التكبير والتَّرجيع في الأذان

التكبير والتَّرجيع في الأذان

 

الحمد لله رب العالمين،والصلاة والسلام على سيد المرسلين،وعلى آله وأصحابه،ومن سار على نهجهم إلى يوم الدين.

 أمَّا بعدُ:

إنَّ التكبير والترجيع في الأذان من الأمور المتفق عليها بين الفقهاء إلا أنهم اختلفوا في التكبيرات في أول الأذان كم عددها أهي أربع أو مرتان؟أما الترجيع فقد اختلفوا في حكمه؛ هل هو سنة أم هو مكروه؟. هذا ما سنبسط الكلام فيها.

أولاً التكبير:

اتفق الفقهاء على أن عدد مرات التكبير في آخر الأذان هي مرتان، ولكن اختلفوا في عددها في أوله هل هي أربع أم مرتان؟ الاختلاف على قولين:

الأول: أن عدد التكبير في أول الأذان أربع،وهو قولُ الحنفية والشافعية والحنابلة(1).

أدلة أصحاب هذا القول:

استدل القائلون بأن عدد التكبيرات في أول الأذان أربع بما يلي:

1-   حديث عبد الله بن زيد-رضي الله عنه-، وفيه تقول:( اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ…)(2). وأصل الأذان قد ثبت به(3).

2-   حديث أبي محذورة-رضي الله عنه- قال: (أَلْقَى عَلَيَّ رسولُ الله-صلى الله عليه وسلم-التَّأْذِينَ هُوَ بِنَفْسِهِ، فقَالَ: قُلْ: اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ…)(4) .

3-    أن بلالاً كان يؤذن بالتكبير أربعاً في أول الأذان مع رسول الله-صلى الله عليه وسلم-دائماً، سفراً أو حضراً، وأقرَّه النَّبيُّ-صلى الله عليه وسلم-على أذانِهِ(5).

4-   حديث أبي محذورة–رضي الله عنه-أن رسول الله-صلى الله عليه وسلم- عَلَّمَهُ الأذَانَ تِسْعَ عَشْرَةَ كَلِمَةً، وَالإقَامَةَ سَبْعَ عَشْرَةَ كَلِمَةً"(6)

ووجه الدلالة من هذا الحديث:"أنه ذكر في الحديث أن الأذان تسع عشرة كلمة،ولن يكون ذلك إذا كان التكبير مرتين،وإنما يكون أربع تكبيرات"(7)

القول الثاني: أن عدد التكبيرات في أول الأذان مرتان،وهو قول المالكية وأبي يوسفَ من الحنفيَّةِ(8)

أدلة أصحاب هذا القول:

استدلّ القائلون بأن عدد التكبير في أول الأذان اثنتان، بما يلي:

1-   حديث أبي محذورة-رضي الله عنه-:(أَنَّ النَّبِيَّ-صلى الله عليه وسلم-عَلَّمَهُ الأذَانَ: اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّه أَكْبَرُ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلهَ إِلَّا الله، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلهَ إِلَّا الله...)(9).

2-   حديث عبد الله بن زيد-رضي الله عنه-،وقد روي أيضاً بتثنية التكبير في أوَّله(10).

3-   الأحاديث التي نصَّت على أنَّ الأذان شفعٌ أو مثنى،ومن ذلك حديث أنس بن مالك-رضي الله عنه-قال:(أُمِرَ بلالٌ أَنْ يَشْفّعَ الأذَان وَيُوتِرَ الإِقامَةَ إِلَّا الإِقَامَةَ)(11).

وجه الدلالة من هذا الحديث أن وصف الأذان بأنه شفع يفسّره قول ابن عمر-رضي الله عنه-" مرتين مرتين" وذلك يقتضي أن يستوي جميع ألفاظه في ذلك باستثناء كلمة التوحيد التي في آخره،فهي مُفردة، فدلَّ على أنَّ التكبير ليس مربّعاً(12).

بعد ذكر القولين وأدلة كلاً منهما يتبين أن القول الأول الذي يقول بأن عدد التكبيرات في أول الأذان أربعاً، أنه الراحج، وذلك لأسباب: منها

1-   لأنه يثبت ما أثبته أصحاب القول الثاني وزيادة، والزيادة من الثقة مقبولة.

2-   أن التربيع عمل أهل مكّة وهي مجمع المسلمين في المواسم وغيرها، ولم ينكر ذلك أحد من الصحابة.

3-   لأن رواية مسلم عن أبي محذورة بالتثنية جاءت في بعض طرقها بالتربيع أيضاً، كما قال القاضي عياض، وقد روى التربيع كثير من الأئمة(13).

ثانياً: الترجيع :

تعريف الترجيع:الترجيع في اللغة:هو ترديد الصوت(14).

 وفي الاصطلاح: هو أن يأتي المؤذن بالشهادتين مرتين يخفض بهما صوته،ثم يرجع فيأتي بهما مرتين أخريين يرفع بهما صوته.(15).

حكم الترجيع: اختلف الفقهاء في حكم الترجيع في الأذان على أربعة أقوال:

القول الأول: أن الترجيع ليس بسنّة ولا مكروه إنما هو مباح،وهو قول الحنفية  والصحيح عند الحنابلة(16).

أدلة أصحاب هذا القول:

1-حديث عبد الله بن زيد-رضي الله عنه-في قصة بدء الأذان، وفيه:(أنه قيل له فيما رأى : تقول: "الله أكبر ، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله…الحديث)

وجه الدلالة: أن هذا الحديث هو الأصل في مشروعية الأذان ، وليس فيه ذكر الترجيع، فالأخذ به أولى؛ لأن بلالاً كان يؤذن به مع رسول الله صلى الله عليه وسلم دائماً، سفراً وحضراً(17).وقد رد على هذا الاستدلال من أربعة أوجه لا يسعنا في هذا المقال الصغير ذكرها ومن أراد الإطلاع عليها فليراجع" أحكام الأذان والإقامة".

2- حديث أنس بن مالك-رضي الله عنه-قال:"أمر بلال أن يشفع الأذان ويوتر الإقامة، إلا الإقامة"       ووجه الدلالة من هذا الحديث أن معنى قوله:(أمر بلال أن يشفع الأذان"، أن يأتي بألفاظ شفعاً، أي يقول كل كلمة مرتين سوى آخرها(18).

القول الثاني: أن الترجيع سنّة، وهو قول المالكية والصحيح عند الشافعية ورواية للحنابلة(19).

أدلة القول الثاني:

1-  حديث أبي محذورة–رضي الله عنه-قال:"ألقى علي رسول الله-صلى الله عليه وسلم- التأذين هو بنفسِهِ،فقال: قُلْ: الله أكبر… أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، …الحديث)(20).

2-   حديث سعد القَرَظ-رضي الله عنه-أنّه قال:"إن هذا الأذان أذان بلال الذي أمره رسول الله-صلى الله عيه وسلم-وإقامته ، وهو…"(21).

القول الثالث: أن الترجيع ركن لا يصح الأذان إلّا به، وهو رأي لبعض المالكية ووجه للشافعية(22).

أدلة أصحاب هذا القول: أدلّتهم هي ما تقدم ذكره من أدلّة القائلين بأنّه سنَة، ولكن باعتبار أنه ركن، وذلك لثبوته وللأمر به من رسول الله-صلى الله عليه وسلم-(23).

القول الرابع: أن الترجيع مكروه كراهة تنزيه، أو أنه خلاف الأولى، وهذا رأي لبعض الحنفية(24)

أدلة أصحاب هذا القول: أدلتهم هي ما تقدم ذكره من أدلّة القائلين بأنه مباح، ولكن باعتبار أنه مكروه كراهة تنزيه، وذلك لعدم القطع بثبوته عن النبي-صلى الله عليه وسلم.(25)

خلاصة الأقوال: إجازة العمل بكل ما روي فلا يُكره العمل بالترجيع ولا تركه، بل كلاهما سنَّة ثابتةٌ عن النّبّيِّ-صلى الله عليه وسلم-(26).

وعلى هذا عمل طائفة من العلماء،وحملوه على الإباحة والتخيير،وقالوا: كل ذلك جائز؛لأنه قد ثبت عن النّبيِّ–صلى الله عليه وسلم-وعمل أصحابه،فمن شاء رجَّع في أذانه ومن شاء لم يرجِّع؛ إذ تنوّع صفة الأذان،كتنوع صفة القراءات والتشهّدات ونحو ذلك،وليس لأحد أن يكره ما سنَّه رسول الله-صلى الله عليه وسلم– لأمَّتِهِ(27).

قال شيخُ الإسلام ابن تيميَّة:(… ومن تمام السنَّة في مثل هذا: أنْ يفعل هذا تارة،وهذا تارة وهذا في مكان، وهذا في مكان؛لأن هجر ما وردت به السنَّة وملازمة غيره، قد يُفضي إلى أن يجعل السنَّة بدعةً، والمستحبَّ واجِباً،ويُفضي ذلكَ إلى التفرُّق والاختلافِ، إذا فعل آخرون الوجه الآخرَ)(28).

هذا والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل، والحمد لله رب العالمين،،،


1 –  راجع: المبسوط(1/129).

2 –  رواه أبو داود(499).والترمذي مختصراً(189). وقال حديث حسن صحيح.

3 – انظر: المجموع(3/98).

4 – رواه أبو داود(503)، والترمذي(191). وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود(1/149-150).

5 – انظر: المغني(2/56).

6 – رواه أبو داود(502).، والترمذي(192). وصححه الألباني في صحيح الجامع رقم(2764).

7 – راجع: المبسوط (1/129).

8 – المصدر السابق.

9 – رواه مسلم (379).

10 – رواه أبو داود(499).

11 – رواه البخاري(605). ومسلم (378).

12 – راجع: كتاب أحكام الأذان والإقامة ص (68).

13 – المصدر السابق.

14 – لسان العرب(5/148).

15 – المجموع(3/100).

16 -المصدر السابق.

17 – راجع: المغني(2/56).

18 – عون المعبود لأبي الطيب محمد شمس(2/141).

19 –  المصدر السابق.

20 – رواه أبو داود(503). وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود.

21 – أخرجه الدار قطني في سننه (1/242-243).

22 – المصدر السابق.

23 – أحكام الأذان والإقامة ص(78).

24 – راجع : حاشية رد المحتار لابن عابدين(1/387).

25 – أحكام الأذان والإقامة ص (79).

26 – المصدر السابق.

27 – راجع: مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (22/66).

28 – مجموعة الفتاوى (22/67).