إدارة المسجد / التحفيظ

دورة في التجويد

 

الحمد لله الداعي إلى بابه، الموفق من شاء لصوابه، أنعم بإنزال كتابه، يشتمل على مُحْكَم ومتشابه، فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه، وأما الراسخون في العلم فيقولون آمنا به، أحمده على الهدى وتيسير أسبابه، والصلاة والسلام على عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن كان أولى به، وسلم تسليماً كثيراً.

يقول الله تبارك وتعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ * لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ}[فاطر: 39-40].

وتلاوة كتاب الله على نوعين: تلاوة حُكْميَّة وهي تصديق أخباره وتنفيذ أحكامه بفعل أوامره واجتناب نواهيه, وتلاوة لفظية وهي قراءته, وقد جاءت النصوص الكثيرة في فضل قراءته إما في جميع القرآن، وإما في سور أو آيات معينة منه.

أن من العلم النافع المتصل بقراءة القرآن تعليم الناس تجويد وترتيل القرآن حتى ينشأ جيل ماهر بالقرآن, يقرؤه قراءة صحيحة مستقيمة, ففي ذلك خير عظيم وإزاحة لجهل كثير من الناس, عن عثمان بن عفان رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ))1. وبتعلم القرآن تلاوة وحفظاً وتجويداً ينشأ حفاظ للقرآن مهرة به، وفي هذا فضل ومنة من الله، فعن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((الْمَاهِرُ بِالْقُرْآنِ مَعَ السَّفَرَةِ الْكِرَامِ الْبَرَرَةِ، وَالَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَيَتَتَعْتَعُ فِيهِ وَهُوَ عَلَيْهِ شَاقٌّ لَهُ أَجْرَانِ))2.

وعن أبي أمامة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((اقرءوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعاً لأصحابه))3. وهذا يدخل في جملة الفضائل المترتبة على حفظ القرآن وحسن تجويده.

وعن عقبة بن عامر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((أفلا يغدو أحدكم إلى المسجد فيتعلم أو فيقرأ آيتين من كتاب الله عز وجل خير له من ناقتين، وثلاث خير له من ثلاث، وأربع خير له من أربع، ومن أعدادهن من الإبل))4.

والجلوس في المسجد لتعلم القرآن وما يتصل به من التجويد ونحوه فيه فضل عظيم؛ لأن ذلك من الاجتماع على كتاب الله الذي مدح الله الذين يتصفون بذلك، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده))5. وهذا من تعاهد كتاب الله الذي حض عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث أن المتعلم للتجويد يجد سهولة ويسر في قراءة القرآن وحفظه مما يعينه على حفظه وإتقانه وتعاهد قراءته من المصحف وغيباً ولا يكون من الذين ينسونه سريعاً, قال صلى الله عليه وسلم: ((تعاهدوا القرآن فوالذي نفسي بيده لهو أشد تَفَلُّتًا من الإبل في عُقُلها))6.

وترجع أهمية إقامة مثل هذه الدورات لأن كثير من الناس يقع في أخطاء عند قراءة القرآن الكريم، حتى من بعض الحفاظ، وكثير من المنتسبين إلى حلقة التحفيظ في المساجد، وكذلك عموم الناس الكبار والصغار هم في أشد الحاجة إلى تعلم التجويد.

فمن المستحسن -والأمر كذلك- أن يعد القائمون على المسجد دورة في تعلم أحكام التجويد نظراً وتطبيقاً، ولا يقتصر الأمر على التعلم النظري المعتمد على تدريس الأحكام وحسب، بل لا بد من أخذ تطبيقات لكثير من الأحكام المأخوذة أثناء الدورة، ومعلوم أن دراسة التجويد نظرياً دون التطبيق إنما هو نوع من إتعاب النفس بلا فائدة؛ لأنه بانتهاء الدورة ينتهي كل ما أخذه المعنيون بها، وكأنهم لم يأخذوا شيئاً.

ومن الممكن أن تحديد وقت الدورة، والمكان المناسب لأخذها، والمدرسين، والمستهدفين، ووقتها في اليوم.

اللهم يسر لنا طرق الخير واحجب عنا طرق الشر، يا ذا الجلال والإكرام.


1 رواه البخاري (4639).

2 رواه البخاري (4556) ومسلم (1329).

3 رواه مسلم (1337).

4 رواه مسلم (1336).

5 رواه مسلم (4867).

6 رواه البخاري (4645).