Share |

كلمات / رقائق

ألا يسجدوا لله

ألا يسجدوا لله!!

 

الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه، والصلاة والسلام على رسوله الأمين وعلى آله وصحبه وأحبابه وإخوانه، أما بعد:

فإن الله تعالى لما خلق الخلق أراد منهم التذلل لعظمته والانقياد لأمره، ووعدهم على ذلك الأجر العظيم والمنزلة الرفيعة في الدنيا والآخرة، وبين لهم -سبحانه وتعالى- الطريق الموصلة إلى رضوانه.

والطريق الوحيد الموصل إلى ذلك هو عبادة الله تعالى والكفر بما سواه من الآلهة والأنداد، وأعظم العبادات الصلاة التي اشتملت على أنواع من العبادات والقربات، وأعظم ما في الصلاة السجود لله رب العالمين.

إن السجود لله من أعظم وأظهر وجوه التذلل بين يديه، ذلك أن أشرف موضع في الإنسان هو الجبهة، فيضعه على التراب تعظيماً لله تعالى واعترافاً بالذل والحاجة إليه في كل حين، وأنه لا غنى للعبد عن خالقه ومولاه طرفة عين.

والسجود لله تعالى يقرب العبد من ربه، ويدنيه من رحمته، فأقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، كما قال -صلى الله عليه وسلم-: (أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنْ رَبِّهِ وَهُوَ سَاجِدٌ، فَأَكْثِرُوا الدُّعَاءَ)1.

والسجود لله يرفع العبد درجات ويحط عنه خطيئات، كما في حديث معدان بن أبي طلحة قال: لقيت ثوبان مولى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقلت: حدثني بحديث عسى الله أن ينفعني به؟ فقال: عليك بالسجود فإني سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (مَا مِنْ عَبْدٍ يَسْجُدُ لِلَّهِ سَجْدَةً إِلَّا رَفَعَهُ اللَّهُ بِهَا دَرَجَةً وَحَطَّ عَنْهُ بِهَا خَطِيئَةً) قال معدان: ثم لقيت أبا الدرداء فسألته فقال لي مثل ذلك.2 وقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لربيعة بن كعب الأسلمي وقد سأله مرافقته في الجنة: (أَعِنِّي عَلَى نَفْسِكَ بِكَثْرَةِ السُّجُودِ)3.

وأول سورة أنزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم سورة (اقرأ) على الأصح، وختمها بقوله: وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ (19) سورة العلق.

والسجود لله يقع من المخلوقات كلها علويها وسفليها، والساجد أذل ما يكون لربه وأخضع له، وذلك أشرف حالات العبد؛ فلهذا كان أقرب ما يكون من ربه في هذه الحالة والسجود هو سر العبودية، فإن العبودية هي الذل والخضوع يقال: طريق معبد، أي ذللته الأقدام ووطأته، وأذل ما يكون العبد وأخضع إذا كان ساجداً.

قال ابن القيم: "وأشرف العبودية عبودية الصلاة، وقد تقاسمها الشيوخ والمتشبهون بالعلماء والجبابرة، فأخذ الشيوخ منها أشرف ما فيها وهو السجود، وأخذ المتشبهون بالعلماء منها الركوع، فإذا لقي بعضهم بعضاً ركع له كما يركع المصلي لربه سواء، وأخذ الجبابرة منهم القيام فيقوم الأحرار والعبيد على رؤوسهم عبودية لهم وهم جلوس، وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هذه الأمور الثلاثة على التفصيل، فتعاطيها مخالفة صريحة له. فنهى عن السجود لغير الله وقال: (لا ينبغي لأحد أن يسجد لأحد)4 وأنكر على معاذ لما سجد له وقال : مه!

وتحريم هذا معلوم من دينه بالضرورة وتجويز من جوزه لغير الله مراغمة لله ورسوله، وهو من أبلغ أنواع العبودية، فإذا جوز هذا المشرك هذا النوع للبشر فقد جوز العبودية لغير الله، وقد صح أنه قيل له: الرجل يلقى أخاه أينحني له؟ قال: (لا) قيل: أيلتزمه ويقبله؟ قال: (لا) قيل: أيصافحه؟ قال: (نعم)5..

والمقصود: أن النفوس الجاهلة الضالة أسقطت عبودية الله سبحانه وأشركت فيها من تعظمه من الخلق، فسجدت لغير الله وركعت له، وقامت بين يديه قيام الصلاة، وحلفت بغيره ونذرت لغيره وحلقت لغيره وذبحت لغيره، وطافت لغير بيته وعظمته بالحب والخوف والرجاء والطاعة كما يعظم الخالق، بل أشد، وسوت من تعبده من المخلوقين برب العالمين، وهؤلاء هم المضادون لدعوة الرسل، وهم الذين بربهم يعدلون، وهم الذين يقولون -وهم في النار مع آلهتهم يختصمون-: تالله إن كنا لفي ضلال مبين*إذ نسويكم برب العالمين الشعراء : 98 وهم الذين قال فيهم: ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبا لله البقرة : 165، وهذا كله من الشرك، والله لا يغفر أن يشرك به.."6

ولما رأى هدهد سليمان عليه السلام قوم سبأ وملكتهم يسجدون للشمس من دون الله تعالى استنكر ذلك وعظم في نفسه أن يتوجه العبيد بالسجود إلى المخلوقات، فقال فيما قال من أمره: وَجَدتُّهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ * أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ * اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (24-26) سورة النمل.

فأدرك هذا الهدهد أن السجود تعظيم وتقديس للمسجود له فلا يكون ذلك إلا لله تعالى؛ فلهذا قال: (أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ)!! فهذا استغراب منه واستنكار لعظمة الموقف الذي أذهله عن سليمان وجيشه، وسبحان الله فلا يعلم الإنسان كيف قطع الهدهد تلك المسافة الكبيرة بين الشام واليمن، لكن الله تعالى على كل شيء قدير.

فينبغي على الإنسان ألا يركع ولا يخضع إلا لله الخالق العظيم، والرازق الكريم، الذي له الملك وحده وإليه يرجع الناس أجمعون.

اللهم صل وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.

 


 

1 رواه مسلم.

2 رواه الترمذي والنسائي وابن ماجه.

3 رواه مسلم.

4 رواه ابن حبان. وهو وارد في غير ابن حبان بلفظ: (لو كنت آمراً أحداً أن يسجد لأحد..) إلخ.

5 رواه الترمذي وأحمد، وحسنه الألباني في السلسلة الصحيحة (160).

6 زاد المعاد (4/145).

©جميع الحقوق محفوظة لموقع إمام المسجد 2004
ويحق لمن شاء أخذ ما يريد من مواد هذا الموقع بشرطين : الأول : عزو ما يأخذ إلى موقع إمام المسجد www.alimam.ws ، الثاني : الأمانة في النقل وعدم التغيير في النص المنقول ولا حذف شيء منه ، والله الموفق .
0.04401