التكبير المطلق والمقيد

 

الحمد لله الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق؛ ليظهره على الدين كلِّه, وكفى بالله شهيداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده, أنجز وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده, وكان الله قوياً عزيزاً, وأشهد أن محمداً عبده ورسوله, صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه, وسلَّم تسليماً كثيراً.

أما بعـد:

فينبغي لإمام المسجد أن يعتني بما يهم المأمومين من الأحكام الشرعية وتذكيرهم بها خاصة ما يندر الاحتياج إليه, أو ما كان مرتبطاً بمناسبات سنوية لا تتكرر إلا في العام مرة أو مرتين, فينبغي التنبيه لذلك؛ حيث كونه لا يتكرر إلا كل عام فإنه يُنسى وبالتالي يُحتاج إلى التذكير به, ومن تلك الأحكام الشرعية مسألة التكبير المطلق والمقيد, ونذكر في هذه المسألة شيئاً مما ذكره العلماء, فنقول:

 

التكبير المطلق: أي الذي لم يقيد بأدبار الصلوات, ويسن الجهر به في ليلتي العيدين؛ لقوله تعالى:  {وَلِتُكَبِّرُواْ اللّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ} (185) سورة البقرة.وفي عشر ذي الحجة، قال تعالى: {وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ} (27) سورة الحـج.

أما التكبير المقيد:وهو الذي يكون بعد الصلوات, ويختص بعيد الأضحى فيبدأ من صلاة الفجر يوم عرفة إلى آخر أيام التشريق1.

 

ونُقل عن الإمام أحمد -رحمه الله- أنه سئل: أي حديث تذهب إلى أن التكبير من صلاة الفجر يوم عرفة إلى آخر أيام التشريق؟ قال: بالإجماع.

لكن التكبير الجماعي بصوت واحد ليس بمشروع؛ لما ثبت عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: (مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ فِيهِ فَهُوَ رَدٌّ)2.ولم يفعله السلف الصالح، لا من الصحابة، ولا من التابعين ولا تابعيهم، وهم القدوة، والواجب الاتباع وعدم الابتداع في الدين3.

 

فيشرع لكل من الإمام والمأموم في عيد الأضحى التكبير المطلق، والمقيد، فالتكبير المطلق في جميع الأوقات من أول دخول شهر ذي الحجة إلى آخر أيام التشريق, وأما التكبير المقيد فيكون في أدبار الصلوات المفروضة من صلاة الصبح يوم عرفة إلى صلاة العصر من آخر أيام التشريق، وقد دل على مشروعية ذلك الإجماع كما أسلفنا ذكر ذلك عن الإمام أحمد، وفعل الصحابة -رضي الله عنهم.

قال ابن تيمية:"أصح الأقوال في التكبير الذي عليه جمهور السلف والفقهاء من الصحابة والأئمة, أن يكبر من فجر يوم عرفة إلى آخر أيام التشريق عقب كل صلاة, ويشرع لكل أحد أن يجهر بالتكبير عند الخروج إلى العيد, وهذا باتفاق الأئمة الأربعة, وصفة التكبير المنقول عند أكثر الصحابة قد روي مرفوعاً إلى النبي -صلى الله عليه وسلم-: (الله أكبر الله أكبر, لا إله إلا الله والله أكبر, الله أكبر ولله الحمد).وإن قال الله أكبر ثلاثاً جاز, ومن الفقهاء من يكبر ثلاثاً فقط, ومنهم من يكبر ثلاثاً ويقول لا إله إلا الله وحده لا شريك له, له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير"ا-هـ.4.

قال الشافعي: إن زاد فقال الله أكبر كبيراً، والحمد لله كثيراً، وسبحان الله بكرة وأصيلاً، لا إله إلا الله, ولا نعبد إلا إياه مخلصين له الدين ولو كره الكافرون, لا إله إلا الله وحده صدق وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده لا إله إلا الله والله أكبر, كان حسناً 5.

 

وأما التكبير في الصلاة فيكبر المأموم تبعاً للإمام وأكثر الصحابة -رضي الله عنهم- والأئمة يكبرون سبعاً في الأولى وخمساً في الثانية, وإن شاء أن يقول بين التكبيرتين: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر,اللهم اغفر لي وارحمني, كان حسناً كما جاء ذلك عن بعض السلف والله أعلم6.

ويسن إظهار التكبير في المساجد والمنازل والطرقات والأسواق، وغيرها، يجهر به الرجال، وتسر به المرأة، إعلاناً بتعظيم الله تعالى.

 

لقد صار التكبير عند بعض الناس من السنن المهجورة، وهي فرصة لكسب الأجر بإحياء هذه السنة، وقد ثبت أن ابن عمر وأبا هريرة –رضي الله عنهما- كانا يخرجان إلى السوق أيام العشر؛ يكبران ويكبر الناس بتكبيرهما, والمراد من ذلك أن يتذكر الناس التكبير، فيكبرون بسبب تكبيرهما, والله أعلم. ومن أراد فعل السنة، فإنه لا ينتظر فعل الناس لها، بل يكون أول الناس مبادرة إليها، ليقتدي به غيره7.

 

فاحرص أخي الإمام أن يكون مسجدك شعلة مضيئة يهتدي به كل من يصلي معك فيه, متعلمين معك سنة نبيك –صلى الله عليه وسلم- بعيداً عن الابتداع أو التساهل من تطبيق السنن في الواقع, واعلم أن من أحيا سنة كان له أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة.

والله نسأل أن يوفق الجميع إلى مرضاته,وعيد سعيد على الجميع,وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين, وسلم تسليماً كثيراً, والحمد لله رب العالمين.

 

 


 

1 رسالة في الفقه الميسر لـ( صالح بن غانم السدلان) (1/49).

2 رواه البخاري -2499- (9/201) ومسلم -3242- (9/118).

3 فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء - (10/317)بتصرف.

4 مجموع فتاوى ابن تيمية - (5/426).

5 زاد المعاد لـ(ابن القيم (2/360)بتصرف.

6 مجموع فتاوى ابن تيمية - (5/426).

7 مجلة البيان  العدد-99- ذو القعدة 1416هـ بتصرف.