ماذا بعد الحج

ماذا بعد الحج

 الخطبة الأولى:

إن الحمد لله نحمده ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمد عبده ورسوله وصفيه من خلقه وخليله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد:

عباد الله:

ما أسرع مُضيِّ الأيام، وانقضاء الساعات والأعوام، قبل  أيام يسيرة كنا نعد الأيام والليالي، ونحسب الدقائق والثواني، نترقب قدوم شهر ذي الحجة، يترقبه الحجاج وينتظروه بفارغ الصبر من أجل أن يؤدوا فريضة الحج، بل ويترقبه المسلمون في كل مكان؛ ليعمروه بطاعة الله -عز وجل-، يترقبون أعظم أيام الدنيا، يوم عرفة أو النحر. يريدون فيه القرب من الكريم الرحمن، ويريدون مغفرة الذنوب والعتق من النيران. فجاءت أيام الحج فقضى الحجاج عبادة من أعظم العبادات، وقربة من أعظم القربات، تجردوا لله من المخيط عند الميقات، وهلت دموع التوبة في صعيد عرفات على الوجنات، خجلاً من الهفوات والعثرات، وضجت بالافتقار إلى الله كل الأصوات بجميع اللغات، وازدلفت الأرواح إلى مزدلفة للبيات، وزحفت الجموع بعد ذلك إلى رمي الجمرات، والطواف بالكعبة المشرفة، والسعي بين الصفا والمروة، في رحلة من أروع الرحلات، وسياحة من أجمل السياحات، عاد الحجاج بعد ذلك فرحين بما آتاهم الله من فضله، (قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مّمَّا يَجْمَعُونَ) يونس: 58، خير من الدنيا وأعراضها وأغراضها التي ما هي إلا طيف خيال، مصيره الزوال والارتحال، فهنيئًا للحجاج حجُهم، وللعُبَّاد عبادتهم واجتهادهم، وهنيئًا لهم قول الرسول فيما يرويه عن ربه -عز وجل-: (إذا تقرب العبد إليَّ شبرًا تقربت إليه ذراعًا، وإذا تقرب مني ذراعًا تقربت منه باعًا، وإذا أتاني مشيًا أتيته هرولة)1

أيها المسلمون: لقد علمنا أن الحج من أفضل الأعمال فعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: سئل رسول الله: أي العمل أفضل؟ قال: ((إيمان بالله ورسوله))، قيل: ثم ماذا؟ قال: ((الجهاد في سبيل الله))، قيل: ثم ماذا؟ قال: ((حج مبرور)) رواه البخاري ومسلم.

وفي الحديث الآخر عن عائشة قالت: قلت يا رسول الله: نرى الجهاد أفضل العمل أفلا نجاهد؟ قال: (لكن أفضل من الجهاد: حج مبرور). رواه البخاري ومسلم.

فهل يا ترى كان حجنا مبروراً؟ وما هو الحج المبرور الذي قال فيه رسول الله: (الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة). رواه البخاري ومسلم.

لقد بينه بقوله: (من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه). رواه البخاري ومسلم.

أيها المسلمون: ما أجمل أن يعود الحاج بعد حجه إلى أهله ووطنه بالخلق الأكمل، والعقل الأرزن، والوقار الأرصن، والشيم المرضية، والسجايا الكريمة، ما أجمل أن يعود الحاج حسن المعاملة لقُِعَّاده، كريم المعاشرة لأولاده، طاهر الفؤاد، ناهجًا منهج الحق والعدل والسداد، المضمر منه خير من المظهر، والخافي أجمل من البادي، وإن من يعود بعد الحج بتلك الصفات الجميلة هو حقًا من استفاد من الحج وأسراره ودروسه وآثاره.

إنه يربي تحقيق التقوى، فالغاية من الحج تحقيق التقوى، ولذا نجد ارتباط التقوى بالحج في آيات الحج بشكل واضح جلي قال الله –تعالى-: (وأتموا الحج والعمرة لله) البقرة 196). إنه يؤصل قضية التوحيد في النفوس، فالحج يرتكز على تجديد النية لله، وإرادته بالعمل دون سواه، ويتضح ذلك في الشعار الواضح الصريح: (لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك).

إنه كذلك يربي المسلم على تذكر الآخرة، وتذكر الخلائق في عرصات يوم القيامة فيجعله زاهداً في هذه الدنيا، مقبلاً على الدار الأخرى.

فهل يا ترى استفاد الحجاج من حجهم؟ هل تأملوا هذه المعاني وهذه الدروس وهذه الحكم والأسرار البليغة في هذه العبادة؟.

إن للحج المبرور أمارة ولقبوله منارة. سئل الحسن البصري -رحمه الله تعالى-: ما الحج المبرور؟ فقال: أن تعود زاهدًا في الدنيا، راغبًا في الآخرة.

إن من عاد إلى بلاده بعد أدائه الحج، وقد تغير حاله، واستقامت نفسه على عبادة الله وحسنت أخلاقه مع عباد الله لهو الفائز حقاً. نعم هو الذي استفاد من حجه.

أين حج من حج ثم عاد بعد حجه فيأتي المشعوذين والسحرة، ويصدق أصحاب الأبراج والتنجيم وأهل الطيرة؟! ويتبرك بالأشجار، ويتمسح بالأحجار، ويعلق التمائم والحروز؟!

أين أثر الحج فيمن عاد بعد حجه مضيعًا للصلاة، مانعًا للزكاة، آكلاً للربا والرشا، متعاطيًا للمخدرات والمسكرات، قاطعًا للأرحام والغًا في الآثام والموبقات؟!

من لبى نداء الله في الحج كيف يلبي بعد ذلك لدعوة أو مبدأ أو مذهب أو نداء يناهض دين الله الذي لا يقبل من أحد دين سواه؟!

من لبى لله في الحج كيف يتحاكم بعد ذلك إلى غير شريعته، أو ينقاد لغير حكمه، أو يرضى بغير رسالته؟!

أيها المسلمون:

إن من علامة قبول العمل عند الله، أن يوفق العبد لعمل خيرٍ آخر، فالحسنة تجر الحسنة والسيئة تجر السيئة، إلا فمن أراد أن يعرف هل قبل الله منه أولاً فليرَ نفسه كيف هو بعد الحج؟ هل زاد إيمانه ويقينه؟ هل زادت صلته بالله؟ هل رق قلبه وخشع لذكر الله، هل ذرفت عيونه بكاء من خشية الله؟

هل ازداد محافظة على إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة؟ هل ازداد تعلقه بالقرآن وبذكر الله، هل زادت همته في الدعوة إلى الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. هل ابتعد من الحرام، هل ترك الربا والزنا والمحرمات، هل كف عن استماع الأغاني والملهيات، هل ترك النظر إلى المحرمات، هل وهل..؟.

هل فتح صفحة جديدة مع الله، وتاب من جميع الآثام والذنوب وأصبح ذلك الرجل على طاعة الله الدؤوب؟.

(إن الحاج إذا حج ولم يرفث ولم يفسق عاد كيوم ولدته أمه)؛ كما قال -عليه الصلاة والسلام-، فهل سمع وفهم الحجاج هذا الحديث؟!. أيها الحاج:- يا من أذرفت الدموع في عرفات، يا من أنفقت مالك ووقتك طلباً للجنة والرحمات، حافظ على حجك وعملك، ولا تجعله يذهب سدى، ولا تجعله يذهب هباءً منثوراً، حافظ عليه بدوام طاعة الله –تعالى-، واجتناب معاصيه.. نسأل الله أن يجعل حجنا مبروراً، وسعينا مشكوراً، وذنبنا مغفوراً، وعيبنا مستوراً، ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين.. أيها الناس: توبوا إلى الله واستغفروا إنه هو الغفور الرحيم..

الخطبة الثانية:

الحمد لله الذي آوى إلى لطفه من أوى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، داوى بإنعامه من يئس من أسقامه الدواء، وأشهد أن نبينا محمداً عبده ورسوله من اتبعه كان على الخير والهدى، ومن عصاه كان في الغواية والردى، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

أما بعد:

إن الحج المبرور الذي يقبله الله من العبد له علامات: من ذلك انشراح الصدر، وسرور القلب، ونور الوجه، ومن علاماته أن صاحبه مستمر في طاعة الله مداوم عليها فالحسنة تجر الحسنة.

وأحب العمل إلى الله أدومه وإن قل، وقد نهى المولى -سبحانه وتعالى- عن الانقطاع عن العمل فقال: (ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثاً) النحل92)، وهذا مثل لامرأة في مكة كانت تخيط الثوب حتى إذا قاربت الانتهاء منه فكت ذلك المخيط وذهب جهدها هباءً منثوراً، فكذلك الذي يحج ويتعب ويسافر من بلده ثم لا يستمر في طاعة الله، أو يعود إلى الذنوب والمعاصي فمثله كمثل هذه المرأة، الذي ذهب جهدها هباءً منثوراً.

أيها المسلمون:

وإن للمداومة آثاراً عظيمة من ذلك:

1.   اتصال القلب بالله.

2.   ترويض النفس على طاعة الله.

3. أنها سبب لمحبة الله وولايته. وفي البخاري: (وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها).

4. وكذلك من آثارها: النجاة من الشدائد، فقد روى أحمد من حديث ابن عباس قال: قال -صلى الله عليه وسلم-: (احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة).

والمداومة سبب لمحو الخطايا: ففي الحديث المتفق عليه عن أبي هريرة مرفوعاً: (أرأيتم لو أن نهراً بباب أحدكم يغتسل منه كل يوم ثلاث مرات هل يبقى من درنه شيء؟) قالوا: لا يبقى من درنه شيء، قال: (فذلك مثل الصلوات الخمس يمحو الله بهن الخطايا).

ومن آثار المداومة حسن الخاتمة، قال –تعالى-: (يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة وفي الآخرة) إبراهيم27. وهنا قد يسأل سائل ويقول: ما الأسباب التي تعين على المداومة والاستمرار في العمل؟

وأقول: الأسباب كثيرة من ذلك:

العزيمة الصادقة على طاعة الله، وكذلك القصد في العمل بمعنى التوسط، فلا إفراط ولا تفريط، وفي الحديث الذي في الصحيحين: (خذوا من الأعمال ما تطيقون فإن الله لا يمل حتى تملوا)، وكذلك من الأسباب مجالسة أهل الخير والصلاح فإنهم ينبهون الغافل، ويذكرون الناسي، وفي الحديث الذي رواه أحمد: (المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل). ومن الأسباب العظيمة محاسبة النفس دائماً على التقصير في جنب الله، وقراءة سير السلف من الصحابة والتابعين في ذلك؛ فإن ذلك من أعظم الأسباب المعينة على طاعة الله -تعالى-.2

أخيراً أيها المسلمون: لقد أنزل الله سورة النصر على رسوله -صلى الله عليه وسلم- في آخر حياته وفيها الأمر بالاستغفار، فقال أهل العلم: شرع الاستغفار بعد نهاية كل عمل، لعلّ الواحد منا يكون قد قصر في أدائه، أسأل الله أن يتقبل أعمالنا، وأن يخلص نياتنا، وأسأله أن يزكي نفوسنا، ويطهرها من الغل والحقد والحسد، اللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك، اللهم ثبتنا على الهدى إلى يوم لقاك.. وصلى الله على سيدنا محمد، وآله وصحبه وسلم، والحمد لله رب العالمين،،،


1– رواه البخاري في كتاب التوحيد.

2– مراجع الخطبة: نقلت أجزاء منها عن موقع إسلام أون لاين للشيخ صلاح البدير.