رمضان ومظاهر الوحدة بين المسلمين

الحمدُ لله الذي أكرمنا بالإسلام وأعزنا به قوةً وإيمانًا، وألف بين قلوبنا فجعلنا أحبَّة وإخوانًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له أنزل كتابه هدى ورحمةً وتبيانًا، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله؛ هدى الله به من الضلالة، وعلَّم به من الجهالة، وأعزَّ به بعد الذلة، وكثَّر به بعد القلة، صلى الله عليه وسلم وعلى آله وأصحابه الذين كانوا له على الحق إخوانًا وأعوانًا.

أما بعد:

فاتقوا الله الذي خلقكم، واستعينوا على طاعته بما رزقكم، واشكروه على نعمه كما أمركم؛ يزدكم من فضله كما وعدكم، وقابلوا نعمه بالشكر والعرفان: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} [المائدة:2].

أحبتي في الله:

إن أمر هذه الأمة لعظيم عند الله تعالى، فقد اصطفاها بخاتم الأنبياء والمرسلين ، وجعلها الأمة الخاتمة التي تحمل رسالته إلى العالمين، {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ} [سورة آل عمران:110]، وشرّفها -عز وجل- ووصفها بأنها العادلة الخيّرة: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا}، وجعلها -سبحانه وتعالى- شاهدة على سائر الأمم، فقال سبحانه: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا} [البقرة:143]، فهذا دليل أفضلية هذه الأمة على سائر الأمم حيث جُعلت شاهدة عليهم، والـمُزكي لغيره أو الشاهد هو بمنزلةٍ من العدالة لا يحتاج معها إلى تزكية.

وبهذا نعلم أن الله تبارك وتعالى أراد لأمة الإسلام، أمة خير الأنام، أن تكون رائدةً للأمم قائدة للعالمين، ولا يقتصر ذلك على الدنيا فقط، بل الأمر يمتد ليشمل الدنيا والآخرة معًا.

إخوة الإيمان:

إنه أمر يستوجب منا التفكر والتأمل، إذ لابد أن لهذه الأمة من المقومات والميزات ما يمكنها من ريادة الأمم وقيادتها، وما يجعلها مهيأة لذلك، وقادرة عليه، فهل لنا أن نتصور ما هي تلك المقومات والميزات التي تمكّن الأمة من القيام بهذا الدور الرباني، وتستحق به هذا التكريم الإلهي؟

لعلنا نعي وندرك أنّ في قوله تعالى: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا} أهمَّ هذه المقومات وأهدى السبل وأقومَ الحلول، إذ أوجب الله -سبحانه وتعالى- على الأمة أن تتمسك بدينها، وتعتصم بكتاب ربها، وتهتدي بهديه، وتقوم بعهده عز وجل، وأن تتكاتف على هذا وتجتمع عليه، ولا تتفرق أو تتباعد، أو تختلف فيما بينها.

وهذه الآية بها أمرٌ ونهيٌ؛ كل منهما يستلزم الآخر في الأصل، فالأمر بالاعتصام يستلزم عدم التفرُّق، وعدم التفرق يستلزم الاجتماع والاعتصام، ولكن الله تبارك وتعالى ذكرهما معًا ليؤكد الأمر تأكيدًا تامًّا، حيث جاء كل منهما بطريقة مستقلة، فجاء الأمر بالاجتماع والاستمساك بالدين وبالقرآن، وجاء الأمر الآخر بعدم التفرق والاختلاف؛ وذلك ليتأكد هذا المعنى بصورة متكاملة.

واعلموا -عباد الله- أن الوحدة والاجتماع بصفة عامة أمر محمود، وأن الفرقة والاختلاف والتشتت أمر مذموم، وذلك عند كل الناس، فكل صاحب هدف يسعى أن يجمع الناس حوله وحول هدفه حتى يتمكن من تحقيقه، ففي الحرب مثلًا بين طائفتين أو بلدين نجد كل منهما يبذل قصارى جهده ليكونَ فريقُه مجتمعًا ومتحدًا حول تلك الحرب؛ لعلمه بقوة الوحدة، وفي الوقت نفسه يحاول أن يفرّق صفوف عدوه، وينشر فيهم الخلاف والفرقة؛ لأنها سبيل الهزيمة والضعف.

فإن كان هذا أمرًا مسلَّمًا عند جميع الناس؛ فهو متأكد في ديننا أشد التأكيد، فقوله سبحانه: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} [آل عمران:103] دليل على وجوب الوحدة والاجتماع، وحُرمة الفرقة والاختلاف.

فأمرنا الله -عز وجل- بأن نتحد ونجتمع حول دينه وشرعه وكتابه، وبهذا وحدّ -سبحانه وتعالى- لنا جهة التلقي، ومصدر الأخذ، وجعل القرآن منطلقًا ومآبًا، فمنه نأخذ وننطلق، وإليه نرجع ونؤوب، وفي القرآن نأخذ عن الله وعن رسوله -صلى الله عليه وسلم، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا} [النساء:59]، وقال سبحانه: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر:7].

وما دام للأمة مصدر واحد تتلقى منه؛ فالوحدة أصبحت لازمة، والفرقة مذمومة مستنكرة ، فالكل يأخذ من معين واحد، ويتلقون نفس الأوامر، ونفس النواهي، مما يجعلهم جسدًا واحدًا، وبنيانًا قويًّا متماسكًا، كما وصفهم النبي   في قوله: «مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ، وَتَرَاحُمِهِمْ، وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى»(1)، وأكده بقوله ﷺ: «الْمُسْلِمُونَ تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ، يَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ، وَيُجِيرُ عَلَيْهِمْ أَقْصَاهُمْ، وَهُمْ يَدٌ عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ»(2).

أيها المسلمون:

إن أسس بناء الوحدة بين الأمة الإسلامية تتضح جليًّا في: وحدة الغاية، ووحدة العقيدة، ووحدة القيادة، ووحدة المنهج.

– فوحدة الغاية: هي عبادة الله تعالى وطاعته تحصيلًا لرضاه؛ لقوله تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات:56]، فإذا سعى المسلمون لعبادة الله -عز وجل- وحده وجعلوها هدفهم وغايتهم؛ اجتمعت كلمتهم لا محالة؛ لأن وحدة الغايات تؤذن بوحدة الآمال والأهداف.

– ووحدة العقيدة: هي التي تبني الفرد بناء قويًّا، وتصحح له الأفكار المنحرفة، وتعرِّفه بالله تعالى وبأسمائه وصفاته معرفة سليمة، وبسائر أركان الإيمان، قال سبحانه: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ۝ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ۝ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ۝ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} [الفاتحة:2-5]، وقال تبارك وتعالى: {وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ} [البقرة:163].

– ووحدة القيادة متمثلة في قدوتها وأسوتها محمد ، فالأمة تسير خلفه، وتتبع هديه، وتمشي على خطاه، قال الحق سبحانه: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا} [الأحزاب:21]، فإن التزمت الأمة بذلك، وتركت أي قيادة أخرى تتعارض مع ما جاء به النبي   من توجيه وإرشاد وحلال وحرام؛ توحدت كلمتها وتجمعت جهودها وصارت أمةً قوية ، قال الله عز وجل: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ} [الأحزاب:36].

– وأما حدة المنهج: فمنهجها منهج رباني، ليس من وضع بشرٍ عقولهم قاصرة، وأفهامهم ضيقة، منهج يشمل كل مناحي الحياة، عدلٌ كله، وصالحٌ كله، وخيرٌ كله، جاء هدىً للناس من لدن حكيم خبير، قال سبحانه: {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ} [الإسراء:9].

وجاء بالحق ودعوة الحق: {وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا} [الإسراء:105].

وهو واضح بيّن لا لبس فيه ولا غموض: {وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّا الْفَاسِقُونَ} [البقرة:99].

وفيه العصمة من الضلال كما قال نبينا  : «تَرَكْتُ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ، لَنْ تَضِلُّوا مَا تَمَسَّكْتُمْ بِهِمَا: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ»(3).

أوصافه عظيمة وجليلة: {قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ ۝ يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [المائدة:15-16].

فعلينا أن نتبعه مفتخرين بذلك، قال تعالى: {كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ ۝ اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ} [الأعراف:2-3].

فهذه بعض أوصاف المنهج الرباني الذي ارتضاه الله تعالى لنا، وجعله قوام حياتنا، فما أحْرانا أنْ نتمسك به ونعضّ عليه بالنواجذ؛ فهو حبل الله المتين الذي يصلنا برب العالمين جلّ جلاله وتقدّست أسماؤه.

عباد الله:

عندما ننظر في النهي القرآني عن التنازع والفُرقة نجد أنه نَهْيٌ عن الضعف والهوان، ونَهْيٌ عن سبب الهلاك والضياع، ونَهْيٌ عن سبب الهزيمة والفشل، قال ربنا تبارك وتعالى: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ} [الأنفال:46]، فبيّن سبحانه أن الفشل هو النتيجة الحتمية للتنازع والفرقة والاختلاف، كما أن الضعف وذهاب القوة من أسبابه أيضًا، فهل يمكن الرضا بالفشل أو بالضعف والهزيمة؟!

فغير العاقل هو من يرفضُ قوة الوحدة والجماعة، ويَقبَلُ بالضعف والهزيمة في الفُرقة والشتات، وصدق الله حين وصف أمثال هؤلاء بقوله: {تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ} [الحشر:14].

وكفى بالتفرق ذمًّا أنه تشبُّه بالكفار من الأمم السابقة: {وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [آل عمران:105] فلا يحب الله ولا يرضى أن تكون الأمةُ مثل هؤلاء.

وقد جاء التحذير من ذلك أيضًا في قوله تعالى: {وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ۝ مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا} [سورة الروم: 31، 32]، فنهى سبحانه عن مشابهة المشركين وذكر صفةً من أبرز صفاتهم: أنهم فارقوا دينهم الحق وصاروا شيعًا، فالناس إذا فارقوا الحق؛ تفرقوا واختلفوا.

إخوة الإيمان:

إن الإسلام لم يدع سبيلًا للبغضاء والفرقة إلا أوصده، ولا بابًا من أبواب التباغض والتنافر إلا أغلقه، فأوجب الله تعالى الأخوة بين أبناء الأمة كلها، وجعله قرين الإيمان، فقال تبارك ذكره: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} [الحجرات:10] وأمر بالإصلاح بينهم إذا تخاصموا: {فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ}، كما ذكّرهم بتقواه والخوف من عقابه، وأنهم مرحومون إن فعلوا ذلك: {وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} [الحجرات:10].

كما نهى الحق سبحانه في الآيات بعدها عن السخرية، واللمز، والتنابز بالألقاب، وسوء الظن، والغِيبة، والتجسس؛ كل ذلك من أجل صفاء النفوس، ونقاء السرائر، وبقاء الألفة والمحبة.

وشرع النبي   قاعدة عامة تجلب الحب والتآلف بين كل أفراد الأمة قائلًا: «لاَ يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ، حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ»(4).

وقال صراحة  : «عَلَيْكُمْ بِالجَمَاعَةِ وَإِيَّاكُمْ وَالفُرْقَةَ؛ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ مَعَ الوَاحِدِ وَهُوَ مِنَ الِاثْنَيْنِ أَبْعَدُ، مَنْ أَرَادَ بُحْبُوحَةَ الجَنَّةِ فَلْيَلْزَمُ الجَمَاعَةَ»(5).

ولله درّ القائل العاقل الذي وعى قيمة الوحدة فنصح بَنِيه قائلًا:

كونوا جميعًا يا بنيَّ إِذا اعترى

تأبى الرماحُ إِذا اجتمعْنَ تكسرًا

خطبٌ ولا تتفرقوا آحادا

وإِذا افترقْنَ تكسرتْ أفرادا

وأما إن حدث التنازع بين المسلمين وأصبح واقعًا فحينها نتوجه للعلاج الرباني، بأن نرد الأمر إلى الله ولرسوله   كما أمر ربنا سبحانه وتعالى حيث قال: {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ}، وقد علق الله تبارك وتعالى هذا الرّدُّ على مقدار إيمان هؤلاء: {إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ}، وأثبت الخير لمن فعل ذلك: {ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا} [النساء:59].

واعلموا -إخوة الإيمان- أن ردَّ الأمر لله ولرسوله   طريقه: علماء الأمة الربّانيون الثقات، فهم صِمَامُ الأمان عند التشاحن والاختلاف، قال سبحانه: {وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ} [النساء:83].

معاشر المؤمنين:

إن رمضان المبارك شهر العطاء والجود، فيه يكون الإنسان قويًّا في عمله وإخلاصه وإتقانه؛ فيكون لبنةً صالحةً في مجتمعه وأمته.

وفي رمضان الخير والنفحات تزكو الأعمال الجماعية وتظهر الوحدة وتتألق؛ لما يغشى الناس من النفحات والإقبال على الطاعات، في مشاهد فردية وجماعية تنشرح لها صدور المؤمنين فرحًا وغبطة.

ومظاهر الوحدة في رمضان كثيرة، بفضل الله تعالى، وأسبابها عديدة، ومن ذلك:

أننا نرى من يجتهدون طوال العام كلٌّ حسب استطاعته وحسب قدرته وإمكاناته، فمنهم من يصوم يومي الإثنين والخميس، ومنهم من يقتصر على ثلاثة أيام فقط من الشهر، وهناك من يزيد وهناك من يقل، وكل يجتهد حسب وُسعه، ولكن عند نهاية شعبان فالجميع يترقّب رؤية الهلال، عملًا بقوله  : «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ، وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ»(6) فإذا ظهر الهلال فكأنه يعلن النداء: هلموا أيها المسلمون، هلموا أيها الموحّدون! اجتمعوا الآن حتى تبيّتوا نية الصيام، اجتمعوا الآن حتى تقيموا رمضان.

وهكذا تكون البداية.. ترقُّبُ الهلال، وبثبوته يُفرض الصيام، ويستحب القيام مع الجماعة؛ فيتوجه كل فرد إلى مسجده ليقوم ويصطف مع جماعة المسجد، لتصبح كل جماعة مسجدٍ جزءًا من اجتماع الأمة، فالأمة كلها في ليالي رمضان تجتمع على القيام وعلى الوقوف بين يدي الكريم المنّان سبحانه وتعالى.

وعند الاجتماع للصلاة والقيام فكل مسلم متراصٌّ بجانب أخيه المسلم تاركًا الفوارق المادية مع حذائه عند باب المسجد، ليصبح الجميع إخوة متساوين، لا طبقات بينهم ولا رتب، الغني بجوار الفقير، ومن له سلطة ملاصق لإنسان بسيط، ليعيش الجميع وقتًا جميلًا من التعايش والسلام الداخلي البعيد عن جو التفاخر والتعالي بمتاع الدنيا الزائل.

وبعد الفراغ من القيام يجتهد كل منهم في تلاوته لكتاب الله تعالى الذي هو مصدر عزته وقوته واستقامته، فكتاب الله تعالى هو الكتاب الوحيد الذي تتفق عليه الأمة، فلا كتاب غيره تتفق عليه وتتعاهده وتتلوه وتتعبّد به لربها، فمهما نختلف في العقول والأفهام، ونختلف في اللون والأشكال، ونختلف في اللغة واللسان، ونختلف في العلم والتعليم، وفي الثقافة والاطلاع -وكل هذا آية من آيات الله تعالى في خلقه- لكننا لا  نختلف أبدًا على هذا الكتاب العزيز، فلم ولن تجتمع الأمة على كتاب واحدٍ تحبه وتقرؤه وتتعلم منه غير القرآن الكريم.

وصدق رسولنا عليه الصلاة والسلام: «وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ، كِتَابُ اللهِ»(7).

* أما وقت الصيام بدايةً ونهايةً فلم يتركه الشرع لاجتهاد كل فرد، لكي يصوم المدة المحددة كما يشاء مثلًا، في الزمان المناسب له والذي يرتضيه، بل هي فريضة واحدة منضبطة للأمة في مشارق الأرض ومغاربها، تبدأ بأذان الفجر وتنتهي بأذان المغرب، والكل يسمع ويطيع إيمانًا واحتسابًا.

فمع أذان الفجر يبدأ الصائمون في الإمساك لا يتخلف أحد سوى أهل الأعذار، ونظل هكذا يتسلل لنا جميعًا الجوعُ شيئًا فشيئًا، سواءٌ مَنْ أكل أفخر الأطعمة ومَنْ أكل أرخصها؛ بعد ساعات قلائل الكل سيتساوى في الجوع، ونظل هكذا مشتركين في هذا الشعور حتى يأتي علينا وقت محدد نتشارك فيه فرحة الفطر، ونشرب فيه ما يذهب الظمأ، ونرتوي جميعا مع نداء المغرب.. الله أكبر الله أكبر.

ومن مظاهر الوحدة التي نجدها في رمضان داخل الأسرة الواحدة والتي قد تختفي في غير رمضان: اجتماع كل أفراد الأسرة على الطعام فطورًا وسحورًا، فالكل حريص على ذلك، ومن قُدِّر له الإفطار منفردًا بعيدًا عن أسرته لظروفه الخاصة تجده حزينًا في داخله؛ لما لهذا الاجتماع من بهجة وسرور في النفس، وهذا هو حال كل أسرة في كل مجتمع من مجتمعات الأمة الكبيرة، بل هناك من يحاول توسعة هذه الجماعة -جماعة الطعام- لتشمل العائلة من إخوة وأخوات وأعمام وعمات..، أو لتشمل أهل الحي الواحد، أو القرية الواحدة، وهذا مُشاهدٌ مألوفٌ حسب كل مجتمع وعاداته في الشهر الفضيل.

أيها الأحبة الكرام:

ومع الصيام تتهذب النفوس، وتتأدّب الألسنة، وتلين القلوب، وترق المشاعر، فالصائم عفيف اللسان، دائم المراقبة لله رب العالمين، هدفه تقوى الله ورضاه، يسعى للتخلص من آفات نفسه، ويبتعد بنفسه عن مساخط الله تعالى،  ليقترب من وصف: “المؤمن القوي”، والمؤمن القوي كما قال رسول الله  : «الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ، خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللهِ مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ، وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ»(8) وبهذا يكون هذا الفرد لبنةً قوية، ودعامةً متينة في بنيان الأمة الواحدة ، كما جاء في حديث أبي موسى رضي الله عنه، قال: قال رسول الله  : «الْمُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا»(9).

فإذا أصبح الفرد بهذه المثابة فهو جديرٌ بأن يشعر بمن حوله من أفراد مجتمعه وأفراد أمته؛ فيبذل من ماله لمستحقيه زكاةً وصدقات، ويبذل من فكره ووقته لنفع أمته، ويكون في ذلك كله على يقينٍ بأن تقوية بناء الأمة قوةٌ للجميع وحصن حصين على المستوى الشخصي وعلى المستوى العام، وهذا مصداق ما رواه النعمان بن بشير رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله  : «مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ، وَتَرَاحُمِهِمْ، وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى»(10).

فهذه -عباد الله- لمحات لشيءٍ من مظاهر وحدة الأمة في رمضان؛ تلكم الوحدة التي لو دامت معهم سائرَ شهور العام؛ لكان الحال غير الحال، ولدانت لهم أمم الأرض، فاعتبروا يا أولي الأبصار، وخذوا من درس الوحدة الإيمانية المباركة في شهركم الفضيل، وضيفكم الذي يرتحل عمّا قليل، زادًا يستنهض الهِمَم لنبذ الشقاق والشحناء والفرقة والبغضاء؛ وجمع القلوب على التحاب والإخاء؛ عسى الله أن يرفع عن الأمة ما أثقل كاهلها من المحن والبلاء.

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بالآيات والذكر الحكيم، أقول ما تسمعون، وأستغفر الله لي ولكم من كل ذنب فاستغفروه، قد أفلح المستغفرون.

الخطبة الثانية:

الحمد لله على إنعامه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، ولا إله إلا الله تعظيمًا لشأنه، وصلى الله وسلم وبارك على خير خلقه محمد وعلى آله وصحابته وإخوانه.

أما بعد:
إخوة الإيمان:

على الرغم من أن نهج رمضان واضح جدًّا في بناء قوة الفرد وقوة الجماعة إلا أن هذه الرسالة -للأسف- قد لا تصل إلى كثيرين من الصائمين في رمضان، فنرى مظاهر تتناقض مع هذه الحالة الإيمانية الواحدة، ومنها:

بقاء كثير من الناس على بعض عاداتهم التي تفرّق ولا تجمع، مثل الحقد والغل، والتحاسد والتخاصم، وغيرها من الآفات وأمراض القلوب؛ فلا يغيّر منها رمضان ولا الصيام.

ومنها غفلة الكثيرين عن الاهتمام بأمر المسلمين وإصلاح المجتمع، فهم بين مشغول بدنياه وشأنه الخاص، وبين من هو أفضل حالًا لكنه يقتصر على اصلاح نفسه فقط، أو مَن يحاول الإصلاح منفردًا، أو حتى في مجموعات تتعاون لكنها متنازعة متنافرة، فهي جهود مُشتّتة، وطاقات مُهدرة، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

ومن الناس من يدخل عليه رمضان ويرحل وهو مقيم على خصومة وقطيعة وهجر لبعض إخوانه المسلمين، بل ربما لبعض أقاربه؛ فترى له شأنًا في العبادة والتلاوة دون مبالاة بفساد ذات بينه؛ فهل علم هذا المغبون المسكين أنه يحجب بذلك عن نفسه المغفرة والقبول؟! كما في صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله   قال: «تُفْتَحُ أبْوابُ الجَنَّةِ يَومَ الإثْنَيْنِ، ويَومَ الخَمِيسِ، فيُغْفَرُ لِكُلِّ عَبْدٍ لا يُشْرِكُ باللَّهِ شيئًا، إلَّا رَجُلًا كانَتْ بيْنَهُ وبيْنَ أخِيهِ شَحْناءُ، فيُقالُ: أنْظِرُوا هَذَيْنِ حتَّى يَصْطَلِحا، أنْظِرُوا هَذَيْنِ حتَّى يَصْطَلِحا، أنْظِرُوا هَذَيْنِ حتَّى يَصْطَلِحا»، فهل يرضى المسلم العاقل لنفسه هذه الحال؟! فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

أيها الأحبة الكرام:

وإنْ كان الحال كذلك، ولابد في الناس من عثرات، فإن رمضان يمنح رسائل لقلوب هؤلاء وهؤلاء حتى تجتمع على هدى ونور؛ فالوحدة فرح وسعادة، والتفرق ضعف وانتكاسة، وهزيمة وشقاء، فكيف يشقى المجتمع وقد أتاه رمضان الذي يجمع أشتات الخير؟! وكيف يضل ورمضان يفتح له أبواب الهداية، ويعيده إلى مهمته الأصيلة وهي عبودية الله تعالى والقرب منه جل وعلا؟!

فاغتنموا -عباد الله- شهركم فيما يحبه الله ويرضاه، وإصلاح أنفسكم ومن استرعاكم الله، وتقرّبوا إلى الجليل بنبذ الشحناء والبغضاء، واعفوا واصفحوا وأحسنوا إلى عباد الله.. {وَتُوبُوۤا۟ إِلَى ٱللَّهِ جَمِیعًا أَیُّهَ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ} [النور:31].

أسأل الله تعالى أن يوفقنا للاعتصام بدينه وكتابه، وأن يجمع أمرنا، ويوحد كلمتنا، ويزيل فرقتنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

اللهم صلّ على نبينا محمد في الأولين، وصل عليه في الآخرين، وصل عليه في كل وقت وحين.

اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات، إنك سميع مجيب الدعوات.

اللهم ارحَم المسلمين، اللهم اغفر لنا ولهم، اللهم اغفر لنا ولهم، اللهم اغفر لنا ولهم يا غفور يا رحيم.

اللهم ارحم ضعفنا، وتولّ أمرنا، واجبر كسرنا، وأحسن خلاصنا، وتوفنا وأنت راض عنا، ولا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا.

اللهم ارفع عنا البلاء والوباء والغلاء، ربنا اكشف عنا العذاب إنا مؤمنون، اللهم اكشف عنا ما نحن فيه.

اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عنا، اللهم عافنا واعف عنا، وعلى طاعتك أعنّا، ومن شرار خلقك سلمنا، وإلى غير بابك لا تكلنا.

اللهم أصلح فساد قلوبنا، وأصلح ذات بيننا، وألف بين قلوبنا، وانزع الغل والحقد من صدورنا، وتوفنا وأنت راض عنا يا أرحم الراحمين.

اللهم ما سألناك من خيرٍ فأعطنا، وما لم نسألك فابتدئنا، وما قصرت عنه آمالنا من الخيرات فبلّغنا.

ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار.

سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

  1. رواه مسلم 66 – (2586).
  2. رواه أبو داود في سننه (2751).
  3. موطأ مالك ت عبد الباقي (2/ 899)
  4. رواه البخاري (13)، ومسلم 71 – (45).
  5. رواه الترمذي (2165)، وأحمد (114).
  6. رواه النسائي في سننه (2116)، وأحمد في مسنده (18895).
  7. رواه مسلم 147 – (1218).
  8. رواه مسلم 34 – (2664).
  9. رواه مسلم 65 – (2585).
  10. رواه مسلم 66 – (2586).