أطفالنا في رمضان

إنَّ الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيِّئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضلَّ له، ومن يضلِل فلا هادي له، وأشهد ألَّا إله إلَّا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله .

عباد الله:

أوصيكم ونفسي بخير ما يُوصى به، بتقوى الله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ  [آل عمران:102]، يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا  [النساء:1]، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا ۝ يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا} [سورة الأحزاب:70-71].

أيها المسلمون:

أبناؤنا قرَّة أعيننا، وزينة حياتنا، وفلذات أكبادنا، ومن أفضل نعم الله تعالى علينا، وقد أمرنا الله تعالى بأن نقيهم من النَّار كما نقي أنفسنا، فقال سبحانه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ} [سورة التحريم:6]، وأخبرنا النَّبي أنَّنا سنُسأل عنهم فقال: «كلُّكم راعٍ وكلُّكم مسؤولٌ عن رعيَّته، والأمير راعٍ، والرجل راعٍ على أهل بيته، والمرأة راعيةٌ على بيت زوجها وولده، فكلُّكم راعٍ وكلُّكم مسؤولٌ عن رعيَّته»(1).

فكيف شأننا معهم في رمضان الخير والبركات؟!

عباد الله:

ينبغي لنا أن نحبِّب أبناءنا في هذا الشهر الكريم، نحبِّبهم فيه برؤيتنا سعداء بقدومه، نحبِّبهم فيه بكلامنا الجميل عنه وحُسن استقباله.

والأهم من ذلك -عباد الله- أن نحبِّبهم فيه بأن يروا أقوالنا وأفعالنا تغيَّرت معهم إلى الأفضل، فيروا منَّا الهدوء والحلم والتَّفاهم والتَّقدير وقلَّة الغضب وعدم الصِّراخ في وجوههم والعنف في معاملتهم.

أيُّها المؤمنون:

للقدوة دورٌ كبيرٌ في تربية أبنائنا، فهم ينظرون إلى أفعالنا أكثر من سماعهم أقوالنا، فإذا أردت من ابنك أداء الصَّلاة في أوقاتها؛ فأدِّها أنت أولًا كما أمر الله، وإذا أردتَ منه المحافظة على وقته وعدم تضييعه أمام التلفاز والهاتف؛ فحافظ على وقتك أنت أولًا، وإذا أردت منه التَّحكُّم في غضبه؛ فتحكَّم في غضبك أنت أولًا…

ولأثر القدوة الكبير في التربية كان السلف يحرصون على ذلك مع معلمي أولادهم، قال عمرو بن عتبة لمُعلِّم ولده: “ليكن أوَّل إصلاحك لولدي إصلاحك نفسك، فإنَّ عيونهم معقودةٌ بعينك، فالحسن عندهم ما صنعت، والقبيح عندهم ما تركت”(2).

أيُّها المسلمون:

لقد أقسم الله تعالى في كتابه العزيز بأجزاءٍ مختلفةٍ من الوقت، فأقسم باللَّيل والنَّهار والفجر والصبح والضحى والعصر، وشرع أركان الإسلام في أوقاتٍ محدَّدةٍ، فأمرنا بأداء الصَّلاة في أوقاتٍ معلومةٍ في كلِّ يومٍ وليلةٍ، وأمرنا بأداء الزكاة إذا بلغت النِّصاب وحال عليها الحول أو أتى يوم الحصاد، وأمرنا بالصَّوم من طلوع الفجر إلى غروب الشمس في شهرٍ محدَّدٍ في كلِّ عامٍ، وأمرنا بالحجِّ في وقتٍ محددٍ مرَّةً في العمر، ولم يتعلق تحديد الوقت بأركان الإسلام فحسب، بل امتدَّ إلى زكاة الفطر، والأضحية، والقَصر في السفر، والمسح على الخفين، والرَّضاع، والعِدَّة، والرَّجعة، والحيض، والنِّفاس.

وكلُّ هذه الأمور تغرس في نفس المسلم المحافظة على الوقت والاهتمام والعناية به.

فينبغي لنا -إخوة الإيمان- أن نخطِّط لاستغلال هذا الشهر الكريم في أنفسنا وبيوتنا، فنخطِّط لنا ولأزواجنا ولأبنائنا، ونجعل أبناءنا يشتركون معنا في إعداد خطَّتهم؛ وذلك لكي يكونوا أحرص على تنفيذها.

ومن المهم والمفيد أن تشتمل الخطَّة على الجوانب الإيمانيَّة والثقافيَّة والاجتماعيَّة والبدنيَّة والترفيهيَّة، ونراعي فيها طفولتهم، ونحذر من أن تشتمل على أفلامٍ أو مسلسلاتٍ أو أيِّ شيءٍ يغضب الله تعالى، مع المكافأة المعنويَّة والماديَّة لمن يُنفِّذ الخطة منهم.

الخطبة الثانية:

الحمد لله ربِّ العالمين، والعاقبة للمتَّقين، ولا عدوان إلَّا على الظالمين، وأشهد ألَّا إله إلَّا الله، البرُّ الكريم، الرَّؤوف الرحيم، وأشهد أنَّ نبينا محمدًا خاتم الأنبياء والمرسلين.

أما بعد: عباد الله:

إن شهر رمضان فرصةٌ كبيرةٌ لغرس قيمٍ كثيرةٍ في نفوس أبنائنا، منها: مراقبة الله تعالى، فلنغرسها فيهم بقدوتنا وكلماتنا، قال خال سهل بن التستُّري له وهو ابن ثلاث سنينٍ: قل بقلبك عند تقلُّبك في فراشك: (الله معي، الله ناظرٌ إليَّ، الله شاهدٌ عليَّ).

ومما يناسب الأطفال كذلك أن نقص عليهم القصص الممتعة التي تغرس فيهم خشية الله ومراقبته في السر والعلن، ومن ذلك قصَّة بائعة اللَّبن في عهد أمير المؤمنين الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه، روى عبدالله بن زيد بن أسلم عن أبيه عن جده أسلم قال:كنت مع عمر بن الخطاب رضي الله عنه وهو يعسّ المدينة اذْ أعيا فاتكأ على جانب جدار في جوف الليل، فإذا امرأة تقول لابنتها: يا ابنتاه، قومي الى ذلك اللبن فامذقيه بالماء. فقالت: يا أَمتاه، وما علمت ما كان من عزمة أمير المؤمنين؟ فقالت: وما كان من عزمته يا بنية؟ قالت: لقد أمر منادياً فنادى ألا يشاب اللبن بالماء. فقالت لها: يا ابنتاه، قومي إلى اللبن فامذقيه بالماء، فإنك في موضع لا يراك عمر ولا منادي عمر، فقالت الصبية لأمها: يا أمتاه والله ما كنت لأطيعه في الملأ وأعصيه في الخلاء. فسمع الفاروق رضي الله عنه حديثها، واختارها زوجة لابنه؛ لما وجده من خشيتها لله ومراقبتها إياه جل وعلا.

فلنغرس إخوتي في أولادنا معنى هذه المراقبة، وأننا نصوم لله، وهو سبحانه فقط يعلم الصائم منَّا والمفطر، وهو سبحانه يرانا ويسمعنا في أيِّ مكانٍ، ولو حتَّى لم يرنا أحدٌ من البشر.

أيها الأحبة في الله:

ورمضان كذلك فرصةٌ عظيمة لغرس قيمة الصَّبر في نفوس أبنائنا، من خلال تذكيرهم بأنَّ الله يحبُّ الصَّابرين، وأنَّ الصَّابرين جزاؤهم الجنة، وأنَّهم أهنأ الناس بالًا في الدنيا، وأنَّ الصِّيام كما يُعلِّمنا الصَّبر عن الطَّعام والشَّرابُ يعلِّمنا كذلك ضبط النَّفس وعدم السبِّ أو الشتم، ولنذكر لهم قصصًّا تُشجِّعهم على الصَّبر، كما يحسن مكافأة الصغار تدرُّجًا بهم في استشعار الثواب والعقاب، كأن نتَّفق معهم على أنَّ من صبر على التَّخلص من معصيةٍ كان يداوم عليها سيُكافأ على ذلك، مثل: شجاره مع إخوته، أو عدم طاعته لأمه، وكذلك مكافأة من صبر على أداء طاعةٍ مثل قراءة ورده من القرآن، أو صلاة التراويح، وغيرها من الطاعات.

حتى إذا تخطوا مراحل الطفولة المبكرة واتسعت مداركهم للمعاني الشرعية تحولت القيم والخصال الحميدة إلى عباداتٍ يراقبون فيها ربهم ويرجون مثوبته جل وعلا وحده.

أيها الإخوة الأحباب:

إن الأطفال بطبيعتهم يستثقلون العبادة؛ لأنهم يحبُّون اللَّعب، والعبادة تمنعهم عنه، فيجب علينا أولًا أن نربِّيهم تربيةً إيمانيَّةً تُحبِّبهم في العبادة وتدفعهم إليها، تربية إيمانيَّةً تربطهم بالله عز وجل وأسمائه وصفاته، تربيةً إيمانية ترغِّبهم في طاعة النَّبي  والاقتداء به، وهذه التربية الإيمانية هي التي ستجعلهم يسارعون إلى أداء الصلاة في أوقاتها؛ لأنَّهم يحبون الله ويحبون عبادته ، وتدفعهم للصَّبر على جوع وعطش الصِّيام شوقًا إلى نعيم الجنَّة، وترغِّبهم في تفطير الصائمين لنيل الأجر من الرب الكريم، وتجعلهم يُحبُّون العطاء والصَّدقة لشعورهم بالفقراء والمساكين.

عباد الله:

لم يحدد الشرع عمرًا لبداية تدريب الأطفال على الصِّيام؛ وذلك لأنَّ الأجسام تختلف، فقد يقدر على الصوم طفلٌ عمره ستة أعوامٍ، ولا يقدر عليه طفلٌ آخر عمره ثمانية أعوام.

ومع أنَّ الصيام يجب فقط على البالغين، لكن يُستحب تدريب الأطفال منذ سنٍّ صغيرٍ عليه، والتدريب يكون بالصِّيام بين الوجبات، أو الصِّيام إلى وقتٍ لا يشعرون فيه بضررٍ، مثل وقت الظهر، أو من العصر إلى المغرب، ثم الصِّيام يومين في الأسبوع، وهكذا يكون بتدريجٍ يراعي حالة الطِّفل الجسدية، وكلُّ هذا مع تشجيعه وعدم السخرية منه، وقد كانت الصحابيات -رضي الله عنهن- يُشغلن أبناءهن عن جوع الصيام بلُعبٍ من صوفٍ، فعن الربيع بنت معوذ رضي الله عنها، قالت: أرسل النَّبي   غداة عاشوراء إلى قرى الأنصار: «من أصبح مفطرًا؛ فليتمَّ بقيَّة يومه ومن أصبح صائمًا؛ فليصم»، قالت: فكنَّا نصومه بعد، ونصوِّم صبياننا، ونجعل لهم اللعبة من العهن، فإذا بكى أحدهم على الطَّعام أعطيناه ذاك حتى يكون عند الإفطار(3).

إخوة الإيمان والإسلام:

ومن الأمور المهمَّة التي ينبغي أن نحرص عليها في هذا الشهر الكريم، بل وفي كلِّ وقتٍ: تقوية علاقتنا بأبنائنا؛ لأنَّهم إذا أحبُّونا أطاعونا، وتوجد وسائل وأساليب كثيرةٌ لتقوية علاقتنا بأبنائنا؛ منها: الاستماع لهم، والتَّعاطف مع مشاعرهم، وعدم السُّخرية منهم، وعدم الصِّراخ في وجوههم، وتقديرهم، وتخصيص وقتٍ للعب معهم.

فحاول -أخي في الله- في هذا الشَّهر الكريم أن تُخصص وقتًا لكلِّ ابنٍ من أبنائك، ولو عشر دقائق، وقتًا تجلس أو تخرج فيه معه، وقتًا يتَّسم بالمحبَّة والمودَّة، وقتًا لا يشغلك فيه شيءٌ عنه، لا تلفاز ولا هاتف ولا أي شيءٍ، وسترى نتائج هذا -بإذن الله تعالى- في تحسين سلوكيات أبنائك؛ بما يعينك على غرس الخير وقبوله في نفسه البريئة.

 ومن الوسائل كذلك أن تحدَّد جلسةً أسريةً تجتمع فيها مع زوجتك وأبنائك، جلسةً خاليةً من أيِّ شيءٍ يكرهونه، جلسةً تداعبهم وتلاعبهم معهم فيها، جلسةً تؤدون فيها بعض العبادات اليسيرة معًا كقراءة شيء من سنة أو سيرة النبي ، فهذه الجلسة مما يقوّي علاقتك بأبنائك، كما تتقوي علاقة أبنائك بعضهم ببعض، لا سيما في هذا الشهر الفضيل المليء بالنفحات.

ولا يصرفنّك الشيطان عن ذلك بزعم أنَّه لا يوجد وقتٌ لذلك، فلن تكون أكثر مسؤولياتٍ وشُغلًا من خير البشر ، ومع ذلك كان يلاعب الأطفال ويداعبهم، فيسأل طفلًا صغيرًا عن طائره، وأطال سجدةً لأنَّ حفيده كان على ظهره، وكان يصلي أحيانًا وهو حاملٌ حفيدته، فإذا سجد وضعها وإذا قام حملها، وترك طفلةً صغيرةً تلعب في خاتم النُّبوة، وعلَّم عمر بن أبي سلمة وهو صغيرٌ كيف يأكل…. فاللهم صل وسلم على خير البشر وقدوتهم، بأبي هو وأمي، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.

أيُّها الآباء، أيُّها المربُّون:

لنجعل هذا الشهر الكريم بدايةً لتغيير أنفسنا وأبنائنا تغييرًا يرضي الله تعالى، ولنرفع أكفَّ الضراعة إلى الله ونسأله أن يهدي أبناءنا.

اللهم اهدِ أبناءنا، اللهم احفظهم من شياطين الجنِّ والإنس، واجعلهم لنا قرة أعين، واجعلنا للمتقين إمامًا.

 اللهم إنا نسألك في هذا اليوم بركةً تطهر بها قلوبنا، وتكشف بها كروبنا، وتغفر بها ذنوبنا، وتصلح بها أمرنا، وتغنى بها فقرنا، وتذهب بها شرَّنا، وتكشف به همَّنا وغمَّنا.

اللهم علِّمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علَّمتنا، وزدنا علمًا.

اللهم أصلح أحوالنا، وتولَّ أمرنا، وألِّف بين قلوبنا، وأصلح ذات بيننا، واجمع كلمتنا، وانصرنا على من عادانا، وأعنَّا على أنفسنا، ولا تجعل للظالمين علينا سبيلًا.

وصل اللهم على نبيننا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.


  1. رواه البخاري (5200)، ومسلم (1829).
  2. العقد الفريد، لابن عبد ربه، (2/ 272).
  3. رواه البخاري (1960)، ومسلم (1136).