Share |

الآذان والمؤذن

أطول الناس أعناقاً

 

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على البشير النذير، والسراج المنير محمد بن عبد الله الصادق الأمين وعلى آله وصحبه والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:

فالأذان فضله عظيم، وأجره جزيل، والمؤذنون وردت أحاديث كثيرة تبين فضلهم، وتذكر عظيم أجرهم كما جاء عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا)) رواه البخاري (615)، ومسلم (437).

بل إن المؤذن يُغفر له بمدى صوته، وله أجر من صلى معه: فعن البراء بن عازب رضي الله عنه أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال: ((إن الله وملائكته يصلون على الصف المقدم، والمؤذن يغفر له مدَّ صوته، ويصدقه من سمعه من رطب ويابس، وله مثل أجر من صلى معه))1.

وقد ورد في فضلهم أنهم أطول الناس أعناقاً يوم القيامة فعن طلحة بن يحيى عن عمه قال: كنت عند معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما فجاءه المؤذن يدعوه إلى الصلاة، فقال معاوية: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((المؤذنون أطول الناس أعناقاً يوم القيامة)) رواه مسلم (387).

ولعل سائلاً يسأل عن معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((أطول الناس أعناقاً)) ما المقصود منه؟

فنورد هنا ما قاله الإمام النووي رحمه الله تعالى حين قال: "اختلف السلف والخلف في معناه:

فقيل: معناه أكثر الناس تشوفاً إلى رحمة الله تعالى؛ لأن المتشوف يطيل عنقه إلى ما يتطلع إليه، فمعناه كثرة ما يرونه من الثواب.

وقال النضر بن شميل: إذا ألجم الناس العرق يوم القيامة طالت أعناقهم لئلا ينالهم ذلك الكرب والعرق.

وقيل: معناه أنهم سادة ورؤساء، والعرب تصف السادة بطول العنق.

وقيل: معناه أكثر اتباعاً.

وقال ابن الأعرابي: معناه أكثر الناس أعمالاً.

قال القاضي عياض وغيره ورواه بعضهم إعناقاً بكسر الهمزة: أي إسراعاً إلى الجنة، وهو من سير العَنَق"2.

وقال الإمام الخطابي رحمه الله تعالى: "وفيه وجه آخر وهو أن يراد بالأعناق جماعات الناس من قولهم أتاني عنق من الناس أي جماعة كثيرة، يريد أن المؤذنين أكثر الناس أتباعاً يوم القيامة، وأتباعهم القوم الذي أجابوهم إلى الصلوات"3.

قال أبو بكر بن أبي داود سمعت أبي يقول: معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم ((المؤذنون أطول الناس أعناقاً يوم القيامة)) ليس أن أعناقهم تطول، وذلك إن الناس يعطشون يوم القيامة، فإذا أعطش الإنسان انطوت عنقه، والمؤذنون لا يعطشون فأعناقهم قائمة"4.

وقال الشيخ ابن العثيمين رحمه الله: "إذا بُعث الناس فإن المؤذنين يكون لهم ميزة ليست لغيرهم وهي أنهم أطول الناس أعناقاً، فيعرفون بذلك تنويهاً لفضلهم، وإظهاراً لشرفهم؛ لأنهم يؤذنون ويعلنون بتكبير الله عز وجل وتوحيده، والشهادة لرسوله صلى الله عليه وسلم بالرسالة، والدعوة إلى الصلاة وإلى الفلاح، يعلنونها من الأماكن العالية، ولهذا كان جزاؤهم من جنس العمل أن تعلو رؤوسهم، وأن تعلو وجوههم، وذلك بإطالة أعناقهم يوم القيامة، وهذا يدل على أنه ينبغي للإنسان أن يحرص على أن يكون مؤذناً حتى لو كان في نزهة هو وأصحابه، فإنه ينبغي أن يبادر لذلك"5.

أما روي عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((إن الله يحشر المؤذنين يوم القيامة أطول الناس أعناقاً بقولهم: لا إله إلا الله))6 فقد ضعفه الشيخ الألباني رحمه الله7.

لكن طول أعناقهم ثبت بالحديث السابق الذي رواه الإمام مسلم، وهذا فضيلة لهم على ما دعوا إليه من الخير، وأعلنوا فيه من التوحيد.

فنسأل الله بمنِّه وكرمه أن يوفقنا لفعل الخيرات، ويجنبنا فعل المنكرات، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه، والحمد لله رب العالمين.


 

1 رواه أحمد (18036)، والنسائي (646)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (1841).

2 شرح النووي على صحيح مسلم (4/92).

3 غريب الحديث والأثر (1/593).

4 سنن البيهقي (1880).

5 شرح رياض الصالحين (1/1188).

6 مسند السراج (1/60).

7 في ضعيف الجامع الصغير (1727)، والسلسلة الضعيفة (3130).

©جميع الحقوق محفوظة لموقع إمام المسجد 2004
ويحق لمن شاء أخذ ما يريد من مواد هذا الموقع بشرطين : الأول : عزو ما يأخذ إلى موقع إمام المسجد www.alimam.ws ، الثاني : الأمانة في النقل وعدم التغيير في النص المنقول ولا حذف شيء منه ، والله الموفق .
0.01239