Share |

الآذان والمؤذن

رفع الصوت بالأذان والإقامة

رفع الصوت بالأذان والإقامة

 

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله الأمين، وعلى آله الطيبين، وصحابته الغر الميامين، وعلى التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:

فمعلوم أن الأذان من شعائر الإسلام الظاهرة ومن العبادات الفاضلة، جعل الله لها من الثواب ما لو علم الناس مقداره لتنافسوا عليه، فالمؤذنون أطول الناس أعناقاً يوم القيامة1، إذا ألجم الناس العرق؛ جزاء ما رفعوا أصواتهم بذكر الله بحيث يسمعه القاصي والداني، ويشهد لهم يوم القيامة كل شيء سمع أذانهم في الدني2.

ولما كان المقصود بالأذان إعلام الناس بوقت الصلاة، ودعوتهم إلى أدائها جماعة في المسجد كان لابد من رفع الصوت بالأذان؛ ليتحقق ذلك المقصود، ويكون رفع الصوت بالإقامة دون رفع الصوت في الأذان، لأن الإقامة للحاضرين.

فما الحكم الشرعي في رفع الصوت بالأذان؛ هل ذلك مشروط في الأذان أم أنه مسنون فقط؟

اتفق الفقهاء على مشروعية رفع الصوت بالأذان3، واختلفوا في اشتراطه لصحة الأذان، ولا يخلو الأمر من حالتين:

الحالة الأولى: أن يؤذن المؤذن لجماعة غير حاضرين معه.

الحالة الثانية: أن يؤذن لنفسه أو لجماعة خاصة حاضرين معه، فهما مسألتان تأتيان في فرعين:

الحالة الأولى: إذا كان المؤذن يؤذن لجماعة غير حاضرين معه:

اختلف الفقهاء في هذه المسألة على قولين:

القول الأول:

يشترط رفع الصوت بالأذان، فلا يصح بدونه، وهو رأي لبعض الحنفية والصحيح عند الشافعية، ومذهب الحنابلة، وبعض الشافعية اعتبروه ركن4.

القول الثاني:

أنه لا يشترط رفع الصوت بالأذان، بل هو سنة، وهذا مذهب الحنفية والمالكية والوجه الثاني عند الشافعية5.

أدلة القول الأول:

استدل من يشترط رفع الصوت بالأذان بما يلي:

 أولاً: من الآثار:

ما ثبت عن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- أنه قال لعبد الرحمن بن أبي صعصعة: (فَإِذَا كُنْتَ فِي غَنَمِكَ أَوْ بَادِيَتِكَ فَأَذَّنْتَ بِالصَّلَاةِ، فَارْفَعْ صَوْتَكَ بِالنِّدَاءِ) قال أبو سعيد: سمعته من رسول الله -صلى الله عليه وسلم-6.

وجه الدلالة:

في الأثر الأمر برفع الصوت في الأذان، وهذا في حق المنفرد في البادية، ففي حق الجماعة من باب أولى.

ثانياً: من المعقول:

1- أن المقصود بالأذان الإعلام ولا يحصل إلا برفع الصوت.

2- لأنه أبلغ في الإعلام وجمع الجماعة.

أدلة القول الثاني:

استدل من يرى أن رفع الصوت بالأذان ليس شرطاً بل هو سنة بما يلي:

أولاً من السنة:

1- قوله -صلى الله عليه وسلم- لعبد الله بن زيد -رضي الله عنه-: (إِنَّهَا لَرُؤْيَا حَقٌّ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، فَقُمْ مَعَ بِلَالٍ فَأَلْقِ عَلَيْهِ مَا رَأَيْتَ فَلْيُؤَذِّنْ بِهِ؛ فَإِنَّهُ أَنْدَى صَوْتًا مِنْكَ)7.

2- حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (الْمُؤَذِّنُ يُغْفَرُ لَهُ مَدَى صَوْتِهِ، وَيَشْهَدُ لَهُ كُلُّ رَطْبٍ وَيَابِسٍ)8.

وجه الدلالة من الحديثين:

أن ظاهرهما يدل على استحباب رفع الصوت بالأذان.

ثانياً من الآثار:

استدلوا بالأثر المروي عن أبي سعيد الخدري المتقدم، وحملوا الأمر فيه على الاستحباب برفع الصوت بالأذان9.

التـرجيـح:

الراجح والله أعلم- هو ما ذهب إليه أصحاب القول الأول، وهو اشتراط رفع الصوت في الأذان؛ وذلك لقوة الأدلة، وخصوصاً تعليلهم لذلك بأن المقصود من الأذان الإعلام، ولا يحصل ذلك إلا برفع الصوت.

هذا وقد اتفق الفقهاء على أنه لا ينبغي للمؤذن أن يجهد نفسه بما فوق طاقته مبالغة في رفع صوته بالأذان؛ لئلا يحصل له ضرر بذلك؛ لما روي عن أبي محذورة -رضي الله عنه- قال: "لما قدم عمر مكة أذنت فقال لي عمر:" يا أبا محذورة، أما خفت أن ينشق مريطاؤك؟..."10.

الحالة الثانية: إذا كان المؤذن يؤذن لنفسه أو لجماعة خاصة حاضرين معه:

اتفق الفقهاء على أنه إذا كان المؤذن يؤذن لنفسه أو لجماعة حاضرين معه فلا يشترط له رفع الصوت إلا بقدر ما يسمع نفسه أو يسمع الحاضرين معه؛ لأن المقصود من الأذان وهو الإعلام يحصل بذلك11، واختلفوا في استحباب ذلك له من عدمه على قولين:

القول الأول:

أنه يستحب له رفع الصوت، وهو مذهب الحنفية والمالكية والحنابلة والصحيح عند الشافعية، إلا إذا كان بمسجد أو نحوه كرباط من أمكنة الجماعات وقعت فيه جماعة أو أذن فيه فيستحب أن لا يرفع صوته لئلا يغر الناس كما صرح بذلك بعض الفقهاء الشافعية والحنابلة.

القول الثاني:

 أنه لا يستحب له رفع صوته، وهو وجه عند الشافعية.

أدلة القول الأول:

استدل القائلون باستحباب رفع الصوت الأذان لمن يؤذن لنفسه أو لجماعة خاصة حاضرين معه بالأحاديث الواردة بالأمر برفع الصوت بالأذان وبيان فضل ذلك ومنها حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-: (الْمُؤَذِّنُ يُغْفَرُ لَهُ مَدَى صَوْتِهِ)12.

وحديث عبد الله بن زيد: (فَقُمْ مَعَ بِلَالٍ فَأَلْقِ عَلَيْهِ مَا رَأَيْتَ فَلْيُؤَذِّنْ بِهِ؛ فَإِنَّهُ أَنْدَى صَوْتًا مِنْكَ)13، وحديث أبي سعيد: (فَإِذَا كُنْتَ فِي غَنَمِكَ أَوْ بَادِيَتِكَ فَأَذَّنْتَ بِالصَّلَاةِ، فَارْفَعْ صَوْتَكَ بِالنِّدَاءِ)14.

أدلة القول الثاني:

استدل القائلون بأن من يؤذن لنفسه أو لجماعة حاضرين معه لا يستحب له أن يرفع الصوت؛ لأن من كان كذلك فإنه لا يدعو غيره ممن هو غائب عنه، فلا وجه لرفع الصوت، وحملوا الأحاديث الواردة في فضل رفع الصوت على من كان يؤذن لجماعة15.

مسألة: الأذان عبر مكبرات الصوت:

استعمال مكبرات الصوت في الأذان وغيره من المسائل المستجدة إذ أن اختراع مكبرات الصوت بدأ عام 1876م16.

وكما سبق نقل اتفاق العلماء على مشروعية رفع الصوت بالأذان، وأنه مطلوب في الأذان بل هو شرط على القول الراجح، وتقدمت الأدلة على ذلك، لذا فإن مكبرات الصوت من نعم الله تعالى على أهل القبلة؛ لأنها تزيد الصوت قوة وحسناً لإعلام الشعائر الإسلامية، وإبلاغ الخير للبرية، ونفوذه إلى أسماع أكبر عدد ممكن من الأحياء، ورحاب المساجد والمنتديات، وعلى هذا فالأذان بواسطة مكبرات الصوت يوافق سنن الأذان ولا محذور فيها  شرعاً، فإذا كان كذلك وكانت وسيلة لأمر مطلوب شرعي فللوسائل أحكام المقاصد.

وقد صدرت قرارات وفتاوى المجمعات الفقهية والهيئات الإسلامية بجواز استعمال مكبرات الصوت في الأذان والخطب والصلوات ونحوها، منها ما يلي:

"الأذان بمكبرات الصوت لتبليغ من بعده وغيره لا حرج فيه؛ لما في ذلك من المصلحة العامة"17، ومنها: "جاز شرعاً استعمال مكبر الصوت في المسجد لإسماع من لا يسمع من المصلين، سواء ذلك في الخطبة والصلاة والوعظ وغير ذلك... وليس هذا من البدعة المذمومة شرعاً، بل هو من أعمال البر والخير؛ لما يترتب عليه من سماع من لا يسمع واتعاظه"18، والله أعلم19.

ونسأل الله -جل وعلا- أن يوفق الجميع لما يحب ويرضى، وصلى الله وسلَّم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.


1 ثبت ذلك في صحيح مسلم برقم (387).

2 روى ذلك أبو سعيد الخدري مرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم كما عند البخاري برقم (584).

3 المبسوط 1/138 والخرشي على مختصر خليل 1/232 والجموع 3/119 و المغني 2/82.

4   انظر المبسوط 1/138 الوسيط 2/52 مغني المحتاج 1/ 137 شرح منتهى الإرادات 1/137.

5 بدائع الصنائع 1/149 ومواهب الجليل للخطاب 1/426 روضة الطالبين1/200.

6 أخرجه البخاري برقم (584) (1/221).

7 رواه أبو داود في كتب الصلاة باب كيفية الأذان برقم (499)(1/244) وهو صحيح.

8 رواه أبو داود (515) والنسائي (645) ابن ماجة (724) وصححه الألباني في صحيح الجامع برقم (6644).

9 المبسوط 1/138 ومواهب الجليل للشنقيطي 1/137 والمجموع 3/120.

10 أخرجه البيهقي في سننه برقم (1908) والمريطاء: هي الجلدة التي بين السرة والعانة،انظر النهاية لابن الأثير (4/273).

11 بدائع الصنائع 1/149 والخرشي على مختصر خليل 1/232 والمجموع 2/119 والمغني 2/82.

12  سبق تخريجه.

13 سبق تخريجه.

14 سبق تخريجه.

15 المجموع 3/120.

16 انظر الموسوعة العربية العالمية 24/547 ط: 2- 1419ه.

17 فتوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء بالمملكة العربية السعودية انظر فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء (6/65).

18 صدر عن مجلة الأزهر، انظر: مجلة الأزهر، الجزء السادس المجلد الخامس والعشرون ص714 وانظر كذلك ما ورد في: (فتاوى ورسائل الشيخ محمد بن إبراهيم 2/127، المجلة العربية العدد121 صفر 1408هـ ص12).

19 المصدر: كتاب أحكام الأذان والنداء والإقامة لـ(سامي بن فراج الحازمي) قدم له فضيلة الشيخ سعود بن إبراهيم الشريم، إمام وخطيب المسجد الحرام. بتصرف.

©جميع الحقوق محفوظة لموقع إمام المسجد 2004
ويحق لمن شاء أخذ ما يريد من مواد هذا الموقع بشرطين : الأول : عزو ما يأخذ إلى موقع إمام المسجد www.alimam.ws ، الثاني : الأمانة في النقل وعدم التغيير في النص المنقول ولا حذف شيء منه ، والله الموفق .
0.05479