دروس / عامة

العمل الجاد المثمر

 

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أما بعد:

فإن الناظر والمتأمل في حال الأمة الإسلامية منذُ فجر الإسلام إلى عصرنا الحاضر لَيرى في تاريخها سِجلاً حافلاً بالانتصارات، كما أنه يرى في أثناء ذلك التاريخ وطياته كبوات وصفعات مُنيت بها الأمة الإسلامية كادت أن تأتي فيها على الأخضر واليابس، كما حصل لها في سقوط بغداد على يدي التتار؛ كل ذلك يحصل لها عندما تبتعد عن منهج ربها وخالقها، عندئذ تحتاج إلى من يردها إلى الصراط المستقيم، سواء عن طريق المصلحين والدعاة والمجددين، أو عن طريق الأعداء الذين لا يرقبون فيها إلاً ولا ذمة، ولكنهم يقدّمون لها معروفاً عندما يُجبرونها بصفعاتهم الموجعة وضرباتهم المؤلمة على مراجعة وضعها وحساباتها لتبدأ في التغيير، وهذه سنّة ربانية، كما قال تعالى: {إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ} (11) سورة الرعد.

والأمة الإسلامية لديها منهج واضح في كيفية التعامل مع الأحداث، سواء كانت انتصارات أو ضربات وصفعات، فإن كانت الأولى؛ فهو الشكر والخضوع للمنعم المتفضل عليها، وهو الله -سبحانه وتعالى- الذي نصرها على عدوّها من غير حول منها ولا قوة، قال تعالى: {وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ اللّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ} (126) سورة آل عمران، وقال تعالى: {إِن يَنصُرْكُمُ اللّهُ فَلاَ غَالِبَ لَكُمْ وَإِن يَخْذُلْكُمْ فَمَن ذَا الَّذِي يَنصُرُكُم مِّن بَعْدِهِ وَعَلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكِّلِ الْمُؤْمِنُونَ} (160) سورة آل عمران، وكما فعل -صلى الله عليه وسلم- عندما دخل مكة فاتحاً، فإنه دخلها خاشعاً شاكراً، يقرأ سورة الفتح، يقول عبد الله بن مغفل -رضي الله عنه-: "رأيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يوم فتح مكة على ناقته وهو يقرأ سورة الفتح يُرجِّعُ"1.

وإن كانت الأخرى فالثبات على المنهج، والالتزام به، والدعوة إليه، وعدم تغييره ولا تبديله، وخاصة ما يتعلق بالقضايا العقدية كالولاء والبراء، وما يتعلق بخصائص هذه الأمة الإسلامية، ومن أوليات ذلك مناهجها التعليمية، فالتمسك بالإسلام والإيمان هو النصر الحقيقي؛ إذ ليس بالضرورة أن يكون النصر دائماً نصراً عسكرياً، قال تعالى مخاطباً رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وصحابته الكرام بعد غزوة أحد التي هُزم فيها المسلمون: {وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} (139) سورة آل عمران، وقال تعالى: {فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَن يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ} (35) سورة محمد.

هذا من جهة، ومن جهة أخرى -وهي بيت القصيد- أننا نرى كثيراً من المسلمين عندما تُصاب أمتهم الإسلامية بنكبة أو هزيمة أو ما شابه ذلك؛ يُصاب بعضهم بنوع من اليأس والإحباط والخمول، ويصبحون يرددون فصول تلك الهزيمة وأحداثها المريرة؛ معرضين عن العمل الجاد المثمر الذي يُساهم في إخراج الأمة من أزمتها ونكبتها وهزيمتها، كما أن منهم من يكون مهيئاً لتلقف أي مذهب أو فكرة منحرفة يشعر أنها سوف تخرجه من الأزمة أو مرارة الحدث.

والمتأمل في سيرة المصطفى -صلى الله عليه وسلم- يرى كيف تعامل مع مثل هذه الأحداث، وكيف كان ينقل أصحابه -رضي الله تعالى عنهم- من وضع الشدة والكرب إلى وضع الفتح والنصر، وعلى ذلك أمثلة كثيرة من سيرته -صلى الله عليه وسلم- منها:

أولاً: عن خباب بن الأرت -رضي الله عنه- قال: شكونا إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهو متوسد بردة له في ظل الكعبة، قلنا له: ألا تستنصر لنا؟ ألا تدعو الله لنا؟ قال: (كَانَ الرَّجُلُ فِيمَنْ قَبْلَكُمْ يُحْفَرُ لَهُ فِي الْأَرْضِ فَيُجْعَلُ فِيهِ، فَيُجَاءُ بِالْمِنْشَارِ فَيُوضَعُ عَلَى رَأْسِهِ فَيُشَقُّ بِاثْنَتَيْنِ وَمَا يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ، وَيُمْشَطُ بِأَمْشَاطِ الْحَدِيدِ مَا دُونَ لَحْمِهِ مِنْ عَظْمٍ أَوْ عَصَبٍ وَمَا يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ، وَاللَّهِ لَيُتِمَّنَّ هَذَا الْأَمْرَ حَتَّى يَسِيرَ الرَّاكِبُ مِنْ صَنْعَاءَ إِلَى حَضْرَمَوْتَ لَا يَخَافُ إِلَّا اللَّهَ، أَوْ الذِّئْبَ عَلَى غَنَمِهِ، وَلَكِنَّكُمْ تَسْتَعْجِلُونَ)2. وفي رواية عند البخاري أيضاً: عنه -رضي الله عنه - قال: "أتيت النبي -صلى الله عليه وسلم- وهو متوسد بردةً، وهو في ظل الكعبة، وقد لقينا مِنَ المشركين شِدةً فقلت: يا رسول الله، ألا تدعو الله لنا؟ فقعد وهو محمر وجهه، فقال: (لَقَدْ كَانَ مَنْ قَبْلَكُمْ لَيُمْشَطُ بِمِشَاطِ الْحَدِيدِ مَا دُونَ عِظَامِهِ مِنْ لَحْمٍ أَوْ عَصَبٍ مَا يَصْرِفُهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ، وَيُوضَعُ الْمِنْشَارُ عَلَى مَفْرِقِ رَأْسِهِ فَيُشَقُّ بِاثْنَيْنِ مَا يَصْرِفُهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ، وَلَيُتِمَّنَّ اللَّهُ هَذَا الْأَمْرَ حَتَّى يَسِيرَ الرَّاكِبُ مِنْ صَنْعَاءَ إِلَى حَضْرَمَوْتَ مَا يَخَافُ إِلَّا اللَّهَ) زَادَ بَيَانٌ –رجل من رجال السند- (وَالذِّئْبَ عَلَى غَنَمِهِ)3.

ولنا مع هذا الحديث وقفات:

أ- خباب -رضي الله عنه- لم يطلب من النبي -صلى الله عليه وسلم- أمراً محرماً ولا مستحيلاً، بل طلب دعاءً واستنصاراً جرَّاء ما يلاقيه هو وبعض الصحابة -رضي الله تعالى عنهم- من أذى كفار قريش، ومع هذا نرى أن النبي -صلى الله عليه وسلم- يغضب ويحمر وجهه، فلماذا غضب النبي صلى الله عليه وسلم؟

الذي يظهر ، والله تعالى أعلم، أن غضبه -صلى الله عليه وسلم- كان بسبب ما لَمسه من نوع استعجال من خباب ومن معه -رضي الله تعالى عنهم- لنصر الله تعالى أولاً؛ بدلالة قوله في آخر الحديث: (ولكنكم تستعجلون)، ومن الاعتماد على الخوارق التي تحصل بدعاء النبي -صلى الله عليه وسلم- ونحو ذلك ثانياً.

ب- نلاحظ أن النبي -صلى الله عليه وسلم- نقل خباب ومن معه -رضي الله تعالى عنهم- من الوضع الذي يعيشونه تحت التعذيب والاضطهاد إلى وضع لا يُعد شيئاً بالنسبة لما يلاقونه، حيث إن الواحد ممن كان قبلنا يُمشط بأمشاط الحديد ما بين لحمه وعظمه لا يرده ذلك عن دينه، ويوضع في حفرة ثم يُنشر بالمنشار لا يرده ذلك عن دينه.

وينقله نقلة أخرى، وهي انتصار هذا الدين، حتى يسير الراكب من صنعاءَ إلى حضرموت وبينهما مسافة بعيدة لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه؛ ولكن الأمر يحتاج إلى صبر وعمل جاد، ولا شك أن طريق النصر والتمكين ليس مفروشاً بالورود والرياحين.

ج- هَبْ أن النبي -صلى الله عليه وسلم- دعا على كفار قريش فهلكوا، وجاء النصر سهلاً يسيراً لم يُبذل في الوصول إليه ما يستحقه ذلك النصر والتمكين، فإنه سرعان ما يزول ويذهب، وحري بنصر يأتي بهذه السهولة واليسر وبخرق العادة أن لا يُقدَّر حق قدره، ولا يُحافظ عليه.

ولك أخي الكريم أن تتأمل قصة بني إسرائيل وما حققه الله تعالى لهم من نصر عظيم، وهو هلاك ذلك الطاغية الذي كان يسومهم سوء العذاب، كما قال تعالى: {إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ} (4) سورة القصص، ففلق الله تعالى لهم البحر كالطود العظيم: {فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ} (63) سورة الشعراء، ونجى الله تعالى موسى ومن آمن معه، وجعل لهم في البحر طريقاً يبساً، يمشون عليه لا يخافون من أحد يتبعهم: {وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لَّا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَى} (77) سورة طـه، وبعد أن خرجوا سالمين ناجين أهلك الله تعالى فرعون وجنوده وهم ينظرون: {وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنتُ أَنَّهُ لا إِلِهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَاْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ} (90) سورة يونس.

وبعد هذه المعجزة العظيمة، وهذا النصر المبين، وقبل أن تجف أرجلهم من ماء البحر الذي كان طريقاً لنجاتهم، ومقبرة لعدوهم، قالوا لموسى -عليه الصلاة والسلام- نبيهم: اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة، {وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَآئِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْاْ عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَّهُمْ قَالُواْ يَا مُوسَى اجْعَل لَّنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ} (138) سورة الأعراف، فانظر إلى عدم تقديرهم لذلك النصر العظيم، حتى طلبوا أن يأذن لهم موسى -عليه الصلاة والسلام- بالشرك!!

ثانياً: خرج النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى أهل الطائف ليبلغ دين الله تعالى، وعندما وصل إليهم قابلوه برفض الدعوة وأغروا به سفهاءهم، فأخذوا يرجمونه بالحجارة حتى خرج مهموماً مغموماً، ولم يستفق -صلى الله عليه وسلم- إلا وهو بقرن الثعالب، فقد سألته عائشة -رضي الله عنها-: "هل أتى عليك يوم كان أشد من يوم أحد؟ قال: (لَقَدْ لَقِيتُ مِنْ قَوْمِكِ مَا لَقِيتُ، وَكَانَ أَشَدَّ مَا لَقِيتُ مِنْهُمْ يَوْمَ الْعَقَبَةِ، إِذْ عَرَضْتُ نَفْسِي عَلَى ابْنِ عَبْدِ يَالِيلَ بْنِ عَبْدِ كُلَالٍ، فَلَمْ يُجِبْنِي إِلَى مَا أَرَدْتُ، فَانْطَلَقْتُ وَأَنَا مَهْمُومٌ عَلَى وَجْهِي، فَلَمْ أَسْتَفِقْ إِلَّا وَأَنَا بِقَرْنِ الثَّعَالِبِ، فَرَفَعْتُ رَأْسِي، فَإِذَا أَنَا بِسَحَابَةٍ قَدْ أَظَلَّتْنِي، فَنَظَرْتُ فَإِذَا فِيهَا جِبْرِيلُ، فَنَادَانِي فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ قَدْ سَمِعَ قَوْلَ قَوْمِكَ لَكَ وَمَا رَدُّوا عَلَيْكَ، وَقَدْ بَعَثَ إِلَيْكَ مَلَكَ الْجِبَالِ لِتَأْمُرَهُ بِمَا شِئْتَ فِيهِمْ، فَنَادَانِي مَلَكُ الْجِبَالِ فَسَلَّمَ عَلَيَّ ثُمَّ قَالَ: يَا مُحَمَّدُ، فَقَالَ: ذَلِكَ فِيمَا شِئْتَ إِنْ شِئْتَ أَنْ أُطْبِقَ عَلَيْهِمْ الْأَخْشَبَيْنِ، فَقَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (بَلْ أَرْجُو أَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ مِنْ أَصْلَابِهِمْ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ وَحْدَهُ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا)4.

فلو أن النبي -صلى الله عليه وسلم- عاش أسيراً لتلك اللحظة، واستغرق فيها؛ لطلب من مَلك الجبال وهو بين يديه أن يطبق عليهم الأخشبين، ولكنه -صلى الله عليه وسلم- ضرب لنا بهذا أروع الأمثلة في الصبر والتفاؤل، وحذرنا من اليأس، وفتح لنا أملاً مشرقاً، وصدق الشاعر عندما قال: 5.

أعلِّل النفـس بالآمال أرقبها

 

 

ما أضيق العيش لولا فسحة الأمل

 

إذن ما الطريقة الصحيحة أو ما العمل الذي به يواجه المسلم حياته بسهلها وصعبها، بانتصاراتها وهزائمها، وكيف يعيش حياته كريماً معززاً، وما هي الصفات التي إذا قام بها كان جاداً في عمله مثمراً حاصداً للخير بها؟

من تلك الصفات التي ينبغي للمسلم التخلق بها:

أولاً: الهمة العالية، والعزيمة الشامخة التي لا تهين عند الأزمات، ولا تشيخ مع مرور الزمن.

ثانياً: تحديد الهدف الأسمى، والغاية العظمى التي يسعى إليها، مع وضوح ذلك الهدف وسمو تلك الغاية. ثالثاً: التربية الجادة الشاملة، التي تجمع بين القول والعمل، والأخذ والعطاء، والقدوة والاقتداء.

رابعاً: قوة الإيمان، ورسوخ القناعة بالأهداف والغايات، قناعة لا تزعزعها الأزمات، ولا تؤثر فيها بُنَيَّات الطريق.

خامساً: حسن التعامل مع الوسائل، والواقعية والتدرج في تحقيق الأهداف، وسرعة الحركة عند مواجهة الأزمات، مع قدرة فائقة في الالتفاف عليها وإخضاعها لتحقيق الغايات، لتكون قوة دافعة لا عقبة مانعة.

سادساً: التجرد والإخلاص، وإنكار الذات والتخلي عن شهوات الدنيا، وحظوظ النفس، وبهذا يكون القائد رابحاً على أي حال وفي أي وضع كان، في سرَّائه وضرَّائه، يُسره وعُسره، غناه وفقره، ليله ونهاره، وتبعاً لذلك يكون منشرح الصدر، ظاهر التفاؤل، لا يدب اليأس إلى قلبه ولا التشاؤم والقنوط إلى نفسه، يرى بنور الله، ويسير في هداه.

سابعاً: سلامة المنهج، واستقامة الطريق، وتحرير الأهداف من محدثات الأمور، ونقاء الوسائل من البدع ومسالك التأول والترخُّص بلا دليل.

ثامناً: القدوة والأسوة، في القول والعمل، في النية والاعتقاد، في المظهر والمخبر، في اليقظة والمنام، في السلوك والممارسة، تواضع بلا ذلة، وعزة بلا تكبر، وكرم دون إسراف، واقتصاد دون تقتير، توسط في الأمور كلها، دون الغالي وفوق الجافي؛ فكلا طرفي قصد الأمور ذميم.

تاسعاً: وقبل ذلك وبعده هو بشر، يخطئ ويتوب، ويذنب ويستغفر، ويجنح ويعود، يعثر فينهض، ويسقط فيقوم، ليس بالمعصوم ولا بالمذموم، تضيع هضاب سيئاته بين جبال حسناته، وتغوص في بحور شمائله ومناقبه عثراتُه.

عاشراً: وأخيراً هو واحد في عصبة، وعصبة في واحد، الشورى منهجه، والعزم والجد ديدنه، لا يتراجع تراجع الضعفاء والمهزومين، ولا يمضي مضي المعاند بعد أن يستبين، ولا يتردد تردد الجبناء والموسوسين، شعاره قول الله: {وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ} (159) سورة آل عمران.

وبعد: فهنيئاً لأولئك الرجال الذين كان شعارهم: {سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ} (21) سورة الحديد. إلى أولئك الذين ضربوا في كل غنيمة بسهم، وظلوا على ذلك حتى لقوا وجه ربهم؛ فلعلهم فازوا بالوعد الإلهي: {يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ* ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً* فَادْخُلِي فِي عِبَادِي* وَادْخُلِي جَنَّتِي} (27-30) سورة الفجر.

اللهم أحينا مسلمين، وتوفنا ثابتين غير مغيِّرين ولا مبدِّلين، من الذين أثنيت عليهم واصطفيتهم، فقلت: {مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا} (23) سورة الأحزاب، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين6.


1 رواه البخاري (4031).

2 رواه البخاري (3416).

3  صحيح البخاري (3639).

4 رواه البخاري (3059) ومسلم (1795).

5 جزء من مقال في مجلة البيان العدد 198 ص 30 صفر 1425هـ.

6  من مجلة البيان العدد 200 ص 126 ربيع الآخر 1425هـ.