الانزلاق في الشبهات

الانزلاق في الشبهات

الانزلاق في الشبهات

 

الحمد لله الذي منَّ بظاهر النعم وباطنها، وفروعها وأصولها، فأعطى النفوس من سوابغ نعمائه غاية منيتها ومنتهى سؤلها، وأشهد أن لا إله إلا الله الذي تفرد بإيصال الخيرات والمسار، ودفع العقوبات والمكروهات والمضار، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله المصطفى المختار، اللهم صل على محمد وعلى آله وأصحابه الأخيار، وعلى التابعين لهم بإحسان, بالأقوال والأفعال والإقرار، وسلَّم تسليماً كثيراً1.

أما بعد:

يقول النبي -صلى الله عليه وسلم- كما في حديث النعمان بن بشير -رضي الله عنه-: (إن الحلال بيِّن وإن الحرام بين, وبينهما مشتبهات, لا يعلمهن كثير من الناس, فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه, ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام, كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه, ألا وإن لكل ملك حمى, ألا وإن حمى الله محارمه)2.

ولقد أجمع العلماء على عظم وقع هذا الحديث، وكثرة فوائده، وأنه أحد الأحاديث التي عليها مدار الإسلام, بل قال جماعة من العلماء: هو ثلث الإسلام، وأن الإسلام يدور عليه، وعلى حديث الأعمال بالنية، وحديث من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه.

وسبب عظم موقعه أنه -صلى الله عليه وسلم- نبه فيه على إصلاح المطعم والمشرب والملبس وغيرها، وأنه ينبغي ترك المشتبهات، فإنه سبب لحماية دين المرء وعرضه، وحذر من مواقعة الشبهات، وأوضح ذلك بضرب المثل بالحمى3.

وهذا الحديث يطول شرحه، وقد اعتنى شرَّاح الصحيحين في ذلك, وإنما الكلام في هذه الخاطرة سيكون هو حول قوله -عليه الصلاة والسلام-: (كالراعي يرعى حول الحمى..).

ففيه أن النبي -صلى الله عليه وسلم- مَثَّل محارم الله بالحمى الذي يحميه المَلِكُ من الأرض، ويمنع الناس من الدخول فيه؛ فمن تباعد عنه توقى سخط الملك، وعقوبته، ومن رعى بقرب الحمى فقد تعرض لمساخط الملك، وعقوبته؛ لأنه ربما دعته نفسه إلى الولوج في أطراف الحمى.

قالوا: وفي هذا دليلٌ على سد الذرائع، والوسائل، والمحرمات، ثم ضربوا أمثلةً لذلك مما هو شائعٌ في وقتهم، فمثَّلوا بالخلوة بالمرأة الأجنبية، وبشرب قليل ما يسكر كثيره، وبالنهي عن الصلاة بعد الصبح، وبعد العصر؛ خشية الصلاة عند طلوع الشمس، وعند غروبها، وبمنع من تحرك القُبلة شهوته في صيامه، ومثلوا كذلك بما يُضَمَّن مَنْ سيَّب دابته نهاراً بقرب زرع غيره فتفسده، أو أرسل كلبه للصيد في الحل بقرب الحرم، فدخل الحرم فصاد؛ فإنه يضمن في الصورتين على الأصح.

إخواني: في عصرنا هذا شاعت صورٌ كثيرةٌ من هذا القبيل، بل إن من الناس من ارتكس في الحمأة، وهو يحسب أنه يحوم حول الحمى.

فمن صور ذلك ما تراه من التحايل في أكل المال؛ حيث يبدأ الإنسان، وهو يحاذر من الوقوع في الحرام، ثم يتدرج به الشيطان فيوقعه في المشتبه، ثم يوصله إلى الحرام المحض بعد أن يغرق في الدين إلى الأذقان.

ومن صور ذلك ما تراه من بعض الناس؛ حيث يطلق بصره في النظر في القنوات الفضائية، ثم يتمادى به الأمر، فيدمن مشاهدة المناظر الخليعة التي تفتك بقلبه، وتطفأ نور بصيرته.

وقل مثل ذلك فيمن يتصفح مواقع الإنترنت؛ حيث يقلبها دون أن يكون له رغبة في الوقوع في الحرام، فما إن يلبث في تقليب بصره حتى يصل إلى ما لم يكن له في الحسبان.

وكذلك الشأن في حال من يرتاد المجالس التي تثار فيها الشبهات؛ حيث يعودها مرةً بعد أخرى حتى يتشرب الشبهة تلو الشبهة، فيظلم قلبه، ويفقد أنسه بربه، وربما انسلخ من دينه.

وربما دخل في مناقشات، وردود مع أرباب فكر منحرف، وهو خالي الوفاض من العلم والحجة؛ فما هي إلا أن تسري إليه عدواهم؛ فيصير من قبيلهم.

وبعد –أيها المسلمون- هذه القطعة من الحديث من علامات النبوة، ومن أعظم جوامع الكلم؛ إذ إن من اقترب من المحرم، وحام حول الفتن قرب منه البلاء، وبعدت منه السلامة، وربما زال عنه اللطف الإلهي، ووكل إلى نفسه؛ فمهما بلغ الإنسان من التحرز والعلم، والديانة – فلا ينبغي له أن يُغَرِّر بنفسه، ولا يجوز له أن يُفْرِط في الثقة بما هو عليه من العلم والتقوى, فإن أبى إلا الحوم حول الحمى فليعلم أنه على شفا جرف، فيوشك أن ينهار به؛ فليتدارك نفسه، وليصلح ما أفسد؛ فإن الحسنات يذهبن السيئات، ومن يعمل سوءاً، أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفوراً رحيماً.

هذا وإن من أعظم ما يعين على سلامة القلب، ونجاته من أسباب الردى: البعدَ عن المثيرات؛ فيبتعد عن كل ما يثير فيه دواعي المعصية، ونوازع الشر، ويبتعد عن كل ما يثير شهوته، ويحرك غريزته من مشاهدة للأفلام الخليعة، وسماع للأغاني الماجنة، وقراءة للكتب السيئة، والمجلات الداعرة.

كما عليه أن يقطع صلته بكل ما يذكره بالمعصية من أماكن الخنا، ومنتديات الرذيلة التي تذكره بالمعصية، وتدعوه إليها؛ فالشيء إذا قطعت أسبابه التي تمده زال واضمحل؛ فالقرب من المثيرات بلاء وشقاء، والبعد عنها جفاء وعزاء؛ فكل بعيد عن البدن يؤثر بعده في القلب؛ فليصبر على مضض الفراق صبر المصاب في بداية المصيبة، ثم إن مر الأيام يهون الأمر، خصوصاً إذا كان ذلك مما يثير العشق والغرام، قال زهير بن الحباب الكلبي:

إذا ما شئت أن تسلو حبيبا فما سلى حبيبك غيرُ نأي  

 

فأكثر دونه عدد الليالي ولا أبلى جديدك كابتذال

 

وأحق الأشياء بالضبط والقهر-اللسان والعين؛ فإياك أن تغتر بعزمك على ترك الهوى مع مقاربة الفتنة؛ فإن الهوى مكايد، وكم من شجاع في الحرب اغتيل، فأتاه ما لم يحتسب.

ألا وإن من المثيرات التي يجدر بالإنسان تجنبها فضول الطعام والمنام، ومخالطة الأنام؛ فإن قوة المعاصي إنما تنشأ من هذه الفضلات؛ فإنها تطلب مَصْرفاً، فيضيق عليها المباح، فتتعداه إلى الحرام.

ومن البعد عن المثيرات البعد عن الكتب التي تحرك نوازع الشر، وتحبب الفساد لقرائها، كما في بعض كتب الأدب التي تحتوي على الكلام البذيء، والأدب المكشوف الذي يستقر في الأدمغة استقرار البارود4.

عباد الله:

أن الشيطان يحرص كل الحرص على صد الناس عن الدين الصحيح، فإن رأى منهم عدم رغبة في الدين شجعهم على ذلك وزين لهم المعاصي والشهوات وفتح لهم أبواب الشبهات، وإن رأى منهم محبة للدين أدخل عليهم من البدع والزيادات ما يفسده عليهم فتنبهوا لذلك5.

نسأل الله أن يجنبنا الفتن ما ظهر منها وما بطن, إنه سميع مجيب, والحمد لله رب العالمين.


 


1 الفواكه الشهية في الخطب المنبرية لـ(السعدي).

2 رواه مسلم برقم (2996) (ج 8 / ص 290).

3 شرح النووي على مسلم (ج 5 / ص 469).

4 مستفاد من موقع صيد الفوائد بتصرف.

5 خطب مختارة – (ج 1 / ص 204).