تفطن حكمة السنن الرواتب

تفطن حكمة السنن الرواتب

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله، وصحبه ما تعاقب بعد اليوم غده، أما بعد:

فإن لصلاة التطوع فضل عظيم، وثواب كبير عند الله ​​​​​​، جاء بهذا الفضل النصوص، والأخبار، والآثار؛ عن النبي  فعن أبي هريرة  قال: قال رسول الله : إن أول ما يحاسب الناس به يوم القيامة من أعمالهم الصلاة، يقول ربنا – جل وعزَّ – لملائكته – وهو أعلم -: انظروا في صلاة عبدي أتمها أم نقصها؟ فإن كانت تامة كتبت له تامة، وإن كان انتقص منها شيئاً قال: انظروا هل لعبدي من تطوع، فإن كان له تطوع قال: أتموا لعبدي فريضته من تطوعه، ثم تؤخذ الأعمال على ذاكم1.

وقد يغيب على كثير من المسلمين الحكمة من مشروعية صلوات التطوع، لذا جاء هذا البحث لنعيش مع الحكمة منها، وسر تشريعها فما يخص نافلة صلاة الفريضة القبلية والبعدية؛ من خلال الآتي: *ما المراد بصلاة التطوع:

التطوع لغة: التبرع، يقال: تطوع بالشيء تبرع به.2 

وفي الاصطلاح: أنه اسم لما شرع زيادة على الفرائض والواجبات، أو ما كان مخصوصاً بطاعة غير واجبة، أو هو الفعل المطلوب طلباً غير جازم3، وصلاة التطوع هي ما زادت على الفرائض والواجبات4 لقول النبي  في حديث السائل عن الإسلام: خمس صلوات في اليوم والليلة، فقال: هل عليَّ غيرها؟ قال: لا، إلا أن تطوع5.

أنواع صلاة التطوع:

تنقسم صلاة التطوع إلى:

تطوع مطلق.

وتطوع مقيد.

التطوع المطلق: يقتصر فيه على نية الصلاة قال النووي: فإذا شرع في تطوع، ولم ينو عدداً؛ فله أن يسلم من ركعة، وله أن يزيد فيجعلها ركعتين، أو ثلاثاً، أو مئة، أو ألفاً، أو غير ذلك، ولو صلى عدداً لا يعلمه ثم سلم صح بلا خلاف، اتفق عليه أصحابنا، ونص عليه الشافعي في الإملاء.

وروى البيهقي بإسناده أن أبا ذر  صلى عدداً كثيراً، فلما سلم قال له الأحنف بن قيس – رحمه الله -: هل تدري انصرفت على شفع أم على وتر؟ قال: إن لا أكن أدري فإن الله يدري، إني سمعت خليلي أبا القاسم  يقول (ثم بكى)، ثم قال: إني سمعت خليلي أبا القاسم  يقول: ما من عبد يسجد لله سجدة إلا رفعه الله بها درجة، وحط عنه بها خطيئة6.

والتطوع المقيد7: ينقسم إلى:

1- ما شرع تبعاً للفرائض وتسمي السنن الراتبة، وتشمل: سنة الفجر، والظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء.

2- وما شرع مستقلاً عن الفرائض – صلوات معينة غير السنن مع الفرائض – وهي أنواع:

منها صلاة الضحى: وهي مستحبة؛ لما روى أبو هريرة  قال: أوصاني خليلي  بثلاث لا أدعهن حتى أموت: صوم ثلاثة أيام من كل شهر، وصلاة الضحى، ونوم على وتر8

وأمثلة الصلاة المتطوع بها كثيرة: كصلاة الاستخارة، وصلاة الحاجة، وصلاة التوبة، وصلاة تحية المسجد، وركعتي السفر وغيرها، لكن ما يعنينا هو الحديث عن السنن الرواتب التي تتبع الفرائض، ما سر تشريعها، وأي حكمة في جعلها قبل الفريضة وبعدها.

ذكرنا سالفاً أن المقصود بالسنن الرواتب هي: التابعة للفرائض، إلا أنه اختلف في عددها، فبعضهم عدها: عشر ركعات: ركعتان قبل الظهر، وركعتان بعده، وركعتان بعد المغرب، وركعتان بعد العشاء، وركعتان قبل الفجر، مستدلين بما ثبت في الصحيح عن ابن عمر – رضي الله عنهما – قال: حفظت من النبي  عشر ركعات: ركعتين قبل الظهر، وركعتين بعدها، وركعتين بعد المغرب في بيته، وركعتين بعد العشاء في بيته، وركعتين قبل صلاة الصبح”9.

وبعضهم يجعلها اثنتي عشرة ركعة، وأضاف ركعتين قبل الظهر لتصبح أربعاً، واستدلوا بحديث عائشة – رضي الله عنها – قالت: كان رسول الله  يصلى قبل الظهر أربعاً”10، وجاء في فضلها أن من واظب عليها بني له بيتٌ في الجنة روت أم حبيبة – رضي الله عنها – أن رسول الله  قال: من صلى اثنتي عشرة ركعة في يوم وليلة بني له بهن بيت في الجنة11، وقد جاء في السنن تفسيرها عن عائشة – رضي الله عنها – قالت قال رسول الله  : من ثابر على اثنتي عشرة ركعة في اليوم والليلة دخل الجنة: أربعاً قبل الظهر، وركعتين بعدها، وركعتين بعد المغرب، وركعتين بعد العشاء، وركعتين قبل الفجر12، وقال أبو الخطاب: وأربع قبل العصر لما روى ابن عمر قال: قال رسول الله : رحم الله امرأ صلى قبل العصر أربعاً13، وإليه جنح الشافعي14.

* حكمة تشريعها:

1- معلوم أن من هذه السنن الرواتب ما يتقدم على الفرائض، ومنها ما يتأخر عنها، وفي ذلك معنى لطيف مناسب: ذكر العلماء – رحمهم الله تعالى – حكَماً للصلاة قبل الفريضة، ومن المعلوم أن من يدخل المسجد فإنه يصلي ركعتين قبل أن يجلس، والمتوضئ يسن له الصلاة بعد كل وضوء، وكذا ما شرع من رواتب قبل الصلاة كالفجر، والظهر – كما سبق -، ورغَّب النبي  في صلاة أربع ركعات قبل العصر، ووصى بالصلاة قبل المغرب، وجعل بين كل أذانين – أي: أذان وإقامة – صلاة، وكل هذا التشريع لأداء النوافل قبل الفريضة، وله حِكَم عظيمة، أما في التقديم فلأن النفوس – بسبب اشتغالها بأسباب الدنيا – بعيدة عن حال الخشوع والحضور التي هي روح العبادة، فإذا قدمت النوافل على الفرائض أنست النفس بالعبادة يقول الشيخ عطية سالم – رحمه الله – مشيراً إلى هذه اللطيفة: “المسلم يؤدي النافلة قبل الفريضة تهيئةً لقيامه بين يدي الله، وهو في أكمل ما يكون استحضاراً، وهذه زيادة تحضير، وسمِّها ما شئت؛ لأنها تعطيك زيادة تنبُّه ويقظة، ورغبة فيما عند الله، فإذا دخلت في الفريضة عفويّاً ربما تحتاج إلى شيء من التحضير؛ لكن إذا صليت السنَّة كان التهيؤ أكمل، وكل فريضة – كما أشرنا – قبلها نافلة، فهذا الفجر له ركعتان قبلية، وتلك الظهر لها ركعتان أو أربع قبلية، وتلك العصر قبلها أربع، والمغرب كانوا يصلون قبلها ركعتين، وهكذا قبل صلاة العشاء نافلة، وبعدها نافلة”15.

وأما بعد الفريضة: فقد شرعت لتكون جبراً لما يقع في الفرائض من نقص وتقصير، فإن الفرائض يعتريها النقص، إما في شروطها، أو أركانها، أو واجباتها، وقد دل على ذلك حديث أبي هريرة  المتقدم، وكما قال ابن عباس: ليس لك من صلاتك إلا ما عقلت منها، يقول ابن تيمية معلقاً: فلهذا شرعت السنن الرواتب؛ لما يحصل من النقص فى الفرائض16، قال الشيخ عبد العزيز بن باز – رحمه الله -: “ففي هذه الرواتب فوائد عظيمة، والمحافظة عليها من أسباب دخول الجنة، والنجاة من النار، مع أداء الفرائض، وترك المحارم، فهي تطوع وليست فريضة، لكنها مثلما جاء في الحديث تكمل بها الفرائض، وهي من أسباب محبة الله للعبد، وفيها التأسي بالنبي عليه – الصلاة والسلام -“17.

2- ومن فوائدها ما نبه عليه الإمام الشاطبي – رحمه الله – في الموافقات بقوله: “أن في إبطال الأخف جرأة على ما هو آكد منه، ومدخل للإخلال به، فصار الأخف كأنه حمى للآكد، والراتع حول الحمى يوشك أن يقع فيه، فالمخل بما هو مكمل كالمخل بالمكمل من هذا الوجه، ومثال ذلك: الصلاة، فإن لها مكملات، وهي هنا سوى الأركان والفرائض، ومعلوم أن المخل بها متطرق للإخلال بالفرائض والأركان؛ لأن الأخف طريق إلى الأثقل، فالمتجرئ على الأخف بالإخلال به؛ معرض للتجرؤ على ما سواه، فكذلك المتجرئ على الإخلال بها يتجرأ على الضروريات، فلو اقتصر المصلي على ما هو فرض في الصلاة لم يكن في صلاته ما يستحسن، وكانت إلى اللعب أقرب”18.

3- الاقتداء بالنبي  بأداء النوافل، وكذا السابقين المقربين من سلف هذه الأمة الذين هم في أعلى المراتب عند الله – تعالى -، فقد حث المصطفى  على التأسي به بقوله: فعليكم بسنتي، وسنة الخلفاء الراشدين المهديين؛ عضوا عليها بالنواجذ19.

ختاماً ابن باز – رحمه الله – يوصيك:

ونصيحتي لإخواني المسلمين المحافظة عليها، والعناية بها (أي السنن الرواتب) كما اعتنى بها النبي – عليه الصلاة والسلام – مع سنة الضحى، ومع التهجد بالليل، والوتر، فالمؤمن يعتني بهذا كله لما في هذه الرواتب من فوائد عظيمة”20.

نسأل الله التوفيق والسداد في الحياة الدنيا، ويوم يقوم الأشهاد، والحمد لله رب العالمين.


1 رواه أبو داود برقم (733)، وابن ماجه بلفظ مقارب برقم (1415)، وأحمد برقم (7561).

2 المصباح المنير (2-380).

3 الموسوعة الفقهية الكويتية (27-152).

4 كشف الأسرار (2-302). 5 رواه البخاري برقم (44)، ومسلم برقم (12).

6 رواه الترمذي برقم (354)، والنسائي برقم (1127)، وابن ماجه برقم (1413)، وصححه الألباني في الجامع الصغير ( 1068).

7 فقه السنة لسيد سابق (1-129).

8 رواه البخاري برقم (1107).

9 رواه البخاري برقم (1109).

10 رواه مسلم برقم (1201).

11 رواه مسلم برقم (1198).

12 رواه مسلم برقم (1771).

13 رواه الترمذي برقم (395)، وأبو داود برقم (1079)، وأحمد برقم (5708).

14 المغني لابن قدامة (1-434).

15 شرح الأربعين النووية: الحديث الثلاثون: إن الله حد حدوداً فلا تضيعوها.

16 كتب ورسائل ابن تيمية (15-236).

17 فتاوى الشيخ ابن باز (11-381).

18 الموافقات للشاطبي (2-21-22).

19 رواه أبو داود برقم (3991)، وابن ماجه برقم (1836).

20 مجموع فتاوى ابن باز (11-380).