الثلاثة الذين لهم أجران

الحمد لله الغني الحميد، المبدئ المعيد، الفعال لما يريد، والصلاة والسلام على خير من دعا إلى التوحيد، وحذر من اتخاذ النديد؛ محمد بن عبد الله الهادي الرشيد، وعلى آله وصحبه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم المزيد.

أما بعد:

فإن فضل الله واسع، وكرمه عظيم، فهو يثيب المحسن ويؤجره على إحسانه أضعافاً كثيرة، وقد جاءت السنة ببيان أن هناك ثلاثة أصناف يؤتون أجرهم مرتين، كما في الحديث الآتي.

نص الحديث:

عن أبي موسى-رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (ثلاثة لهم أجران: رجل من أهل الكتاب آمن بنبيه وآمن بمحمد -صلى الله عليه وسلم-، والعبد المملوك إذا أدى حق الله وحق مواليه، ورجل كانت عنده أمة يطؤها فأدبها فأحسن أدبها وعلمها فأحسن تعليمها ثم أعتقها فتزوجها فله أجران)1.

مفردات الحديث:

قوله: (رجل من أهل الكتاب) أهل الكتاب أي التوراة أو الإنجيل. (مواليه) جمع مولى وهو السيد المالك للعبد أو المعتق له. (أمة) مملوكة. (يطؤها) متمكن من جماعها شرعا بملكه لها.

شرح الحديث:

من كرم الله -تبارك وتعالى- على عباده أن يثيب على العمل الصالح مرتين وثلاثاً وأكثر، وثوابه عظيم، ولا يعلم مقدار ما يكون من جزاء المحسنين إلا هو سبحانه وتعالى، ومن الذين يؤجرون مرتين هؤلاء الثلاثة:

الصنف الأول: رجل آمن بنبيه المبعوث إليه، وصدق برسالته، والتزم ما جاءت به شريعته، ثم جاء نبي آخر محمد أو غيره، ومعه كتاب آخر، القرآن أو غيره فآمن به، وقال: كل من عند ربنا: {لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ}، {سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ} سورة البقرة(285)، فذلك يؤجر مرتين، ويثاب على الإيمان بالنبيين، والتصديق بالكتابين؛ كعبد الله بن سلام، ومن على شاكلته من الذين عرفوا الحق واتبعوه، واستمعوا له وأطاعوه، راغبين فيما عند الله من الخير، ومصدقين بناموس الطبيعة، ونظام الخليقة الذي تقتضيه الحكمة الإلهية، وسنة النشوء والارتقاء، وإن الزمان يتطور بأهله أطواراً مختلفة، ويدور بهم دورات متباينة، فالإنسان الأول ما كان ليحتاج إلى الأحكام والأنظمة الاجتماعية، كما يحتاج إليها الإنسان الذي بعده.

وقد قال الله تعالى في من أسلم من أهل الكتاب: {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِن قَبْلِهِ هُم بِهِ يُؤْمِنُونَ * وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِن قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ * أُوْلَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَؤُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ} (52-54) سورة القصص. قال ابن كثير رحمه الله في تفسير هذه الآيات:

"يخبر تعالى عن العلماء الأولياء من أهل الكتاب أنهم يؤمنون بالقرآن كما قال تعالى: {الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوته أولئك يؤمنون به} وقال تعالى: {وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله وما أنزل إليكم وما أنزل إليهم خاشعين لله} وقال تعالى: {إن الذين أوتوا العلم من قبله إذا يتلى عليهم يخرون للأذقان سجداً * ويقولون سبحان ربنا إن كان وعد ربنا لمفعولاً} وقال تعالى: {ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا وأنهم لا يستكبرون * وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق يقولون ربنا آمنا فاكتبنا مع الشاهدين} قال سعيد بن جبير: نزلت في سبعين من القسيسين بعثهم النجاشي فلما قدموا على النبي صلى الله عليه وسلم قرأ عليهم {يس * والقرآن الحكيم} حتى ختمها، فجعلوا يبكون، وأسلموا، ونزلت فيهم هذه الآية الأخرى: {الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون * وإذا يتلى عليهم قالوا آمنا به إنه الحق من ربنا إنا كنا من قبله مسلمين} يعني من قبل هذا القرآن كنا مسلمين أي موحدين مخلصين لله مستجيبين له قال الله تعالى: {أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا} أي هؤلاء المتصفون بهذه الصفة الذين آمنوا بالكتاب الأول ثم الثاني ولهذا قال: {بما صبروا} أي على اتباع الحق فإن تَجشُّم مثل هذا شديد على النفوس، وقد ورد في الصحيح من حديث عامر الشعبي عن أبي بردة عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين : رجل من أهل الكتاب آمن بنبيه ثم آمن بي وعبد مملوك أدى حق الله وحق مواليه ورجل كانت له أمة فأدبها فأحسن تأديبها ثم أعتقها فتزوجه وروى الإمام أحمد عن القاسم بن أبي أمامة قال: إني لتحت راحلة رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الفتح فقال قولاً حسناً جميلاً وقال فيما قال: من أسلم من أهل الكتابين فله أجره مرتين، وله ما لنا وعليه وما علينا، ومن أسلم من المشركين فله أجره وله ما لنا وعليه ما علين2.3

 

الصنف الثاني: العبد المملوك الذي يؤدي حق الله، وحق مواليه؛ وفي الحديث عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (للعبد المملوك المصلح أجران)، والذي نفس أبي هريرة بيده لولا الجهاد في سبيل الله والحج، وبر أمي، لأحببت أن أموت وأنا مملوك4. وعن أبي موسى الأشعري -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (المملوك الذي يحسن عبادة ربه، ويؤدي إلى سيده الذي عليه من الحق والنصيحة والطاعة، له أجران)5.

الصنف الثالث: رجل كانت عنده أمة يطؤها فأدبها فأحسن أدبها، وعلمها فأحسن تعليمها ثم أعتقها فتزوجها، فتصبح ربة البيت، وسيدة العائلة بعدما كانت أمة ضعيفة يتحكم فيها الصغير والكبير، وتقهرها الرجال والنساء، وبعدما كان يقال لها: افعلي كذا واتركي كذا ياجارية، يصبح الأولاد يقولون يا أماه، وأهل البيت يقولون: هاتي وخذي ياسيدتي، وفي ذلك سماحة الإسلام، وتصديق ما يدعو إليه من المساواة، والقضاء على المفاخرة ما لا يخفى، وقد ضرب النبي –صلى الله عليه وسلم- لأمته المثل الأعلى بعتق صفية بنت حيي، واستيلاد مارية القبطية أم ولده إبراهيم.

والخلفاء وأهل الفضل من سلف الأمة كانوا يعتقون الإماء، ثم يتزوجون بهن، أو يستولدوهن فينجبن أمثال: محمد بن الحنفية، وأبي جعفر المنصور، والمأمون بن الرشيد، وما كانت قريش ترغب في أمهات الأولاد حتى رأوا منهن ثلاثة من عظماء الرجال وأبناء العظماء، وهم: علي بن الحسين بن علي، وسالم بن عبدالله بن عمر، والقاسم بن محمد بن أبي بكر-رضي الله عنهم-؛ ومثل من أعتق الأمة فتزوجها مثل الذي تكون عنده اليتيمة في حجره فيحسن تربيتها ويتزوجها ليسعدها بعد الشقاء، وليعزها بعد الذلة، لا طلباً في مالها، وحباً لجمالها، ولكن لغرض شريف، ومقصد حسن؛ وهذا هو الذي يثاب على فعله، وحسن نيته.

وكذلك الخادمة تكون في البيت وهي صغيرة، فتبلغ مبالغ النساء، وتصبح غير صالحة للخدمة، ولا يليق طردها من البيت، وإخراجها من الأسرة التي ألفتهم وألفوها، فيتزوجها أحدهم لسهولة أمرها، وقلة مهرها، ووفاء لها بسابق حقها، فأجره مضاعف، وعمله مشكور، إذا لم يكن باغياً ولا عادياً، ولا متعرضاً لفتنة، ولا خائفاً من تهمة، ولكنه لا يليق من بعض الرجال معاملة نسائهم الطيبات، وزوجاتهم الصالحات بمثل هذا؛ والضرة مبغوضة على كل حال، ولو حازت المال والجمال، وكانت من بنات الأقيال فكيف بها إذا كانت على خلاف ذلك تأكل من يد المرأة عيشها وملحها، وتعرف سرها وجهرها، ثم تكفأ ما في إنائها، وتحل محلها، فيتزوجها الرجل فيوغر بها صدر امرأته الأولى، ويستغني بها عنها فيطلقها.

ومن الأنذال من يعشق خدامته، ويحبها حباً شديداً، فيغازلها، ويداعبها، وربما أصابها ونال منها شيئاً، فيستحي ويخاف، ثم يستر زلته، ويمحوا إساءته بنكاحها، والتزوج بها، والخطب أعظم منه إن كانت حاملاً منه، وأيما امرأة أدخلت على قوم من ليس منهم فعليها لعنة الله، ولا بارك الله في الفاحش والمتفحش الذي يواقع الأجيرة، ومن في معناها، حتى إذا حملت منه، وسلبها العفاف والشرف، أخرجها مطرودة شقية تائهة بائسة، أو فاجرة بغية، والله المستعان: {يُرِيدُ اللّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ * وَاللّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَن تَمِيلُواْ مَيْلاً عَظِيمًا* يُرِيدُ اللّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفًا}6 سورة النساء (26 -28).

فوائد الحديث:

1.  فضل الله على عباده حيث يثيب العاملين أكثر ما يستحقون، فيثيب العامل مرة واحدة ومرتين، وثلاثة، وأكثر من ذلك، وما لا يعمل قدره إلا الله.

2.  عدالة الإسلام؛ حيث سوى في الأجر والثواب بين العبد ومالكه، إذا أدى كل واحد منهما ما أوجب الله عليه، وابتعد عما حرم الله عليه.

3.  وجوب الإيمان بمحمد -صلى الله عليه وسلم-، وبغيره من الأنبياء؛ فمن لم يؤمن بمحمد فليس من المؤمنين؛ بل هو من أهل النار؛ فعن أبي هريرة عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم أنه قال: (والذي نفسي محمد بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار)7.

4.     أهمية تأدية الحقوق إلى أهلها، وأولى الحقوق: حق الله، وحق رسوله، ثم حقوق المخلوقين، ومن ذلك حق المملوك لسيده.

والحمد لله أولاً وآخراً وظاهراً وباطناً، وصلى الله على نبينا ورسولنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.


 

1 رواه البخاري ومسلم.

2 رواه أحمد والطبراني في المعجم الكبير، وهو حديث صحيح كما ذكر الشيخ الأرناؤوط في التعليق على مسند أحمد.

3 تفسير ابن كثير المسمى (تفسير القرآن العظيم) (3/522).

4 متفق عليه.

5 رواه البخاري.

6  للمزيد يراجع: إصلاح المجتمع، صـ(310- 315). للبيحاني.

7 رواه مسلم.