الآذان والمؤذن

التوشيح قبل الأذان

 

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده وعلى آله وصحبه أجمعين أما بعد:

قال الله تعالى: {اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً}1، فالله - سبحانه وتعالى - قد أكمل الدين، وأرسل لنا محمد - صلى الله عليه وسلم - وضح لنا الدين وبينه، وقال - صلى الله عليه وسلم -: ((من أحدث في أمرنا هذا ما ليس فيه فهو رد))2.

لكن مع الأسف نرى في زمننا هذا كثيراً من البدع التي لم تكن موجودة في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم -، ومن هذه البدع ما يسمى بالتوشيح قبل الفجر والتي لم تكن موجودة في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم -، ولا في زمن الصحابة والتابعين، وقد تكلم العلماء عن هذه المسألة وهذا بعض كلامهم:

قال صاحب الإقناع: ((التأذين قبل الفجر من التسبيح والنشيد، ورفع الصوت بالدعاء، ونحو ذلك في الأذان فليس بمسنون، وما أحد من العلماء قال: أنه يستحب، بل هو من جملة البدع المكروهة، فليس لأحد أن يأمر به، ولا ينكر على من تركه، ولا يعلق استحقاق الرزق به، ولا يلزم فعله ولو شرطه واقف، وقال ابن الجوزي في كتاب تلبيس إبليس: قد رأيت من يقوم بالليل كثيراً على المنارة فيعظ ويذكر، ويقرأ سورة من القرآن بصوت مرتفع، فيمنع الناس من نومهم، ويخلط على المتهجدين قراءتهم، وكل ذلك من المنكرات3، وقال صاحب كشاف القناع عن متن الإقناع: "وَمَا سِوَى التَّأْذِينِ قَبْلَ الْفَجْرِ وَيَوْمَ الْجُمُعَةِ مِنْ التَّسْبِيحِ وَالنَّشِيدِ، وَرَفْعِ الصَّوْتِ بِالدُّعَاءِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ فِي الْمَآذِنِ أَوْ غَيْرِهَا؛ فَلَيْسَ بِمَسْنُونٍ، وَمَا أَحَدٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ قَالَ: إَنَّهُ يُسْتَحَبُّ، بَلْ هُوَ مِنْ جُمْلَةِ الْبِدَعِ الْمَكْرُوهَةِ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي عَهْدِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَا عَهْدِ أَصْحَابِهِ، وَلَيْسَ لَهُ أَصْلٌ فِيمَا كَانَ عَلَى عَهْدِهِمْ يُرَدُّ إلَيْهِ، فَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَأْمُرَ بِهِ، وَلَا يُنْكِرَ عَلَى مَنْ تَرَكَهُ، وَلَا يُعَلِّقَ اسْتِحْقَاقَ الرِّزْقِ بِهِ لِأَنَّهُ إعَانَةٌ عَلَى بِدْعَةٍ، وَلَا يَلْزَمُ فِعْلُهُ وَلَوْ شَرَطَهُ وَاقِفٌ  لِمُخَالَفَتِهِ4.

فالثابت عن النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - قبل دخول الفجر هو الأذان الأول، وقد استحسن المتأخرون التسبيح بدلاً من الأذان الثاني خوفاً من التباس الأذان الأول بالثاني؛ وليس له أصل في الشريعة.

والله أعلم.


 

1- المائدة.

2- صحيح البخاري (ج2/ص959).

3- الإقناع في فقه الإمام أحمد بن حنبل (ج1/ص80).

4- كشاف القناع عن متن الإقناع (ج2/ص167).