حكم قيام الليل

الحمد لله، نحمده نستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادى له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله.

أما بعد:

اعلموا -رحمكم الله- أن الله قد شرع لعباده العبادات ونوّعها لهم ليأخذوا من كل نوع منها بنصيب، ولِئلا يملوا من عبادة معينة فيتركوا العمل بها، بل جعل منها فرائض لا يجوز النقص فيها ولا الإخلال، ومنها نوافل يحصل بها زيادة التقرب إلى الله تعالى..

فمن ذلك الصلاة، فقد فرض الله منها على عباده خمس صلوات في اليوم والليلة خمسا في الفعل وخمسين في الميزان.

وقد ندب الله إلى زيادة التطوع من الصلوات تكميلاً لهذه الفرائض، وزيادة في القربى إليه؛ فمن ذلك النوافل الرواتب التابعة للصلوات المفروضة: ركعتان قبل صلاة الفجر، وأربع ركعات قبل الظهر، وركعتان بعدها، وركعتان بعد المغرب، وركعتانِ بعد العشاءِ1.

ومن ذلك الصلاة في جوف الليل "قيام الليل"؛ فإنها أفضل صلاة على الإطلاق بعد المكتوبة؛ لما جاء في الحديث الذي أخرجه مسلم عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلّم- قال: (... وأفضل الصلاةِ بَعْد الفريضةِ صلاةُ الليل). أيها المسلمون: إن الله -تعالى- قد وفق بعض عباده إلى زيادة التقرب إليه بنوافل الطاعات والقربات، ومن ذلك التقرب إليه بقيام الليل، فحالهم كما قال القائل:

قومٌ إذا جنّ الظلام عليهم*** خمصُ البطونِ من التعفف ضمراً

باتوا هنالك سجّداً وقياماً*** لا يعرفون سوى الحلال طعاماً

قال ثابت البناني -رحمه الله-: "ما شيء أجده في قلبي ألذّ عندي من قيام الليل"2. وقال أبو سليمان الداراني -رحمه الله-: "لأهل الطاعة بليلهم ألذ من أهل اللهو بلهوهم ولولا الليل ما أحببت البقاء في الدنيا"3. فسبحان من تفضل على عباده بهذا النعيم قبل لقائه فحباهم من الخير والفضل ما فضلهم على كثير ممن خلق تفضيلاً فحازوا أسباب السعادة واستمسكوا بطريق النجاة فهذا فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم.

وقد أمر الله نبيه -صلى الله عليه وسلم- بقيام الليل؛ فقال تعالى: {وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا} سورة الإسراء(79). وقال الله له: {يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا} سورة المزمل (1-2).

فكان أكمل القائمين-صلى الله عليه وسلم-، فعن عائشة -رضي الله عنها- قالت: كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يقوم من الليل حتى تتفطر قدماه، فقلت له: لم تصنع هذا يا رسول الله، وقد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: (أفلا أكون عبدا شكورا!)4.

كان يقوم الليل بإحدى عشرة ركعة لا تسل عن حسنهن ولا عن طولهن؛ فعن عائشة -رضي الله عنها- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، كان يصلي إحدى عشرة ركعة -تعني في الليل- يسجد السجدة من ذلك قدر ما يقرأ أحدكم خمسين آية قبل أن يرفع رأسه، ويركع ركعتين قبل صلاة الفجر، ثم يضطجع على شقه الأيمن حتى يأتيه المنادي للصلاة5.

وعنها قالت: ما كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يزيد -في رمضان ولا في غيره- على إحدى عشرة ركعة: يصلي أربعاً فلا تسأل عن حسنهن وطولهن! ثم يصلي أربعاً فلا تسأل عن حسنهن وطولهن! ثم يصلي ثلاثاً. فقلت: يا رسول الله أتنام قبل أن توتر؟! فقال: (يا عائشة إن عيني تنامان ولا ينام قلبي)6.

ومما يدل على حسن صلاته وقيامه في الليل ما جاء في الحديث المتفق عليه عن ابن مسعود -رضي الله عنه- قال: صليت مع النبي -صلى الله عليه وسلم- ليلة، فلم يزل قائما حتى هممت بأمر سوء. قيل: ما هممت؟ قال: هممت أن أجلس وأدعه.

وعن حذيفة -رضي الله عنه- قال: صليت مع النبي- صلى الله عليه وسلم- ذات ليلة فافتتح البقرة، فقلت: يركع عند المائة، ثم مضى، فقلت: يصلي بها في ركعة، فمضى، فقلت: يركع بها، ثم افتتح النساء فقرأها، ثم افتتح آل عمران فقرأها، يقرأ مترسلاً، إذا مر بآية فيها تسبيح سبح، وإذا مر بسؤال سأل، وإذا مر بتعوذ تعوذ، ثم ركع، فجعل يقول: سبحان ربي العظيم، فكان ركوعه نحوا من قيامه، ثم قال: سمع الله لمن حمده، ربنا لك الحمد، ثم قام طويلا قريبا مما ركع، ثم سجد فقال: سبحان ربي الأعلى، فكان سجوده قريبا من قيامه7..

وقال ابن رواحة في وصف رسول الله -صلى الله عليه وسلم-:

وفينا رسول الله يتلو كتابه *** إذا انشق معروفٌ من الصبح ساطعُ

أرانا الهدى بعد العمى فقلوبنا *** به موقناتٌ أن ما قال واقع

يبيت يجافي جنبه عن فراشه *** إذا استثقلت بالمشركين المضاجع8

وقد امتدح الله في كتابه من يحيون الليل بالصلاة والركوع والسجود، فقال سبحانه في وصف عباد الرحمن: {وَالَّذِينَ يِبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً وَقِيَـماً} سورة الفرقان(46). وقال: {تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ} سورة السجدة(16). قال ابن كثير –رحمه الله-: "يعني بذلك قيام الليل وترك النوم والاضطجاع على الفرش الوطيئة"9.

وقال في وصف عمل أهل الجنة أنهم: {كَانُوا قَلِيلاً مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ} سورة الذاريات(17). قال الحسن: "كابدوا الليل، ومدّوا الصلاة إلى السحر، ثم جلسوا في الدعاء والاستكانة والاستغفار".

ولم يسوِّ الله بين من يبيت ساجداً وقائماً بين يديه وبين من يبيت على غير تلك الحال؛ قال تعالى: {أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاء اللَّيْلِ سَاجِداً وَقَائِماً يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ} سورة الزمر(9). أي هل يستوي من هذه صفته مع من نام ليله وضيّع نفسه، غير عالم بوعد ربه ولا بوعيده؟!.

عباد الله: ومن الصلاة التي تعد من قيام الليل: صلاة الوتر؛ فللمسلم أن يوتر بركعة مفردة؛ لما جاء في حديث أبي أيوب الأنصاري- رضي الله – وفيه أن النبي-صلى الله عليه وسلّم- قال: (من أحب أن يوتر بواحدة فليفعل)10.

وله أن يوتر بثلاث ركعات؛ لحديث أبي أيوب السابق، وفيه أن النبي -صلى الله عليه وسلّم- قال: (من أحب أن يوتر بثلاث فليفعل)11. فإن أحب سردها بسلام واحد؛ لما روى الطحاوي أن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- أوتر بثلاث ركعات لم يسلم إلا في آخرهِن.

وإنْ أحب صلَّى ركعتين وسلَّم ثم صلَّى الثالثة؛ لما روى البخاري عن عبدالله بن عمر -رضي الله عنهما- أنَّه كان يسلم بين الرَّكعتين والركعة في الوتر حتى كان يأمر ببعض حاجته.

وله أن يوتر بخمس فيسردها جميعاً لا يجلس ولا يسلم إلا في آخرهن؛ لقول النبي -صلى الله عليه وسلم-؛ كما في حديث أبي أيوب-رضي الله عنه-: (من أحب أن يوتر بخمس فليفعل)12. وعن عائشة -رضي الله عنها- قالت: "كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يصلِّي من الليل ثلاث عشرة ركعة يوتر من ذلك بخمس لا يجلس في شيء منهن إلا في آخرهن"13.

وله أن يوتر بسبع فيسردها كالخمس بسلام واحد؛ لقول أم سلمة-رضي الله عنها-: "كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يوتر بسبع وبخمس لا يفصل بينهن بسلام ولا كلام"14.

وله كذلك أن يوتر بتسع فيسردها لا يجلس إلا في الثامنة، فيقرأ التشهد ويدعو ثم يقوم ولا يسلم فيصلِّي التاسعة ويتشهد ويدعو ويسلِّم؛ لما جاء في حديث عائشة -رضي الله عنها- في صفة وتر رسول الله -صلى الله عليه وسلّم- قالت: "كان يصلِّي تسع ركعات لا يجلس فيها إلا في الثامنة فيذكر الله ويحمده ويدعوه ثم ينهض ولا يسلم ثم يقوم فيصلَّي التاسعة ثم يقعد فيذكر الله ويحمده ويدعوه ثم يسلِّم تسليماً يسمعنا"15.

والأولى والأكمل أن يصلي -المسلم والمسلمة- إحدى عشرة ركعة اقتداء بسنة رسول الله-صلى الله عليه وسلم-، فإن أحب سلَّم من كل ركعتين وأوتر بواحدة؛ لحديث عائشة -رضي الله عنها- قالت: "كان النبي-صلى الله عليه وسلّم- يصلي ما بين أن يفرغ من صلاة العشاء إلى الفجر إحدى عشرة ركعة يسلِّم بين كل ركعتين ويوتر بواحدة"16. وإن أحب صلى أربعاً ثم أربعاً ثم ثلاثاً؛ لحديث عائشة -رضي الله عنها- قالت: "كان النبي-صلى الله عليه وسلّم- يصلي أربعاً فلا تسأل عن حسنهن وطولهن ثم يصلي أربعاً فلا تسأل عن حسنهن وطولهن ثم يصلي ثلاثاً"17. وسرد الخمس والسبع والتسعِ إنما يكون إذا صلَّى وحده أو بجماعة محصورين اختاروا ذلك..

أما المساجد العامة فالأولى للإمام أن يسلِّم في كل ركعتين لئلا يشق على الناس، ويربك نياتهم، ولأنَّ ذلك أيسر لهم، وقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (أيكم أَمَّ الناس فليوجزْ فإن من ورائه الكبير والضعيف وذا الحاجة)؛ كما في البخاري ومسلم من حديث أبي مسعود الأنصاري. وفي رواية لمسلم من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-: (فإذا صلَّى وحده فليصلِّ كيف يشاء)؛ ولأنَّه لم ينقل أن النبي -صلى الله عليه وسلّم- أوتر بأصحابه بهذه الكيفية وإنَّما كان يفعل ذلك في صلاته وحده..

اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا، واغفر لنا ذنوبنا إنك غفور رحيم.

الخطبة الثانية:

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على إمام المتقين، وخير المتهجدين القائمين، محمد بن عبد الله الصادق الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وعلى التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد:

أيها المسلمون: إن وقت قيام الليل "الوتر" تبدأ من بعد صلاة العشاء، وتنتهي بآذان لصلاة الفجر، ولكن أفضل وقت لقيام الليل هو ثلث الليل الأخير؛ فعن جابر قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (من خاف أن لا يقوم آخر الليل فليوتر أوله، ومن طمع أن يقوم آخره فليوتر آخر الليل فإن صلاة آخر بالليل مشهودة وذلك أفضل)18. ولأن الثلث الأخير من الليل هو وقت النزول الإلهي؛ فعن أبي هريرة -رضي الله عنه-أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: (ينزل ربنا -تبارك وتعالى- كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر يقول: من يدعوني فأستجيب له؟ من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفر له؟)19.

عباد الله: ومن صلّى الوتر في أول الليل ثم قام في آخره وأحب أن يصلي فله ذلك، ولكنه لا يوتر، بل يصلي ركعتين: "مثنى مثنى"، لأنه لا وتران في ليلة، كما ثبت ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم.

وإذا نام المسلم عن وتره أو نسيه فله صلاته بعد طلوع الفجر، قبل صلاة الصبح؛ لما روي عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله -صلى  الله عليه وسلم-: (من نام عن وتره أو نسيه فليصله إذا ذكره)20. وإذا فاته الوتر حتى طلعت عليه الشمس، فقد ذهب بعض أهل العلم على أنه يقضيه شفعاً؛ لما روي عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: "كان رسول الله إذا غلبه النوم أو وجع عن قيام الليل صلَّى من النهار ثنتي عشرة ركعة"21..

وأما إذا ترك الوتر متعمداً حتى طلع الفجر فالحق أنه قد فاته، وليس له حق القضاء؛ لما تقدم في حديث أبي سعيد تقييدُ الأمر بالقضاء فيمن نام عن وتره أو نسيه، فدل مفهوم الخبر أن العامد بخلاف ذلك..

فينبغي -عباد الله- الحرص على إحياء هذه السنة؛ لما روي عن أبي أمامة الباهلي -رضي الله عنه- عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: (عليكم بقيام الليل فإنه دأب الصالحين قبلكم، وقربةٌ إلى ربكم، ومكفرةٌ للسيئات، ومنهاةٌ عن الإثم)22. وقال ابن الحاج -رحمه الله- : "وفي قيام الليل من الفوائد أنه يحط الذنوب كما يحط الريح العاصف الورق الجاف من الشجرة، وينور القبر، ويحسن الوجه، ويذهب الكسل، وينشط البدن، وترى الملائكة موضعه من السماء كما يتراءى الكوكب الدري لنا من السماء"23.

نسأل الله أن يمتعنا بلذة الوقوف بين يديه، والتلذذ بمناجاته. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.


 

1  انظر: مجالس شهر رمضان، صـ (28) لابن عثيمين.

2  صفة الصفوة (3/262) لابن الجوزي. الناشر: دار المعرفة – بيروت. الطبعة الثانية (1399هـ).

3  المصدر السابق (4/228).

4 متفق عليه.

5 رواه البخاري.

6 متفق عليه.

7 رواه مسلم.

8 البداية والنهاية(4/258). لابن كثير. الناشر : مكتبة المعارف – بيروت. وهذا الشعر نقله البخاري في صحيحه من حديث أبي هريرة.

9  تفسير القرآن العظيم (3/606)لابن كثير.

10 رواه أبو داود والنسائي، وقال العلامة الألباني: "صحيح"؛ كما في صحيح أبي داود، رقم(1260).

11 المصدر السابق، جزء من الرواية السابقة.

12 المصدر السابق، جزء من الرواية السابقة.

13 متفق عليه.

14 رواه أحمد والنسائي وابن ماجة.

15 رواه أحمد ومسلم.

16 الحديث رواه الجماعة إلا الترمذي.

17 متفق عليه. وراجع: هذه الكيفيات المختلفة لصفة قيام الليل والوتر في كتاب: "زاد المعاد في هدي خير العباد (1/317) لابن القيم. الناشر: مؤسسة الرسالة - مكتبة المنار الإسلامية - بيروت – الكويت. الطبعة الرابعة عشر ، 1407) تحقيق : شعيب الأرناؤوط - عبد القادر الأرناؤوط. وراجع كذلك : "مجالس شهر رمضان" (29- 30) للعلامة ابن عثمين.

18 رواه مسلم.

19 رواه البخاري ومسلم.

20 رواه أبو داود، وصححه الألباني في صحيح أبي داود، رقم (1268). وفي صحيح الجامع، رقم (6562).

21 رواه مسلم.

22 رواه الترمذي في كتاب الدعاء من جامعه، وابن أبي الدنيا في كتاب التهجد، وابن خزيمة في صحيحه، والحاكم، وقال الحاكم: "صحيح على شرط البخاري" وقال الألباني: "حسن لغيره"كما في صحيح الترغيب والترهيب، رقم (624).

23 فيض القدير(4/351). الناشر: المكتبة التجارية الكبرى – مصر. الطبعة الأولى (1356هـ).