تحريك السبابة عند التشهد

تحريك السبابة عند التشهد

تحريك السبابة عند التشهد

 

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسوله الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وعلى التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد:

تحريك السبابة عند التشهد من السنن الواردة عن النبي – صلى الله عليه وسلم -، وتعددت الأقوال في كيفيتها، وسيكون موضوع مقالنا حول هذه المسألة.

فقد ثبت عن النبي – صلى الله عليه وسلم – أنه كان يشير بأصبعه السبابة، ويحركها في التشهد في الصلاة.

ولكن اختلف في موضع رفع الأصبع وكيفيته، فذهب الحنفية إلى رفع السبابة عند النفي في الشهادتين، يعني: عند قوله: "لا"، ويضعها عند الإثبات، وذهب الشافعية إلى رفعها عند قوله: "إلا الله"، وذهب المالكية إلى أنه يحركها يميناً وشمالاً إلى أن يفرغ من الصلاة، وذهب الحنابلة إلى أنه يشير بإصبعه كلما ذكر اسم الجلالة، ولا يحركها.

قال الشيخ الألباني – رحمه الله -: " هذه التحديدات والكيفيات لا أصل لشيء منها في السنة، وأقربها للصواب مذهب الحنابلة، لولا أنهم قيدوا التحريك عند ذكر الجلالة، ويبدو أنه ليس من أحمد نفسه، فقد ذكر ابن هانئ في "مسائله" صـ(80) أن الإمام سئل: هل يشير الرجل بإصبعه في الصلاة؟ قال: نعم شديداً. وظاهر حديث وائل المتقدم الاستمرار في التحريك إلى آخر التشهد دون أي قيد أو صفة"1.

وكذلك بين الألباني صفة تحريك السبابة في الصلاة فقال في كتابه "تلخيص صفة الصلاة(34)" "تحريك الإصبع والنظر إليها: ويقبض أصابع كفه اليمنى كلها، ويضع إبهامه على إصبعه الوسطى تارة، وتارة يحلق بهما حلقة، ويشير بإصبعه السبابة إلى القبلة، ويرمي ببصره إليها، ويحركها يدعو بها من أول التشهد إلى آخره، ولا يشير بإصبع يده اليسرى، ويفعل هذا كله في كل تشهد".

وقد دلت أدلة كثيرة على تحريك السبابة في التشهد فمن ذلك ما أخرجه مسلم عن عبد الله بن الزبير – رضي الله عنه – قال: "كان رسول الله – صلى الله عليه وسلم – إذا قعد في الصلاة جعل قدمه اليسرى بين فخذه وساقه وفرش قدمه اليمنى، ووضع يده اليسرى على ركبته اليسرى، ووضع يده اليمنى على فخذه اليمنى، وأشار بإصبعه".

وفي النسائي وأبي داود: "كان يشير بأصبعه إذا دعا ولا يحركها"، ولكن هذه الزيادة: (ولا يحركها) ضعفها العلامة ابن القيم في "زاد المعاد"(1/238) وضعفها الألباني في "تمام المنّة" صـ(218).

وعن وائل بن حجر – رضي الله عنه – قال: قلت: لأنظرن إلى صلاة رسول الله – صلى الله عليه وسلم – كيف يصلي، فنظرت إليه فقام فكبر ورفع يديه حتى حاذتا بأذنيه ثم وضع يده اليمنى على كفه اليسرى والرسغ والساعد، فلما أراد أن يركع رفع يديه مثلها قال: ووضع يديه على ركبتيه، ثم لما رفع رأسه رفع يديه مثلها، ثم سجد فجعل كفيه بحذاء أذنيه، ثم قعد وافترش رجله اليسرى، ووضع كفه اليسرى على فخذه وركبته اليسرى، وجعل حد مرفقه الأيمن على فخذه اليمنى، ثم قبض اثنتين من أصابعه وحلق حلقة، ثم رفع إصبعه فرأيته يحركها يدعو بها رواه النسائي، وصححه ابن خزيمة وابن حبان، وصححه كذلك الألباني في إرواء الغليل (367).

وقد استدل الشيخ ابن عثيمين بهذا الحديث: (يحركها يدعو بها) على أن تحريك السبابة في التشهد يكون عند كل جملة دعائية، فقال – رحمه الله – في الشرح الممتع: "دلت السنة على أنه يشير بها عند الدعاء؛ لأن لفظ الحديث: (يحركها يدعو بها)، فكلّما دعوت حرِّكْ إشارةً إلى علو المدعو – سبحانه وتعالى – على هذا فنقول: "السلام عليك أيها النبي" فيه إشارة لأن السلام خبر بمعنى الدعاء، "السلام علينا" فيه إشارة، "اللهم صلّ على محمد" فيه إشارة، "اللهم بارك على محمد" فيه إشارة، "أعوذ بالله من عذاب جهنّم"  فيه إشارة، "ومن عذاب القبر" إشارة، "ومن فتنة المحيا والممات" إشارة، "ومن فتنة المسيح الدجال" إشارة، وكلما دعوت تشير إشارةً إلى علو من تدعوه – سبحانه وتعالى -، وهذا أقرب إلى السنّة".

كما أن من السنة عند الإشارة أن ينظر إلى السبابة قال النووي: "والسنة أن لا يجاوز بصره إشارته، وفيه حديث صحيح في سنن أبي داود ويشير بها موجهة إلى القبلة، وينوي بالإشارة التوحيد والإخلاص"2، وهذا الحديث الذي أشار إليه النووي – رحمه الله – هو حديث عبد الله بن الزبير المتقدم، ولفظه عند أبي داود (989): (لا يجاوز بصره إشارته)، وصححه الألباني في صحيح أبي داود.

ومن السنة أيضاً أن يشير بها إلى القبلة؛ لما ثبت عن عبد الله بن عمر – رضي الله عنهما – أنه رأى رجلا يحرك الحصا بيده وهو في الصلاة، فلما انصرف قال له عبد الله: لا تحرك الحصا وأنت في الصلاة فإن ذلك من الشيطان، ولكن اصنع كما كان رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يصنع، قال: فوضع يده اليمنى على فخذه، وأشار بأصبعه التي تلي الإبهام إلى القبلة، ورمى ببصره إليها، ثم قال: هكذا رأيت رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يصنع3.

وقد سئل الشيخ ابن باز – رحمه الله – السؤال الآتي: "ألاحظ أنه أثناء قراءة التشهد يقوم بعض المصلين بتحريك السبابة يميناً ويساراً، وبعضهم إلى أعلى وأسفل، وذلك بحركات سريعة متتالية أو بطيئة، والبعض الآخر يرفع أصبعه ولا يحركها، وآخرون لا يرفعون أصبعهم هذه بالمرة، فما الحكم في ذلك؟"

فأجاب: "السنة للمصلي حال التشهد أن يقبض أصابعه كلها أعني أصابع اليمنى، ويشير بالسبابة ويحركها عند الدعاء تحريكاً خفيفاً إشارة للتوحيد، وإن شاء قبض الخنصر والبنصر وحلق الإبهام مع الوسطى، وأشار بالسبابة كلتا الصفتين صحتا عن النبي – صلى الله عليه وسلم -، أما يده اليسرى فيضعها على فخذه اليسرى مبسوطة ممدودة أصابعها إلى القبلة، وإن شاء وضعها على ركبته، كلتا الصفتين صحتا عن النبي – صلى الله عليه وسلم -"4.

والله نسأل أن يوفقنا لطاعته، وأن يجنبنا معصيته، والحمد لله رب العالمين.


 


1 تمام المنة، صـ (223).

2 شرح النووي على مسلم( 5/81).

3 رواه النسائي (1160) رواه ابن خزيمة ( 1 / 355 ) وابن حبان ( 5 / 273 ) . وصححه الألباني في صحيح النسائي.

4 نشرت هذه الفتوى في (كتاب الدعوة) الجزء الأول صـ  (75) مجموع فتاوى ومقالات متنوعة الجزء الحادي عشر.