استغلال الحدث للموعظة

 

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.. أما بعد:

فإن من سنن الله -تعالى- في الحياة تكرر الحوادث، وتجدد المواقف، واستمرارها إلى قيام الساعة..

وقد ذكر الله -تعالى- في كتابه العظيم كثيراً من الحوادث والأمور العظام التي أمر المؤمنين أن يأخذوا العبرة منها، وليست تلك القصص والمواقف والأحداث مجرد حكايات تقال أو قصص تنقل أو تسمع دون أن تحدث في النفوس أثراً يغير مجرى الحياة إلى الأفضل..

وفي كل يوم نسمع حدثاً هنا وهناك، أحداث جسام وكوارث تصيب الأمم، ومصائب تقع على من قدرها الله عليه..

فينبغي للإمام الموفق، والخطيب الحاذق، وكل داعية إلى الله -تعالى- أن يكون متتبعاً لتلك الأحداث، يبين للناس ما يجب عليهم تجاها.. و من المعيب في حق الأئمة والخطباء أن تمر بالأمم الحوادث العظام وهم آخر من يعرف عنها!

بل إن بعض أئمة المساجد وخطبائها لا يعلم أنه حصل في البلد الفلاني كذا وكذا إلا بعد أن ينتهي زمن حسن استغلاله. وهو قد تحدث عن موضوع بعيد عن مستوى الحدث!! فيبلغه أحد الحاضرين، لماذا يا شيخ لم تتكلم عن ذاك الحدث أو تلك النازلة؟ فيكون الجواب: عفواً لم أدرِ بها..!

المقصود أن متابعة ما يحدث في هذه الأرض من أمور وتقلبات ينبغي على الإمام والخطيب أن يوليها عناية مهمة؛ ليغرس من خلال ذلك الحدث مفاهيم تربوية وإيمانية..

ولقد كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يستغل الأحداث في تربية الناس وتزكيتهم،

فمن ذلك كسوف الشمس وخسوف القمر.. فهو من الأحداث العظيمة التي تسبب تغيراً عجيباً لكوكب الشمس والقمر.. إن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لم يدع هذه الأحداث تمر دون أن يغرس في نفوس أصحابه -رضي الله عنهم- معاني إيمانية، وتحذيرات شديدة من الوقوع في معاصي الله -تعالى-..

فقد ثبت عن عائشة زوج النبي -صلى الله عليه وسلم- أنها قالت: (خسفت الشمس في عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فصلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بالناس فقام فأطال القيام، ثم ركع فأطال الركوع، ثم قام فأطال القيام، وهو دون القيام الأول، ثم ركع فأطال الركوع، وهو دون الركوع الأول، ثم رفع فسجد، ثم فعل في الركعة الآخرة مثل ذلك، ثم انصرف وقد تجلت الشمس، فخطب الناس، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: (إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله، لا يُخسفان لموت أحد ولا لحياته، فإذا رأيتم ذلك فادعوا الله وكبروا وتصدقوا) ثم قال: (يا أمة محمد ! والله ما من أحد أغير من الله أن يزني عبده أو تزني أمته، يا أمة محمد ! والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً !).1

وعن عبد الله بن عباس -رضي الله عنه- أنه قال: (خسفت الشمس على عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فصلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- والناس معه، فقام قياماً طويلاً نحواً من سورة البقرة، ثم ركع ركوعاً طويلاً... (إلى أن قال): ثم أنصرف وقد تجلت الشمس فقال: (إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله، لا يُخسفان لموت أحد ولا لحياته، فإذا رأيتم ذلك فاذكروا الله). قالوا: يا رسول الله رأيناك تناولت شيئاً في مقامك هذا، ثم رأيناك تكعكعت؟ فقال: (إني رأيت الجنة (أو أُريت الجنة)، فتناولت منها عنقوداً، ولو أخذته لأكلتم منه ما بقيت الدنيا، ورأيت النار فلم أر كاليوم منظراً قط! ورأيت أكثر أهلها النساء). قالوا: لِمَ يا رسول الله؟ قال: (بكفرهن). قيل: يكفرن بالله؟! قال: (يكفرن العشير، ويكفرن الإحسان، لو أحسنت إلى إحداهن الدهر ثم رأت منك شيئاً قالت: ما رأيت منك خيراً قط!).2 ومعنى تكعكعت أي: تأخرت إلى الوراء..

وسواء كان هذا الكسوف قد حدث مرة واحدة أو مرتين فإن في فعل النبي -صلى الله عليه وسلم- ذلك تذكيراً للناس بما ينبغي عليهم فعله، وما يجب عليهم تركه واجتنابه.

وفيه تذكير لهم بيوم الحساب الذي هو كألف سنة مما يعد الناس، وذلك أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أطال القيام والركوع والسجود، وكل ذلك يذكر الناس بالقيام الطويل لله رب العالمين {يوم يقوم الناس لرب العالمين}. ثم لما كان كسوف الشمس يذكر الناس بالنار والجحيم –أجارنا الله من النار- جمع لهم إلى رؤية الشمس إخباره إياهم بأنه رأى الجنة والنار.. وأنه ما رأى كيومه ذلك منظراً قط -صلى الله عليه وسلم-.

وفي زماننا تتجدد الحوادث، وتظهر في الكون أمور جسيمة، ومظاهر عجيبة، فمن زلازل إلى أعاصير وفيضانات تأخذ الأمم، إلى حروب مدمرة تسقط أقواماً وترفع آخرين..

كالذي حدث في جنوب شرق آسيا في (إعصار تسونامي المدمر) من هلاك كثير من الناس قدروا بمئات الآلاف، وكذلك ما حدث من زلزال في إيران دمرت فيعه مدينة بالكامل وأصبحت خاوية على عروشها، وقتل فيها أكثر من سبعين ألفاً !!.

وكذلك من آخر الأعاصير والفيضانات التي دمرت بعض ولايات أمريكا ومنها مدينة (كاترينا) التي قتل فيها أكثر من عشرة آلاف شخص، ولا زالت الأعاصير المدمرة تهدد كثيراً من تلك الدول..

فينبغي تذكير الناس بقدرة الله -تعالى-، وتلاوة الآيات التي تبين عقوبة الله للعصاة والمجرمين، وأن الله يهلك الناس بسيئاتهم وظلمهم إذا لم يتوبوا منها، ولتكن في تلك المصائب التي حلت بالأمم دافعاً قوياً لكل مسلم إلى فعل الطاعات والإكثار منها، واجتناب المعاصي والحذر من عقوباتها..

وليكن ما أصاب تلك الأمم عبرة لنا، قبل أن يصبح العاصي والفاجر عبرة لغيره..

فنسأل الله أن يعيننا على تبليغ رسالاته، وأن يجزينا على ذلك الجنة، إنه هو العزيز الرحيم..

وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين..

 


 

1- رواه الإمام مالك بهذا اللفظ، ورواه البخاري ومسلم.

2- رواه البخاري ومسلم.