فضائل رمضان وسُبل الاستعداد له

الحمد لله الذي خلق الليل والنهار، وجعل الظلمات والنور، وقدّر الأيام والشهور وفضل بعضها على بعض في كتاب مسطور، والصلاة والسلام وعلى النبي المصطفي الذي أرسله الله بالبينات والنور.

وبعد؛ أيها المسلمون:

تمرُّ الأيامُ والأشهرُ، ويبقى قلب المؤمن وروحه في شوقٍ إلى شهر رمضان، فتنطق القلوب والأرواح قبل الجوارح واللسان: اللهم بلِّغْنا رمضان.

هذا الشهر المبارك الذي ينتظره المسلمون من العام إلى العام بشوقٍ لا تستطيع أن تُعبِّرَ عنه الكلمات ولا الأقلامُ، ولن يشعُرَ بهذا الشوق العميق إلَّا مَنْ أدركَ فضائل هذا الشهر، وما فيه من العطايا وعظيم الأجر.

فهلموا إخوة الإيمان نطوف في رياض شهر رمضان نقطف من فضائله وخيراته زادًا مباركًا يعيننا على حسن وفادة الزائر الكريم.

فأولى فضائل هذا الشهر وأعظمها على الإطلاق: أن الله سبحانه شرّفه بنزول القرآن، فقال تعالى: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ..} [سورة البقرة:185].

فأول ما نزل جبريلُ -عليه السلام- على النبي   كان في ليلة القدر، وهي ليلة من ليالي شهر رمضان، كما قال تعالى: {إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ} [القدر:1]، وقال تعالى: {إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ} [سورة الدخان:3].

ذلك أنَّ القرآن قد نزل في هذه الليلة جملةً واحدةً من اللوح المحفوظ إلى بيت العِزّة في السماء الدنيا، ثم أُنزل بعد ذلك إلى الأرض منجَّمًا ومفرَّقًا بحسب الوقائع والحوادث، فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «أُنزل القرآن جملة واحدة إلى سماء الدنيا في ليلة القدر، ثم نزل بعد ذلك في عشرين سنة»(1).

ولم يختصّ الله عز وجل ذلك الشهر بنزول القرآن فحسب؛ بل جعله موسمًا للعرض السنوي والمدارَسة بين جبريل الأمين -عليه السلام- وخير المرسلين محمد  ، حيث كان يَعْرِض عليه القرآن كلّ عام في رمضان.

فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «كان رسول الله   أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل، وكان يلقاه في كلّ ليلة من رمضان فيدارُسه القرآن…». [رواه البخاري]

ومن خصائص الشهر الكريم:

أن جعله الله موسمًا للصيام الذي هو ركن ركين من أركان الإسلام، فعن ابن عمر -رضي الله عنهما- قال: سمعت رسول الله   يقول: «بني الإسلام على خمس شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحج البيت، وصوم رمضان». [متفق عليه]

ومن خصائص رمضان أيها المسلمون:

أن من صام نهاره إيمانًا واحتسابًا، غُفِرَ له ما تقدَّمَ من ذنبه، ومن قام ليله إيمانًا واحتسابًا، غُفِرَ له ما تقدَّم من ذنبه، وأن فيه ليلةٌ خيرٌ من ألف شهرٍ، مَنْ قامَها إيمانًا واحتسابًا، غُفِر له ما تقدَّم من ذنبه.

فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ، قال: «مَنْ صامَ رمضانَ إيمانًا واحتسابًا، غُفِر له ما تقدَّمَ من ذنبه، ومَنْ قامَ ليلةَ القَدْر إيمانًا واحتسابًا، غُفِرَ له ما تقدَّم من ذنبه»؛ [متفق عليه].

وعن أبي هريرة رضي الله عنه  أن رسول الله  قال: «مَن قام ليلةَ القدر إيمانًا واحتسابًا، غُفر له ما تقدَّم من ذنبه» [متفق عليه].

أيها المسلمون:

ومن الخصائص العظيمة للشهر الفضيل: أنه تُفتَح فيه أبواب الجنان، وتُغلَق أبواب النيران، وتُغلُّ الشياطين ومردة الجنان، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: لما حضر رمضان، قال رسول الله : «قد جاءكم رمضان، شهر مبارك، افترض الله عليكم صيامَه، تُفتَح فيه أبواب الجنة، وتُغلَق فيه أبواب الجحيم، وتغلُّ فيه الشياطين…»؛ [رواه أحمد].

وقد أخبرنا النبي  أنه إذا جاءت أول ليلة من لياليه ينادي مناد من السماء: يا باغي الخير أقبل ويا باغي الشر أقصر، وأن لله في كل ليلة عتقاء من النيران، فقال : «إذا كان أول ليلة من شهر رمضان … يُنادي مُنادٍ: يا باغي الخير أقبل، ويا باغي الشر أقصر، ولله عتقاء من النار، وذلك كل ليلة»؛ [رواه الترمذي].

ومن فضائل الشهر المبارك:

أنه شهر إجابة الدعاء، فللدعاء مكانة عظيمة في الإسلام، وخير الدعاء دعاءُ الصائم عند فطره؛ فإنه لا يُرَدُّ كما جاء عن النبي  قال: «ثلاث لا تُرَدُّ دعوتهم: الإمام العادل، والصائم حين يُفطر، ودعوة المظلوم»؛ [رواه الترمذي].

ومن فضائله أيضًا:

أنه شهر الجود والعطاء، فالصَّدَقة على الفقراء والمحتاجين من أفضل أعمال البر، ومن أسباب المغفرة وتكفير السيئات، وأفضل الصَّدَقة صَدَقة رمضان؛ لذلك كان النبي  أجودَ الناس في رمضان؛ فعن ابن عباس رضي الله عنه، قال: “كان النبيُّ   أجودَ الناس بالخير، وكان أجودَ ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل” [متفق عليه].

عباد الله:

إن القلوب المؤمنة لتهفو إلى تحصيل هذه الفضائل العظيمة للوافد الكريم شهر رمضان، والدعاوى والأماني تحتاج إلى برهان؛ فشمّروا – رحمكم الله – عن سواعد الجد بالليل والنهار، وأعدوا العدة لتكونوا بإذن ربكم من الفائزين في ختام شهركم.

أقول قول هذا وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية:

الحمد لله الكريم المنان، الذي جعل شهر رمضان للتزود من العطايا والإحسان، والصلاة والسلام على خير الأنام محمد وعلى آله وصحبه الكرام رضي الله عنهم ومن تبعهم بإحسان.

أيها المسلمون:

وبعد هذه الوقفات مع فضائل الشهر الكريم، وما فيه والعطايا وعظيم الأجر يحسُن بنا أن نتحدث عن سبل الاستعداد له.

فالسبيل الأول إخوة الإيمان:
الاستعداد الإيماني:

وذلك بالوقوف مع النفس ومراجعتها وحملها على التوبة النصوح، فالإنسان مطالب بالتوبة في كلِّ وقت ولكن تشتد الحاجة للتوبة ونحن مقبلون على رمضان؛ إذ ليس من الأدب مع رمضان أن نستقبله ونحن مصرُّون على المعاصي، وعلى أكتافنا جبالٌ من السيئات، ثم ننتظر أن نكون من المقبِلينَ على الطاعات!

قال الله تعالى: {وَتُوبُوۤا۟ إِلَى ٱللَّهِ جَمِیعًا أَیُّهَ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ} [سورة النور:31].

 ومن سُبُل الاستعداد -إخوتي في الله-: الاستعداد الأخلاقي والسلوكي:

وذلك أن المسلم مأمور بأن يتحلى بكريم الأخلاق وجميل الصفات لا سيما المسلم الصائم؛ لذلك ينبغي للمسلم أن يدرّب نفسه على البعد عن الأخلاق الرذيلة حتى إذا أتى رمضان كان من الفائزين، فكثيرٌ من المسلمين نصيبهم من الصيام مجرد الجوع والعطش؛ وذلك لأنهم لم يتخلَّقُوا بأخلاق الصائمين؛ فعن أبي هريرة،  ، قال: قال رسول الله  : «مَنْ لم يَدَع قولَ الزُّور والعمل به، فليس لله حاجة في أن يَدَعَ طعامَه وشرابَه»؛ [رواه البخاري]. وعنه رضي الله عنه قال: قال رسول الله : «رُبَّ صائمٍ حظُّه من صيامه الجوع والعطش»؛ [رواه أحمد].

عباد الله:
 ومن السُّبل المهمة: الاستعداد التعبدي:

وذلك بأن تكون لنا وقفةٌ مع بعض العبادات التي يُداوِمُ عليها المسلم في رمضان؛ وذلك للارتقاء بها قبل رمضان، والقيام بها على الوجه الأمثل، فيجاهد المسلم نفسه على المحافظة على الصلاة في أوقاتها ويدرب نفسه على تحقيق الخشوع فيها، وكذلك يدرّب نفسه على الصيام في رجب وشعبان كما كان هدي النبي -عليه الصلاة والسلام-، وكذلك يخصص وقتًا للقرآن ويدرب نفسه على تدبره ومعرفة معانيه والعمل به، وكذلك الأمر في الدعاء فينبغي للمسلم أن يتعرَّف على آدابه، وكيفيته، وأسباب الإجابة والأوقات التي يُستَحَبُّ فيها الدعاء، وغير ذلك مما يعينه على حُسن الدعاء والعبادة.

ومن أهم الأسباب: سؤال الله العون، كما في فاتحة الكتاب: {إِیَّاكَ نَعۡبُدُ وَإِیَّاكَ نَسۡتَعِینُ}، وعن أبي هريرة رضي الله عنه  أن رسول الله   قال: «أَتُحِبُّونَ أنْ تَجْتَهِدُوا في الدعاءِ؟ قولوا اللهمَّ أَعِنَّا على شُكْرِكَ، وذكرِكَ، وحُسْنِ عِبادَتِكَ» [رواه أحمد].

ومن السُّبل المهمة: الاستعداد العلمي:

وذلك بالتعرف على فقه الصيام، ومعرفة أركانه، وشروطه، وواجباته، ومستحبَّاته، ومكروهاته، ومبطلاته، وغيرها من الأحكام التي لا يَسَع المسلم أن يجهلها.

كما ينبغي لمن أشكلت عليه مسألة من مسائل الصيام أن يسأل أهل العلم؛ حتى يقوم بالعبادة على الوجه الذي يحبُّه اللهُ ويرضاه.

والحرص على الفقه في الدين -إخوتي في الله- بشرى وعلامة خير؛ لما أخرجه البخاري ومسلم من حديث معاوية بن أبي سفيان -رضي الله عنهما- أن رسول الله   قال: «مَن يُرِدِ اللَّهُ به خَيْرًا يُفَقِّهْهُ في الدِّينِ».

أخي المسلم الكريم:

إننا مقبلون على سوقٍ عظيمٍ، وميدانٍ للمنافسة كبير، فليكن شعارُكَ وأنت مُقبِلٌ على هذا الشهر: لن يسبقني إلى الله أحدٌ.

ألا فليستعدَّ مَنْ يسعى لمغفرة السيئات، ويرجو العفو من ربِّ الأرض والسماوات، ويطمع في الفوز بالجنَّات ورفيع الدرجات، فالمرحوم مَنْ رُحِمَ في رمضان، والخاسر مَنْ فاتَتْه رحماتُ رمضان، فاللهم بلِّغْنا رمضان، ووفِّقْنا فيه لطاعتك، واكتُبْنا فيه من أهل جنَّتِكَ،……

وصلِّ اللهم وسلم على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.


1.تفسير ابن كثير: (6/ 100).