره من العبادات، فالحاج يكثر من ذكر الله -سبحانه وتعالى- ويتحمل مشقة السفر إلى مكة، ويبذل ماله في النفقة على نفسه، وشراء هَدْيه الذي هو جزء من مناسك حجه، وقد يضطر الحاج إلى إطعام عشرة مساكين كفارةً عن وقوعه في محظور من محظورات الإحرام، قال الله تعالى: {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ}.

وقد يضطر الحاج للصوم الذي جعله الله عوضًا عن عدم القدرة على شراء الهدي، أو كفارة عن الوقوع في المحظور، قال تعالى: {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ}.

أيها الإخوة الفضلاء

من هنا يتبين لنا أن الحج عبادة مركّبة من القدرة البدنية والمالية، فينبغي للمكلف أداؤها بالمال الطيب، والرزق الحلال؛ لتحصيل الأجر والثواب، ويُخشى على مَن حج بمال حرام ألا يتقبل الله تعالى حجه؛ لقول النبي عليه الصلاة والسلام: «إن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا»(5).

ولله درّ القائل حين قال:

إذا حججت بمال أصله سحت *** ما حججت ولكن حجت العير

 لا يقبل الله إلا كُلَّ صالحةٍ     *** ما كل من حج بيت الله مبرور(6)

أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم، ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية

الحمد لله الذي منّ على عباده بمواسم الخيرات، ليغفر لهم بذلك الذنوب، ويكفّر عنهم السيئات، ويضاعف لهم الأجور، ويرفع لهم الدرجات، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له واسع العطايا، وجزيل الهبات، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله المؤيد بالمعجزات، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان، ما توالت الشهور والأوقات، وسلم تسليمًا كثيرًا، أما بعد:

أيها المسلمون

الحج يربط حاضر الأمة بماضيها، فالحاج عند أدائه لشعائر الحج يتذكر هجرة إبراهيم -عليه السلام- في سبيل الله -عز وجل- ويتذكر توحيده لربه -تبارك وتعالى- ويتذكر ما جرى له من الابتلاءات العظيمة، وما حصل له من الكرامات والمقامات العالية، ويتذكر كمال عبوديته، وتقديمه محبة ربه على محبة نفسه، ويتذكر قوله: {رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ ۝ رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ وَمَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ}.

وعند الجمرات يتذكر الحاج مخالفةَ إبراهيم –عليه السلام- للشيطان، وإقباله على امتثال أمر ربه، وتنفيذ ما أوحاه الله –عز وجل- إليه في رؤياه من ذبح ابنه إسماعيل –عليه السلام-.

وفي منى تتداعى على الذاكرة المسلمة ذكريات إسماعيل -عليه السلام- حيث قال: {يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ} لقد كان إسماعيل -عليه السلام- بارًّا بأبيه حتى ولو كان ثمن البر هو حياته؛ تسليمًا لرب العالمين وإخلاصًا له فيما أُمر.

عباد الله

وعند السعي بين الصفا والمروة يتذكر الحاج مدى توكُّل أمنا هاجر –عليها السلام- تلك السيدة الجليلة التي نشأت في بلاد النيل حيث الماء والخضرة والمدنية والحضارة، ثم انتقلت إلى الشام حيث الروضات، والعيون، والجو الرائق، والنسائم الصافية، ثم انتقلت إلى مكانٍ قفْرٍ جدبٍ خالٍ من أسباب الحياة المعهودة، ثم يتركها زوجها الحبيب وحدها مع رضيعها لعلةٍ غيرِ واضحةٍ، ولحكمةٍ غير متصورة، ثم عاد إلى بلاد الشام.

وعندما انقطع الطعام والشراب عن هاجر –عليها السلام- أخذت هاجر تسعى بين الصفا والمروة لعل وعسى أن تجد شيئاً، وبينما هي كذلك إذا بالماء ينبع في بطن الوادي، فكان ذلك مصدر رزقها، وعندها تحقق ما قالته لزوجها: آلله الذي أمرك بهذا؟ قال نعم، قالت: (إذن لا يضيّعنا).

وهكذا أصبح السعي سنةً ماضية، وركنًا من أركان الحج (7).

أيها المؤمنون

وهكذا كلما دار الزمان، وأهلّت أشهر الحج، وأهلّت معها ذكريات المكان الذي لم يكن شيئًا مذكورًا، تلك الذكريات الجميلة التي تربط المؤمن بأكرم رباط، وتبعث في نفسه حب أسلافه الكرام الذين ساروا على تلك البطاح المباركة، فيحرص على اتباع آثارهم، والسير على منوالهم، ويشعر بأنه امتداد لتلك السلسلة المباركة، وذلك الركب الميمون.

اللهم انصر دينك وكتابك وسنة نبيك يا ذا الجلال والإكرام.

اللهم إنا نسألك نفوسًا مطمئنة، تؤمن بلقائك، وترضى بقضائك، وتقنع بعطائك، وتخشاك حق خشيتك.

وصلى الله وسلم على رسوله وحبيبه وخيرة أصفيائه وسلم تسليمًا كثيرًا…


  1. أخرجه البخاري، كتاب الحج، باب قول الله تعالى: {فَلاَ رَفَثَ} [البقرة: 197]، برقم (1819).
  2. أخرجه البخاري، كتاب استتابة المرتدين والمعاندين وقتالهم، باب إثم من أشرك بالله، وعقوبته في الدنيا والآخرة، برقم (6921) ومسلم، كتاب الإيمان، باب هل يؤاخذ بأعمال الجاهلية؟، برقم (120).
  3. أخرجه مسلم، كتاب الإيمان، باب كون الإسلام يهدم ما قبله وكذا الهجرة والحج، برقم (121).
  4. أخرجه مسلم، كتاب الإمارة، باب من قتل في سبيل الله كفرت خطاياه إلا الدين، برقم (1886).
  5. أخرجه مسلم، كتاب الزكاة، باب قبول الصدقة من الكسب الطيب وتربيتها، برقم (1015).
  6. انظر: ربيع الأبرار ونصوص الأخيار، للزمخشري (2/297).
  7. أخرجه البخاري، كتاب أحاديث الأنبياء، برقم (3364).