لصوص رمضان

الحمد لله القدّوس السلام، مدبّر الشهور والأعوام، ومصرف الليالي والأيام، أحمده سبحانه وأشكره، وأثني عليه وأستغفره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا، أما بعد:

أيها المسلمون:

لقد فرض الله عز وجل​​​​​​​  الصيام من أجل تحقيق التقوى، فقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [سورة البقرة:183] فالله عز وجل لم يفرض الصيام لنجوع، ولا لنعطش، ولا لنتعب، وإنما لنزداد إيمانًا وتقوى، فرض علينا الصيام؛ لتتربى نفوسنا وتصلح قلوبنا وتسكن جوارحنا، ولكن في زماننا حدث العكس عند كثير من الناس، حيث جعلوا من شهر رمضان محطة للأكل والشرب، واللهو واللعب، ومعاقرة الشهوات، والإسراف فيما أحل الله وحرم، إلا من رحم الله.

أيها المسلمون:

لا يكاد يقترب رجب وأخوه شعبان حتى تنفرد وسائل الإعلام في مهمات التبشير بالأعمال الإعلامية الجديدة، في سباق محموم لكسب المشاهد، حتى ولو كان على حساب الدين! فيتاجرون بالمنكرات والتبرُّج والعُري والفساد، وقلب معاني الخير والفضيلة؛ فالدياثة عندهم رقي وتمدّن، والجريمة عندهم بطولة، وعقوق الآباء تحرر، والغدر ذكاء، والاستقامة تعقيد، والعفة كبت وحرمان، وطاعة الزوج رقٌّ واستعباد، والتبرج تقدم وتطور، وخُلُوُّ الرجل بالمرأة الأجنبية علاقة شريفة، وصداقة حميمة، وهكذا يعملون على تأجيج الشهوات، وتحريك الغرائز، ويساعدون النفس الأمّارة بالسوء في غيها وضلالها، ويحرمون المسلمين من الأجر والثواب العظيم في أيام معدودات تتضاعف فيها الأجور، ناهيك بالمخالفات العَقدية من الشرك بالله تعالى، وتشويه الدين، وتمييع عقيدة الولاء والبراء، ونشر السحر والشعوذة، وتعليم العنف والإجرام.

أيها المسلمون:

حذاري حذاري من لصوص رمضان؛ فإنهم يسرقون الحسنات، ويجرُّون للسيئات، ويسرقون روحانية الشهر، ويضيّعون فرص الأجر، ويفتحون أبوابًا للوزر، إنهم يسرقون الصلوات بالمسلسلات، ويسرقون السجدات بالتفكير في الشهوات، ويسرقون القيام بما يعرضونه من مُغريات، ويسرقون أجر الصيام بالمنكرات، وفي الحديث الصحيح: «من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه»(1).

أيها المؤمنون:

ولما كانت المرأة هي أخطر فتنة على الرجال وعلى الأمة، فقد جنّدها أعداء الفضيلة لتكون سلاحًا فتاكًا في هذا المجال، وبأساليب الإخراج المتطور في صوته وصورته، المنحط في هدفه وفكرته؛ استطاعت القنوات الفضائية إغواء المشاهد، وإرغامه على البقاء ذليلًا أمام شاشاتها، وصدق الله القائل: {وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا} [سورة النساء:27].

أيها الأحبة الكرام:

لقد كان للمجلات والصحف في الزمان الماضي تأثير بالغ على المجتمعات، وكانت القصص والروايات بحسن السَّبك وقوة العاطفة تنخر في الأخلاق نخرًا، ثم كانت الإذاعات وشبكات التلفزة، حتى أحاط بنا طوفان البث الفضائي لتحتل القنوات الفضائية نصيب الأسد من الفريسة، وأعظم خطرًا من هذا أن يتلقى المشاهدون كل هذا الإسفاف بنشوةٍ، ورحابة صدر، ولربما تمايلوا وطربًا، وضحكًا، وفرحًا بهذه المشاهد.

فإنا لله وإنا إليه راجعون، وحسبنا الله ونعم الوكيل فيمن يزيّنون للناس الفساد والمنكرات ليل نهار، ولا يُعفي هذا الإنكار على المفسدين من الإنكار على الغافلين الواقعين في أسر هذه الشاشات من مسؤوليتهم أمام ربهم عن أنفسهم ومن استرعاهم الله.

وإن من رحمة الله –تعالى- بهذه الأمة في هذا الشهر أنه صفَّد الشياطين؛ تهيئة للأجواء الإيمانية، ولكن أتباع الشيطان وجنده من بني الإنسان أبوا إلا أن يحملوا اللواء بدلًا عن الشياطين، فأشاعوا الفاحشة، وأفسدوا الأخلاق، وصرفوا الشاب عن الطاعة والعمل النافع إلى الشهوات والأفلام والمسلسلات والتشبُّه بالكفار، وصرفوا الفتاة إلى الأزياء الماجنة والعُري والخلاعة، وكأنهم لم يسمعوا قول الله عز وجل​​​​​​​  حين قال: {إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [سورة النور:19] فهذا جزاء من يحب بقلبه ولم يعمل، فكيف بمن يدفع الأموال، ويبذل الأوقات، ويأتي بأهل الخبرة ليتفننوا في إخراج البرامج والأفلام والمسلسلات التي تثير الغريزة، وتوقد نار الشهوة، وتدعو للرذيلة؟

أمَا علم هؤلاء بأن مشاهدة هذه الأعمال ينافي تحقيق الغاية العظيمة المرادة من الصيام وهي تقوى الله ​​​​​​​ ،؛لما تشتمل عليه من المحرمات -كالتبرج والاختلاط ونحو ذلك- التي نقص من أجر الصيام، وربما تذهب بالأجر كله؟! وفي الحديث الصحيح: «رب صائم ليس له من صيامه إلا الجوع»(2).

ألا فليتقوا الله في عباده الصائمين القائمين، وشهر رمضان الكريم العظيم، وليحذورا غضب العزيز الحكيم، قال الله عز وجل: {فَلۡیَحۡذَرِ ٱلَّذِینَ یُخَالِفُونَ عَنۡ أَمۡرِهِۦۤ أَن تُصِیبَهُمۡ فِتۡنَةٌ أَوۡ یُصِیبَهُمۡ عَذَابٌ أَلِیمٌ} [سورة النور:63].

وليتق الله كل مسلم في نفسه ومن استرعاه الله من أهل وذرية أن يخدش هذه الفريضة العظيمة بإضاعة الأوقات والحسنات أمام هذه الشاشات.

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعنا بهدي سيد المرسلين ﷺ، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه وتوبوا إليه يغفر لكم إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية:

الحمد لله حمدًا كثيرًا كما أمر، وأشكره وقد تأذّن بالزيادة لمن شكر، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له في ألوهيته وسلطانه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله المؤيد ببرهانه، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وإخوانه، وسلم تسليمًا كثيرًا، أما بعد:

أيها الإخوة الفضلاء:

يقول رسول الهدى -عليه الصلاة والسلام-: «إذا كان أول ليلة من شهر رمضان صُفّدت الشياطين ومردة الجن، وغُلّقت أبواب النار فلم يفتح منها باب، وفتحت أبواب الجنة فلم يغلق منها باب، وينادي منادٍ: يا باغي الخير أقبل، ويا باغي الشر أقصر، ولله عتقاء من النار وذلك كل ليلة»(3).

فمن هذا الحديث الشريف يتبيّن لنا أن رمضانَ فرصةٌ لمراجعة النفس، ومحاسبتها، وملاحظة تقصيرها؛ للانتفاع بهذه البشرى، واغتنام هذه الفرصة.

فيجب علينا أن نتحكم فيما يُعرض في بيوتنا، فنمنع الخبيث، وننتقي الطيب من القنوات الهادفة، التي تلبي شيئًا من احتياجاتنا وأبنائنا، في سلامة وبُعد عما يغضب ربنا، ويفسد أبناءنا وبناتنا.

إن رمضان موسم روحاني خالص، يتطهر فيه المسلمون مما علق بنفوسهم طوال العام، والخاسر من حضره رمضان ولا يزال قائمًا على معصية مولاه، مضيعًا لحقوقه، وفي الحديث الصحيح: «ورغم أنف رجل دخل عليه رمضان ثم انسلخ قبل أن يغفر له»(4) فمن كان هذا حاله فهو مستحق لهذا الدعاء؛ لأن دواعي الخير في هذا الشهر كثيرة، ودواعي الشر ضعيفة، وليس للعبد فرصة أقرب من هذه الفرصة كي ينال بها رحمة الله ومغفرته، فإن لم يستغلها، ولم يحرص عليها؛ فإنه مستحق للطرد والإبعاد، أعاذنا الله والمسلمين من الخذلان والخسران.

عباد الله:

إن طول العمر والبقاء على قيد الحياة فرصة للتزود من الطاعات والتقرب إلى الله عز وجل​​​​​​​ بالعمل الصالح، فالعمر هو رأس مال المسلم، فحريٌّ بنا جميعًا أن نستغل ساعات عمرنا بطاعة الله عز وجل​​​​​​​  وأن نستغل هذا الشهر بما يعود علينا بالخير، ونبادر إلى استباق الخيرات من الصيام والقيام، والزكوات والصدقات، والدروس الرمضانية النافعة، إلى غير ذلك من أنواع الطاعات.

وعلى مسؤولي الإعلام من قنوات، وإذاعات، وصحف ومجلات، ومواقع على الإنترنت، أن يتقوا الله في الشهر الكريم، وأن لا يفسدوا روحانيته ببرامج سيئة، ومواد تشتمل على المنكرات المحرّمة.

وبعد هذا تبقى مسؤولية المربّين والمربيات، والدعاة إلى الخير، في التحذير من هذه الفتنة، وهي مسئولية العقلاء والعاقلات جميعًا ليحموا المجتمع؛ حتى لا يكونوا صيدًا لهؤلاء المفسدين.

هذا وصلوا وسلموا على رسول الله، اللهم صل وسلم وزد وبارك على عبدك ورسولك ونبيك محمد، وارض اللهم عن الصحابة أجمعين، والتابعين وتابعي التابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

اللهم يا من يرحم المذنبين، ويجيب دعاء الداعين، وهو خير الغافرين، نحن عبادك العاصون، فاعتق رقابنا من عذابك، وتقبل منا ما يسّرت لنا من طاعتك، إنك غفور شكور.


  1. أخرجه البخاري، كتاب الصوم، باب من لم يدع قول الزور، والعمل به في الصوم، برقم (1903).
  2. أخرجه ابن ماجه في سننه، كتاب الصيام، باب ما جاء في الغيبة والرفث للصائم، برقم (1690) وصححه الألباني في الجامع الصغير، برقم (5801).
  3. أخرجه الترمذي في سننه، كتاب الزكاة، باب ما جاء في فضل شهر رمضان، برقم (682) وصححه الألباني في مشكاة المصابيح، برقم (1960).
  4. أخرجه الترمذي في سننه، برقم (3545) وصححه الألباني في مشكاة المصابيح، برقم (927).